كورونا فيروس
5

“لا أعرف ما ستكون الأسلحة المستخدمة في الحرب العالمية الثالثة. ما أعرفه، أن الحرب العالمية الرابعة ستكون بالعصي والحجارة. -الفيزيائي ألبرت آينشتاين

الحرب العالمية الأولى كانت حرب الإمبراطوريات الكبرى، الدول ذات الامتداد الواسع الشاملة لعدة أعراق وقوميات ولغات. أما الثانية فكانت حرب الدول القومية. كالفاشية والنازية. التي تمجد نفسها بشكل زائد عن اللزوم ولو على حساب إبادة الآخرين. أما الحرب العالمية الرابعة، فهي على لسان ألبرت آينشتاين، العالِم الذي استطاع أن يتنبأ بموجات الجاذبية مِن على مكتبه قبل 100 سنة من إثباتها بشكل عملي في عام 2016. فقد توقّع أن الحرب الرابعة ستكون حرب العصي والأحجار.

نحن الآن أمام فراغ، وهو الحرب العالمية الثالثة. كيف سيكون شكلها، ومَن سيبدأها؟ سرعان ما أتى كورونا كوفيد_19 ليملأ هذا المكان. مُعلناً بداية الحرب العالمية الثالثة. وربما هي الحرب الأكثر عالميةً مِن كل ما سبقها. حرب الإنسان ضد الفيروسات، إذ حان الوقت للكائن العاقل كي يتصارع مع آخرين من غير جنسه. شيء ما أكثر دقة وذكاءً وتخفياً، وعلى نطاق عالمي قافزاً فوق كل الحدود والأعراق والقوميات والأديان والفلسفات والطبقات الاجتماعية.

مناطق انتشار كورونا
مناطق انتشار فيروس كورونا. وكما نرى. حرب عالمية أكثر انتشاراً من كل الحروب العالمية السابقة. لا تستثني أحداً على ظهر هذا الكوكب. والوفيات من جميع الأطراف المشاركة أيضاً.

حتى ندرك لماذا الكائن العاقل غير ملتزم كثيراً بهذا الحجر الصحي، ولا يعي قدرَ الخطر الذي هو فيه، لا بد من أن نفهم قبل أن عقل الإنسان الذي يحمله بين كتفيه هو قديم لم يعتد التعامل مع الأنماط الجديدة من حضارة الإنسان الذكية، هو عقل زاحف يعيش في الغابة لا عقل إنسان مدني يعيش بين ناطحات السحاب.

بمعنى أنه لو أن الهجوم علينا كان قد تم مثلاً من قطيع ذئاب أو دببة ضالة لوجدت الجميع يجلس في البيت ويحجر نفسه، ذلك أن التهديد هنا فيزيائي مرئي، وهو مخزّن بدقة في دماغ الإنسان القديم ومعتادٌ عليه مسبقاً كحالة خطر. أما الهجوم الفيروسي من كائن غير مرئي فهو شيء جديد جداً، فالعقل البشري غير مهيأ لفهم هكذا تهديدات. فضلاً عن الالتزام بها.

من ناحية أخرى، أزمة كورونا ليست فقط مؤسفة لأن البشر يموتون، وهو بالمناسبة لن يحدث، لأنه حتى لو أصاب الفيروس كل سكان العالم، وكما هو معلوم نسبة الوفاة فيه حوالي 2%، فإن عدد الوفيات سيكون حوالي 250 مليون تقريباً. ونحن كُثر جداً. بمعنى أننا نهبط من 7.8 مليار، إلى 7.5 مليار. فليست مشكلة كورونا مرضية، إنما اقتصادية وما سيترتب عليها من تبعات.

مشاكل كورونا
إنفوغراف يوضّح أعداد الوفيات في جميع الجوائح التي ضربت العالم من قبل.

كعرض سريع، الاقتصاد قائم على مفهومي البيع والشراء أو العرض والطلب. هنا في حالة الحجر واستمرار الجائحة، يتعرض مفهوما العرض والطلب لإعدام ميداني. لا أحد يشتري ولا أحد يبيع، باستثناء السلع الأساسية والتي ستنفذ فيما بعد. فتضطر للاستيراد وهذا لن يحدث بسبب إغلاق الدول لحدودها، فيحدث نوع من الاعتماد الذاتي المحلي. ولا يمكن أن يكون هذا الاعتماد طويل الأمد لأنه كما هو معلوم كل حاجة آتية من دولة معينة. ربما الخبز والبطاطا تنمو في أراضينا، لكن بطارية الهاتف والساعة لن تنمو حتماً.

فنحن أمام انهيار حرفي للاقتصاد لدى الجميع ما لم تُحل هذه المعضلة، ربما بعض الدول تحافظ على إنتاجها لكن السؤال هنا من سيشتري؟ وإن أرادوا ذلك، فكيف سيشترون وينقلون ما يشترون؟ لذلك تجد أن الدول القوية الآن بدأت بمساندة الدول الضعيفة، ليس حباً بها طبعاً، لكنها بحاجة لمستهلكين كي يشتروا سلعها، فلا يكفي أن ينتجوا هم فقط. بل يجب أن يكون الزبون سليماً معافى.

مما تبيّن أيضاً في هذه الجائحة، أن التجهيزات الطبية في العالم بأجمعه قاصرة لاستيعاب أعداد كبيرة من المرضى. هذه الفكرة يجب أن تشكّل أفق ما بعد الكورونا وما سيفعله العالم من بعده. لأن مفهوم تطوّر الإنسان وحروبه الذكية، تبيّن أنها ليست قاصرة عليه وحده، فالأوبئة والفيروسات تتطور. وهذا ما يبدو جلياً فيما نراه، لذلك قد يكون مفيداً أن يضع العالم جزءاً من ميزانيته وموارده في تطوير القطاعات الصحية، بدلاً من القطاعات العسكرية مثلاً.

“في جميع الحروب التي خاضها الجنس البشري، دائماً ما يتم إطلاق عناوين رنانة عليها كنوع من تأطير ما يتم فعله من عمل تحت روح واحدة. الآن نحن أمام فيروسات تقوم بفعل القتل الصامت. أعتقد أن العالم لو قرر الاجتماع والتركيز ضد عدو واحد وشن حرب عليه، فلا بد من عملية تحمل هذا الاسم. و”درع الحياة” قد يفي بالغرض فعلاً”

يجب أن نذكر أن الخوف هنا مُبرر جداً، نعم الحالة النفسية مُربكة والقلق لا يفيد. لكن نحن لسنا أطفال، العالم فعلاً أمام كارثة حقيقية. حرب عالمية ضد كائن غير مرئي. التهديد ليس للإنسان كنوع لأننا باقون في أرضنا، التهديد هو لهيكلية حياة الإنسان. نوعية طعامه، طريقة دراسته، شكل عمله، كيفية إنجازه. علاقاته الاجتماعية.. إلخ وما سيحدث تالياً هو نوع من الانتخاب التقني الإجباري. سينجو أصحاب التقنيات الأعلى والأنجع في المواجهة، وأكثرهم حزماً. في حين أن الحظ لن يحالف مَن يزالون لا يؤمنون إلا بالتهديدات المرئية الفيزيائية، وأن الأمر لعبة. وأن الفيروس مدبّر، وما إلى هنالك.

لا نبالغ في الرهبة، لكن يجب أن تكون مدركاً أنك أمام وضع خطر جداً لم نشهده -على الأقل أنا وأنت- مسبقاً.

أخيراً، لا بد من القول أنّ وليام شكسبير عندما كان في الحجر الصحي من مرض الطاعون قام بكتابة مسرحيته الرائعة “الملك لير” لذلك مصائب قومٍ عند قومٍ فوائد. وإن كنت انطوائي الهوى، فهذا سيكون في جانبك أيضاً. لذلك حضّر قائمة طويلة من عدّة كتب مهمة، واملأ وقتك بقراءتها.

حافظ على نفسك، على من حولك، على الذين تحبهم. ابقَ في المنزل.

5

شاركنا رأيك حول "درع الحياة: بداية الحرب العالمية الثالثة"