الجينات والإنسان.. رحلة ثوريّة لا تخلو من المخاطر

الجينات والإنسان
0

قد تعتقد أن قصّة الإنسان مع الجينات بدأت باكتشاف الـ DNA في الستّينيات من القرن التاسع عشر، وإن كنت مطّلعاً أكثر بقليل ستقول: إن العالِم والكيميائيّ السويسريّ (يوهان فريدريش ميشر-Johann Friedrich Miescher) وخلال تجاربه على كريّات الدم البيضاء لدراسة مكوّناتها، هو أوّل إنسان تطأ قدمه العالم الجزيئيّ، ذلك عندما لاحظ وجود مادّة تختلف في طريقة تفاعلها مع الحمض والأساس عن البروتينات الأخرى في الخليّة، ليتبيّن لاحقاً بتتالي الأبحاث أن هذه المادة هي الـ DNA.

لا شكّ أن اكتشاف يوهان شكّل نقلةً نوعيّةً في عالم توارث الصّفات وتدخّل الإنسان بها، فهو -في النهاية- من أوجد الشيفرة التي تتحكم حرفياً بكل شيء!

لكن القصّة في الحقيقة تعود أبعد من ذلك، لتبدأ في أساسها من رغبة الإنسان منذ الأزل بتحسين نوعية حياته وسعيه الدائم لتخطّي ما يرى أنّها عيوب في الطبيعة ويحاول إصلاحها ليقترب قدر الإمكان من الكمال.

أولى خطوات الإنسان في عالم تعديل الجينات

 منذ أن بدأ الإنسان العمل بالزراعة وتدجين الحيوانات، فكّر بطرق لجعل الحيوانات أكثر إنتاجاً والمحاصيل أوفر مردوداً. وإن كانت هذه المحاولات بدائيّةً في البدايات ولم تحمل أساساً علميّاً، إلّا أنّها كانت موجودة ومطبّقة على نطاق واسع. فمثلاً، لجأ المزارعون إلى إلقاح الأنواع العاديّة من الأبقار بأنواع عالية الإنتاجيّة لعلمهم أنه يمكن بهذه الطريقة الحصول على نوع جديد يحقق مستوىً إنتاجياً ممتازاً من الحليب، كذلك لجأوا لمزاوجة أنواع من الدجاج ذات البيوض الصغيرة مع أخرى تعطي بيوضاً أكبر حجماً، والعديد من الأمثلة الأخرى في المحاصيل الزّراعية وخاصّة الحبوب. يطلق العِلم على هذه العمليّة اسم “الاستيلاد الإنتقائي” أو “Selective Breeding”.

الجينات
نوع من الأبقار تم الحصول عليه باستخدام الاستيلاد الإنتقائي

غير أن الإنسان، وتحديداً عالم الرياضيات البريطاني فرانسيس غالتون Francis Galton، فكّر في إمكانيّة تطبيق مبادئ التهجين هذه على البشر تحت شعار “تحسين العرق البشري” في الأواخر من القرن التاسع عشر. كانت أوروبا في تلك الفترة -بريطانيا بشكل خاص- متفوّقة اقتصاديّاً على باقي دول العالم، وما دفع غالتون إلى مثل هذه المقترحات هو قناعته بأن الصّفات الجيّدة كالذكاء والبنية الجسديّة السليمة مقتصرة على الطبقات العليا في المجتمع وأن هؤلاء ينجبون بمعدّل أقل بكثير من الطبقات الفقيرة الأقل كفاءة حسب اعتقاده، فطرح فكرة تعديل النّسل أو eugenics بهدف اصطفاء الجينات الجيّدة والسّماح فقط لحامليها بالتزاوج وإنجاب الأطفال. لحسن الحظ أن هذه الفكرة العنصريّة بقيت نظريّة ولم تطبّق على الرّغم من تشجيع العديد من الحكومات لها.

الهندسة الوراثية والقفزة في تاريخ تحسين الصّفات المتوارثة

بالعودة إلى اكتشاف الـ DNA، وبعد التقدّم النوعي الذي حقّقه العلماء في تفصيل بنية الجينات الجزيئية وتحديد العناصر الأساسية المكوّنة لها، بالإضافة إلى تطوّر فهمهم للآلية التي تنتقل بها الصفات من جيل لآخر عبر هذا الجزيء؛ تركّز الاهتمام إلى كيفيّة الاستفادة من هذا الاكتشاف لاستدراك الأخطاء الوراثية المحتملة وإلغاء العيوب الموجودة.

لم تصبح إمكانيّة التعديل هذه ممكنة إلا بعد اكتشاف إنزيمات التقييد “restriction enzymes” عام 1968 من قبل عالم الأحياء الدقيقة السويسري فيرنر أربر Werner Arber.

فقد لوحظت هذه الأنزيمات لأوّل مرة لدى البكتيريا حيث كانت وسيلةً دفاعيّةً تشبه المقصّ مهمّتها قطع الـ DNA الغريب عن الخليّة الجرثوميّة (DNA فيروسي متطفّل مثلاً) ومنعه من الالتصاق ونسخ نفسه. تمكّن العلماء بالفعل من عزل هذه الأنزيمات واستخدامها لإجراء التعديلات على الـ DNA، وكانت أولى المحاولات على جرثومة الإشريشيا الكولونيّة. لكن كانت هناك مشكلة، فأنزيمات التقييد تلتصق وتقص مناطق عشوائية وغير قابلة للضبط من الـ DNA. عموماً، استطاعوا لاحقاً تجاوز هذه المشكلة وإنتاج أنزيمات تقييد مبرمجة وموجّهة إلى مناطق محدّدة من الـ DNA، لتكون بذلك أول عمليّة تعديل فعليّة على الـ DNA.

أهم تطبيقات الهندسة الوراثية في مختلف مجالات الحياة

أتاحت إمكانيّة التعديل الجيني المجال لإيجاد الحلول للعديد من المشاكل الصحيّة المستعصيّة، وتحسين جودة العديد من المنتجات الزّراعيّة والصّناعيّة. أبرز ما أفادتنا به الهندسة الوراثيّة يكمن في:

  • فيما يخص الأمراض المنتقلة بالجينات: يعد استخدام الهندسة الوراثيّة في علاج الأمراض والشذوذات ذات الأساس الجيني مثل فقر الدم المنجلي، الحثل العضلي لدوشين، الداء الليفي الكيسي، داء الرقص العصبي لهنتنغتون ومتلازمة ليش-نيهان، والعديد من الأمراض الوراثيّة الأخرى، من التطبيقات الواعدة والأكثر ثوريّة للهندسة الوراثيّة.
  • فيما يتعلّق بعلاج السّرطان: عام 2004، في ويسكونسن في الولايات المتحدة الأمريكيّة، أجرى الأطباء تعديلاً جينيّاً على الخلايا المناعيّة لمريض مصاب بأحد أنواع سرطانات الجلد الأسوأ إنذاراً وكان المرض منتشراً في كل أنحاء جسمه وفي مراحله الأخيرة. ماذا حدث؟ هاجمت الخلايا المناعيّة المعدّلة جينيّاً الخلايا الورميّة في كل أنحاء جسم المريض وشفي تماماً من السّرطان. لكن الخبر السيئ هو أن استراتجيّة العلاج هذه لم تنجح إلا في مريضين من أصل 17 مريضًا خضعوا للتجربة، ولكن مجرّد نجاحها في شخص واحد يعني إمكانيّة نجاحها على الجميع، والأبحاث مستمرّة وواعدة جداً في هذا المجال. فتحت إمكانيّة التعديل على الخلايا المناعيّة أبواباً جديدة كذلك في تحسين آليّات التصدي لبعض الأمراض الإنتانيّة المميتة كالسل، الملاريا وحتى الإيدز، إضافةً لإمكانيّة إحداث نقلة نوعيّة في بروتوكولات علاج بعض أمراض المناعة الذّاتيّة كالسكري عند الأطفال والتهابات المفاصل المناعيّة.

الجينات

  • فيما يخص الغذاء: أتاحت الهندسة الوراثية فرصة جعل المأكولات المختلفة أغنى ليس من ناحية المذاق فحسب وإنما من حيث محتواها من العناصر الغذائيّة. كما قلّلت الحاجة إلى الأسمدة والمبيدات الحشرية من خلال تعديل المزروعات لتصبح أكثر مقاومة للجفاف والأمراض المختلفة. كما تمكّنا من خلال التعديل الجيني جعل مدّة صلاحية الأطعمة أطول.

الجينات

  • دور الهندسة الوراثية في الصّناعة: أهم إنجازات الهندسة الوراثيّة في هذا المجال تكمن في تصنيع بكتيريا معدّلة جينيّاً بإمكانها التهام الهيدروكربونات، تفيد هذه البكتيريا في صناعة المنظّفات بحيث تعطيها القدرة على تطهير المناطق الملوّثة بالمخلّفات السّامة والبترول، كما تستخدم هذه الميكروبات في صناعة محاليل التنظيف المنزليّة ومحاليل حفظ العدسات اللاصقة.
  • دور الهندسة الوراثيّة في تطوير اللقاحات: ساهمت الهندسة الوراثية في تطوير لقاحات أكثر أماناً، من خلال عزل الجين الفيروسي الذي تتعرّف إليه الخلايا المناعيّة وحقنه في الجسم ضمن سواغ آمن، فتتعرّف إليه الخلايا وتكوّن ضدّه مناعة دون أن تتعرّض إلى الفيروس الكامل الممرض.
  •  التعديل الجيني على الحيوانات: يتم الآن تطبيق التعديل الجيني على الحيوانات بهدف الاستفادة من هذه التعديلات في علاج العديد من الأمراض البشريّة وخاصّة في مجال زرع الأعضاء، أيّ محاولة تعديل أعضاء الحيوانات جينيّاً بحيث تصبح صالحة للزراعة في الأجسام البشريّة عند الحاجة.

بالإضافة إلى الدّور الرائد للهندسة الوراثيّة في مجال تشخيص الأمراض، تحسين صحّة الإنسان وإطالة حياته.. يبقى السؤال: أين هي المخاطر وما مدى أهميّتها أمام كلّ هذه الإنجازات؟!

في الحقيقة، لا نستطيع التنبؤ بشكل دقيق بتأثير التعديل الجيني على الوجود الحي، خاصّة وأن عمليّات التعديل هذه غير قابلة للعكس، كما قد تتصرّف الجينات الجديدة بشكل مختلف تبعاً لنوع المضيف أو قد تخرج كليّاً عن سيطرة المصنّعين، مما يضعنا في مواجهة طيف واسع من النتائج التي لا يمكن حصرها أو التنبؤ بها. بالإضافة إلى مساءلات أخلاقيّة عديدة حول امتلاك الإنسان الحق في استخدام الكائنات الحيّة الأخرى وإجراء التعديلات عليها لخدمة أهدافه ومخاطرته بصحّتها وبقائها من أجل صحّته وبقائه.

هندسة الجينوم البشري: عِلم واعد أم خروج للعِلم عن السّيطرة؟

هندسة الجينوم البشري تعني تطبيق مبادئ التعديل الجيني على الخلايا البشرية لمكافحة الأمراض أو لغيرها من الأسباب المذكورة في الأعلى. الهجوم الأخلاقيّ والدّيني شديد وعنيف جدّاً كونها تعتبر تلاعباً بالخلق وتعدّياً على حرمة الخالق. ولكن بعيداً عن الجدال الديني الأخلاقي، هناك عدّة تساؤلات لا بد من الإجابة عليها قبل تمجيد هذه التقنيات والتفاخر بما قدّمته للبشرية:

  1. بما أن أمل الهندسة الوراثية هو إنسان خال من الأمراض يتمتّع بمناعة خارقة، هذا سيعني من جهة زيادة تعداد سكّان الكوكب وزيادة عدد المسنّين من جهة أخرى، والسؤال: هل يستطيع كوكب الأرض على المدى البعيد استيعاب كل هذه الأعداد من البشر؟ وهل يرغب البشر أساساً في حياة أطول مع كل ما يواجهه المسنّون من مشكلات اجتماعيّة وصعوبات في تلبيّة حاجاتهم الخاصّة؟
  2. التعديل الجيني يستهدف على الغالب الاضطرابات المعروفة ويقوم بإصلاحها، هل يضمن العلم أن هذا الإصلاح في مكان لن يؤدي إلى ثغرة وفجوات أخرى في جينات أخرى؟
  3. على فرض أن التعديل الجيني للإنسان سيصبح ممكناً، هل سيكون متاحاً للجميع، أم فقط لأفراد المجتمعات الغنيّة؟ لأن اقتصاره على عرق أو مجتمع معيّن وتحصينه سيؤدّي إلى زوال المجتمعات الأخرى تحت تأثير الاصطفاء الطبيعي وستزول العديد من المجموعات البشريّة بمرور الوقت وسيختفي التنوّع الجيني الموجود حاليّاً.
  4. هل من الممكن أن تتحوّل الهندسة الوراثيّة من خطوة علميّة إلى وسيلة رفاهيّة؟ بمعنى أن يصبح بإمكان الأشخاص تحديد صفات أبنائهم قبل ولادتهم، والتحكّم في صفاتهم من طول، شكل وجه أو حتى معدّل ذكاء؟ وهل من العدل أن نختار لأبنائنا أدق صفاتهم؟

الجينات

ويبقى السؤال الأكبر؛ هل من الآمن التلاعب في سير طبيعة دقيقة التنظيم؟ أو هل من حق العلم أساساً التدخل في كل شيء؟ أم أن هناك جوانب من الوجود الحي على الإنسان أن يبقى بعيداً عنها؟!

0

شاركنا رأيك حول "الجينات والإنسان.. رحلة ثوريّة لا تخلو من المخاطر"