ماذا لو كنا نحن الفيروسات الحقيقية؟

لماذا الخوف من كوفيد-19
3

يثير كورونا الهلع لسبب آخر يكاد لا يلتفت أحد إليه، فيتجاهلونه بعمد أو بدون. خصوصاً أن هذا الميكروب يلعب بنفس الطريقة التي كنا نلعب بها سابقاً، إذ يذكّرنا بالماضي السحيق الذي نكاد نكون قد نسيناه تماماً. متى يمكن للريبة من سلوك ما يُمارس ضدك أن تثير هلعك؟ الجواب، عندما يكون ذلك السلوك يقلدك حرفياً، ينسخك في كل شيء تماماً.

ليس كورونا فيروساً عادياً فحسب، إنما بطريقة ما هو نحن أنفسنا. تشابهٌ في السلوك، اختلافٌ في النوع. لكن دعني أوضّح لك ذلك أكثر.

على لسان العميل سميث في فيلم The Matrix، كانت المشكلة العُظمى مع الجنس البشري في أنهم يتكاثرون بتواتر عالٍ جداً. فوفقاً للعملاء، يحتوي كوكب الأرض على كائنين فقط يتناسلان انشطارياً بغض النظر عن الموارد المتاحة لهما الضامنة لبقائهما واستقرارهما: الأوّل الفيروسات، أما الكائن الثاني فهو الإنسان.

فالإنسان وفقاً للعميل سميث هو سرطان كوكب الأرض. إنه يتكاثر بشكل اعتباطي وبشراهة، كما تفعل الفايروسات تماماً.

رغم سينمائية الفيلم وحواراته، إلا أن هذه الجزئية كانت إحدى أهم الفلسفات والأطروحات الفكرية التي ألهبت عقل الكثيرين. ليس ابتداءً بتوماس مالتوس الذي أسس لمفهوم العلاقة بين الإنسان والغذاء مُبيّناً أن الإنسان يتكاثر بشكلٍ أسي بينما الغذاء يزداد بمتتالية عددية، مما يُنشئ فجوة يصعب ردمها، وليس انتهاءً بيوفال هراري الذي تحدّث عن هذا التضخم في خضم تأريخه عن ثورة الإنسان الزراعية وما تبعها.

إذ أن تعداد الإنسان قبل شرارة الزراعة، والذي كان موصوفاً بأنهّ “صياد جامع” قدّرت بحوالي 6 – 10 مليون فقط. هذا قبل حوالي 15 ألف سنة، أما الآن فأعداد الإنسان المُسمّى بأنه “الكائن العاقل” تقدرّ بحوالي 7.7 مليار فرد. نعيد طرح تساؤلنا مرة أخرى: لماذا كل هذا الهلع تجاه فايروس كورونا؟

الجواب، لأننا منذ زمن بعيد لم نرَ كائناً يمارس نفس نمطنا وسلوكنا في البقاء، نمط التكاثر والانشطار الأسي بشكل اعتباطي، وهذا هو باختصار ما يفعله كوفيد_19. ربما هناك كائنات تمارس نشاطاً قريباً، لكنها منفصلة عنا تماماً دون أن تؤذينا. أما كوفيد فيعمل العكس، فهو يتكاثر على حسابنا، يريد إنهاءنا. مثلما أنهينا بعضنا البعض في مطلع العصر الزراعي. لذلك وجب أن نوضّح تفاصيل هذا العدو قليلاً.

صغيرة جدًّا لكنها قاتلة: أبرز فصول الحرب بين الفيروسات والبشر

كورونا ليس فيروساً، هو طيف كبير من الفيروسات يسمى التاجيات، أو ذات الشكل التاجي ومن هنا جاءت تسميته كورونا. وغالباً الزكام الذي تعرضت له في العام الماضي أو ما قبله، هو كورونا. هذا شيء عادي جداً. المشكلة فقط مع الكوفيد_19، والذي يمكن اعتباره النسخة الأحدث والأكثر تطوّراً من فيروسات الكورونا.

الآن لنفرض أن أحدٌ ما قد أصيب، ما هي السيناريوهات المحتملة؟

أولاً: وهو السيناريو الأكثر حدوثاً، ألا يحدث شيء أساساً. يمر المرض وكأنه لم يحدث، يدخل ويخرج دون أن تدري. لأنك شاب، ولجسمك مناعة جيدة، وتاريخ مرضي مُسبق معه، فيتم تصديه بشكل روتيني عادي.

ثانياً: يصيبك المرض وتظهر أعراض لكنك تتعافى بعد موجة دفاع من الجهاز المناعي، فهو كالاحتمال الأول، لكن إن كانت مناعتك ليست بالمستوى الجيد، لا بد من قليل من المجابهة داخل جسمك.

ثالثاً: وهو الحالة الوحيدة الخطيرة. وللأسف هي الحالة الوحيدة التي يُسلط عليها الضوء إعلامياً، وهي الانتكاس الذي ينتهي بالموت بسبب نقص المناعة. وهنا يجب أن نذكر أن هذا سيحدث بكوفيد_19 أو حتى أي مرض فيروسي آخر. الأشخاص بدون مناعة سيموتون من أقل الهجمات المرضية، فالأمر ليس حكراً على كوفيد_19 حتى.

إذاً لماذا كل هذه الجلبة حول كورونا؟

الآن نأتي لنقطتنا الحساسة. الجلبة لأن كورونا كوفيد_19 هو فيروس سريع الانتشار ذو تواتر عالٍ جداً، هذا هو السبب الرئيس في كل هذه الضجة. تأثيره المرضي عادي أو شبيه بما يسبقه من ميكروبات، إلا أنه سرعة انتشاره، وسهولة نقله، إضافةً لعمله بشكل صامت، هي ما تجعله خطراً وفقاً لمنظمة الصحة العالمية التي صنّفته كوباء.

فلو أردنا مثلاً عرض بعض من إحصائيات الموت حول العالم. سنوياً، يموت حوالي 1.9 مليون إنسان بسبب الجوع. 3.4 مليون من مرضى السكري والضغط، ما يقارب من 600 ألف بسبب الانتحار. ويتصدر قائمة الوفيات مرضى القلب والأوعية الدموية التي تحصد سنوياً ما يقارب 17 مليون إنسان، وهي أرقام أعلى من كورونا بكثير. لكن كما كنت أقول، المشكلة مع الكوفيد_19 أنه سريع الانتشار ما يسبب الموت بسبب عدم كفاية أنظمة الرعاية الصحية وتكدس الأعداد، وليس بسبب القوة المرضية للفيروس نفسه.

وإن أردنا فلسفة الأمور قليلاً، فكما تحدثنا في البداية. سلوك سرعة الانتشار والتكاثر هو سلوكنا نحن البشر. بمعنى أننا لا نشعر بالتهديد المرضي، بقدر ما نشعر بالتهديد الوجودي السلطوي.

لنتخيل لوهلة دجاجة تحمل دكتوراه في الإحصاء تعيش في عهد ما قبل الثورة الزراعية أي قبل حوالي 14 ألف سنة من الآن. فجأة تسمع هذه الدجاجة بنبأ قاسٍ، هو قدوم كائن يُسمى العاقل ليقوم بتدجين الحيوانات وزراعة الأراضي واستثمارها. ليفجر بذلك سلسلة من الأحداث الحضرية التي أنشأت المدينة وتوابعها، خاتماً ذلك برفاهية بشرية زادت نمو السكان وأعدادهم بشكل فيروسي سرطاني ليصلوا إلى قُرابة 7.7 مليار حتى هذه اللحظة.

الآن نطرح سؤالاً، وفقاً لهذه الدجاجة صاحبة المعادلات، ولبقية الحيوانات، ومن منظور درون/ عين النسر يرى الصورة كاملة. مَن هو الفيروس الجديد الذي ينتشر على الأرض على حساب الآخرين؟ أعتقد أن الجواب كجواب العميل سميث تماماً. ليس كورونا كوفيد_19، إنما كورونا كوفيد_إنسان.

أو كما لخصها أحدهم بعبارة بسيطة قرأتها منذ مدة:

لو كان لدى الحيوانات أديان وآلهة، فإن الإنسان عندها هو الشيطان حتماً

يجب أن نضع بعين الاعتبار أن هذه النتائج الحضرية المدنية التي جناها الإنسان من ثورته الزراعية وخروجه من منطق الصيد والجمع إلى منطق الزرع والتدجين، هي نتائج كانت مذهلة بالنسبة له ولجنسه فقط. لكنها كانت كارثية من منظور الكوكب بشكل عام والحيوانات بشكل خاص، ولعل كورونا كوفيد_19 يعطينا مثالاً حياً عن هذا المقارنة لفهمها أكثر، فهو يذكرنا بما فعلناه نحن من قبل عن طريق ما يفعله بنا اليوم.

لتفهم كورونا: ٣ كتب تشرح لك الأوبئة والأمراض والفيروسات

الفيروسات الحقيقية

لاحظوا أن الجنس البشري -ورغبته في الخروج من الكوكب والاتجاه للمريخ واستعمار بقية المجموعة الشمسية عن طريق بعض الشخصيات العالمية كإيلون ماسك مثلاً- يمكن تشبيهها بدخول كوفيد_19 إلى الجسم ورغبته في الانتشار إلى كل الخلايا والأعضاء ونسخ نفسه ليصيب كل إنسان يقترب منه، إذ يسعى الجميع لفائدة بني جنسه وتحقيق الهدف الطبيعي الأسمى في الانتشار والتمدد والتوسع.

الفرق أن إيلون ماسك يسعى لخدمة الإمبراطورية البشرية، أما كوفيد_19 فيسعى لخدمة الإمبراطورية الفيروسية الكورونية. وكلاهما وفقاً لرؤية العميل سميث، سرطانات هذا الكوكب، كائنات تحمل DNA ترغب بتمريره، فتتكاثر انشطارياً بغض النظر عما يحمله المُضيف من موارد للاستيعاب، وهي نفس رؤيا توماس مالتوس عندما قدّم مقارنته في الفرق بين النمو الهندسي لأعداد البشر، والنمو العددي لكميات الغذاء.

نعم. في النهاية سينتصر الإنسان على هذا الكوفيد، والسبب في ذلك أن الحرب غير عادلة. إذ أنه لا يمتلك سوى شريط صغير من الحمض النووي ومحفظة بروتينية رقيقة تكاد لا تذكر. أما الإنسان العاقل الذي أمامه، فقد خاض جولات قاسية من التطورات والمجابهات الوبائية البيولوجية وحتى الفيزيائية ليصل إلى مكانته السيادية في قمة هرم الرئيسات على رأس طبيعة هذا الكوكب.

لكن مَن يدري ربما بعد حوالي 500 أو 1000 سنة من الآن. عندما نكون أنا وأنت عزيزي القارئ قد تبخرنا وأصبحت عظامنا مكاحل، يأتي كورنا كوفيد_489 مثلاً. والذي لا يكون فقط شريط قصير من الحمض النووي ومجرد بروتينات خارجية، إنما يكون متطوراً أكثر بسبب جولات ضارية كان قد خاضها مع الإنسان من قبل.

سيكون حينها بشريط حمضي طويل، وربما بهيكل خارجي عضلي عظمي أضخم من الإنسان وأقوى. عندها يمكن أن نقول أنّ المواجهة قد أصبحت عادلة، ونشهد ونحن في قبورنا أفول الجنس العاقل البشري على يد الكوفيد في مواجهة قد أتت متأخرة جداً فلم نحضرها بشكل مباشر. أو ربما لا يقضي علينا تماماً، بل يقوم باستعبادنا مثلما تشير الأدلة التاريخية إلى ما فعل العاقل من استعباد لقريبه إنسان النياندرتال قبل انقراضه.

هذا حتماً، إن كانت نهاية الجنس البشري طبيعية ناتجة من تفاعلات حيوية بيئية وليس بيده نفسه، وبين أفراد جنسه الواحد حتى.

هل يكون فيروس كورونا أحد أشكال الأسلحة البيولوجية المستخدمة في حرب يُراد لها أن تكون بالأوبئة؟!

3

شاركنا رأيك حول "ماذا لو كنا نحن الفيروسات الحقيقية؟"