العولمة والكورونا.. حربنا ضد الفيروسات بدون قائد! – تقرير

0

يلقي غالبية العالم اليوم اللوم بخصوص مأساة وباء فيروس كورونا التي تسيطر على العالم على العولمة، التي وبفضلها انتشر هذا الفيروس حسب التعبير الأدبي مثل النار في الهشيم، وبرأي هؤلاء الأفراد أن إلغاء العولمة ونتائجها سيكون الطريقة الوحيدة لمنع انتشار مثل هذه الأوبئة حول العالم في المستقبل، لنبني الجدران بين المدن، نقيد السفر بين الدول، نقلل من التجارة العالمية، نجعل العالم كله شرقي-غربي كما في ألمانيا سابقًا، ومبارك علينا عدم انتشار أي أوبئة في العالم.

ومع ذلك، في حين أن الحجر الصحي قصير الأمد أساسي وضروري حاليًا لمنع انتشار هذا الوباء أكثر، فإن العزل العالمي طويل الأمد سيؤدي في النهاية إلى انهيار اقتصادي شامل بدون تقديم أي حماية حقيقية من الأمراض المعدية الوبائية، بل على العكس من هذا، الترياق الحقيقي لمثل هذه الأوبئة ليس الفصل والعزل وإنما التعاون بأفضل أشكاله.

روبرت فروست وقصيدة “ترميم الجدار” .. نظرة شاعرية للحدود والمسافات بين البشر

لمحة تاريخية

تاريخ الأوبئة

قتلت الأوبئة حول العالم الملايين من الناس حتى قبل عصر العولمة الذي يُعتبر سببًا شكليًا في المأساة الحالية. في القرن الرابع عشر على سبيل المثال لم يكن هناك طائرات تنتقل بين البلدان أو سفن سياحية تجول بحار العالم لتنقل العدوى، ومع ذلك انتشر الموت الأسود من شرق آسيا إلى أوروبا الغربية في أكثر من عقد من الزمن، حيث قتل هذا الوباء ما بين 75 و200 مليون شخص، أي ما يعادل أكثر من ربع سكان أوراسيا (أوروبا وآسيا مجتمعتين)، في إنجلترا كان هناك أربعة وفيات بين كل عشرة أشخاص بسببه، أما مدينة فلورنسا فقدت نصف سكانها تمامًا بما محصلته خمسين ألف ضحية من مجموع مئة ألف من السكان.

الموت الأسود: الوباء الأشد فتكاً بتاريخ البشرية

ونستمر في طرح الأمثلة، ففي شهر مارس من عام 1520 رست سفينة Francisco de Eguía كما أطلق عليها لاحقًا في المكسيك ناقلةً مرض الجدري. في ذلك الوقت لم يكن في أمريكا الوسطى قطارات أو حافلات أو حتى حمير للتنقل، ومع ذلك وبحلول شهر ديسمبر من نفس العام، كان وباء الجدري قد اقتحم ودمّر أمريكا الوسطى بكاملها، وقتل وفقًا لأفضل التقديرات حوالي ثلث سكان أمريكا الوسطى.

أما في عام 1918، فقد تمكنت سلالة من الإنفلونزا الخبيثة من الانتشار في غضون بضعة أشهر إلى أبعد بقاع العالم، حيث أصابت نصف مليار شخص من تعداد سكان الأرض أي ما يعادل أكثر من ربع الجنس البشري في ذلك الوقت. الإحصائيات تشير إلى أن الإنفلونزا قتلت 5% من سكان الهند، 14% من سكات تاهيتي، 20% من سكان جزيرة ساموا.

قتل هذا الوباء عشرات الملايين من الناس -وصل العدد إلى 100 مليون شخص- في أقل من عام من انتشاره، أكثر ما قتلت الحرب العالمية الأولى في أربع سنوات من القتال الوحشي بين أكبر دول العالم آنذاك.

في القرن الذي انقضى، منذ عام 1918 تحديدًا، أصحبت البشرية أكثر عرضة للأوبئة بسبب مزيج السكان المتزايد الذي ينتشر حول العالم، وتحسين النقل بشكل عام بين الدول. مدينة عصرية مثل طوكيو أو مكسيكو سيتي على سبيل المثال تقدم مسببات للأوبئة والأمراض أكثر من أشهر منابع الأمراض- فلورنسا في العصور الوسطى، شبكة النقل العالمية التي تزداد سرعةً مع كل يوم ينقضي، يمكن أن تنقل الفيروس من باريس إلى طوكيو في أقل من 24 ساعة، لذلك من المتوقع وبشكل بديهي أن نعيش في جهنم معدية بكل أنواع العدوى، أوبئة مميتة تصيبنا واحدةً تلو الأخرى.

العولمة ليست سيئة كما قد تعتقد

وعلى الرغم من كل ما سبق عن سرعة عالمنا اليوم وسهولة انتقال الأوبئة بين العالم، فقد انخفض معدل حدوث الأوبئة وتأثيرها بشكل كبير مؤخرًا. وناهيك عن الجراثيم والفيروسات التي لم نجد لها حلًا بعد مثل الإيدز والإيبولا، فإن الأوبئة في القرن الحادي والعشرين تقتل بنسبة أقل بكثير مقارنةً بأي وقت سابق منذ العصر الحجري، وهذا كله يعود لأن أفضل دفاع يمكن للبشر تقديمه ضد الفاشيات ومسببات الأمراض المختلفة ليس العزلة كما نعتقد بل هو تبادل المعلومات.

لقد فازت البشرية بالحرب ضد الأوبئة، لأنه وفي سباق التسلح بين مسببات الأمراض والأطباء، كانت مسببات الأمراض المختلفة تعتمد على الطفرات العمياء التي تحدث صدفةً، بينما يعتمد الأطباء على التحليل العلمي للمعلومات.

ملاحظة: مسببات الأمراض تشمل الجراثيم، الفيروسات، أو أي كائنات مجهرية أخرى يمكن أن تسبب الأمراض للبشر.

عندما ضرب الموت الأسود في القرن الرابع عشر، لم يكن لدى الناس أي فكرة عن أسبابه وما يمكن للبشر فعله حيال هذا الوباء الخبيث، وحتى العصر الحديث، كان البشر يلومون الآلهة الغاضبة أو الشياطين الخبيثة أو الهواء السيئ على الأمراض التي تصيبهم، ولم يخطر في بال أحد وجود شيء يسمى الفيروسات أو بكتيريا.

آمن الناس بالملائكة والجنيات، لكنهم لم يستطيعوا أن يتخيلوا أن قطرة واحدة من الماء قد تحتوي على أسطول كامل من الكائنات المجهرية المفترسة القاتلة والتي تنتظر بفارغ الصبر إلى أن تدخل إلى أجسامنا لتبدأ الغزو الحقيقي، لذلك عندما جاء الموت الأسود أو الجدري، كان أفضل شيء يمكن للسلطات التفكير فيه في مختلف بلدان العالم، هو تنظيم صلاة جماعية لمختلف الآلهة والقديسين، وهذا بالطبع لن يساعد بشكل كبير على أرض الواقع، فكما أصبحنا نعلم جميعنا، عندما يتجمع الناس في مجموعات كبيرة فأنت تمهد الطريق لإصابات جماعية تدمر المجتمع فورًا.

خلال القرن الماضي، قام العلماء والأطباء والممرضات في جميع أنحاء العالم بتجميع المعلومات وتمكنوا معًا من فهم الآلية الكامنة وراء الأوبئة ووسائل مكافحتها، وأوضحت نظرية التطور لماذا وكيف تندلع الأمراض الجديدة وتصبح الأمراض القديمة التي تجاوزناها ظاهريًا أكثر ضراوة وخطورة مع الوقت.

سمح علم الوراثة للعلماء بالاطلاع على دليل التعليمات الخاص بمسببات الأمراض المعروف باسم الشيفرة الوراثية، ففي حين أن الناس في العصور الوسطى لم يكتشفوا أبدًا سبب الموت الأسود، استغرق العلماء اليوم أسبوعين فقط لتحديد DNA فيروس الكورونا وتسلسل جيناته، كما تمكنوا خلال هذين الأسبوعين من تطوير اختبار موثوق لتحديد الأشخاص المصابين بهذا التسلسل الجيني.

 الجينات والإنسان.. رحلة ثوريّة لا تخلو من المخاطر

بمجرد أن فهم العلماء أسباب الأوبئة، أصبح من الأسهل عليهم مكافحتها، حيث سمحت اللقاحات والمضادات الحيوية والنظافة الصحية مع البنية الطبية المتطورة بأن يكون للبشرية اليد العليا في الحرب على المفترسات غير المرئية.

حتى عام 1967، كان الجدري ما يزال يفتك بالبشر، أصاب 15 مليون شخص وقتل مليونين منهم، ولكن في العقد التالي، مع تقدم العلماء وتطور أدواتهم، نجحت الحملة العالمية للتلقيح ضد الجدري، حيث أعلنت منظمة الصحة العالمية في عام 1979 فوز البشرية في هذه الجولة ضد مسببات الأمراض، وتم القضاء على مرض الجدري بشكل تام. العام الماضي 2019 لم يصب أو يقتل أي شخص بمرض الجدري.

كيف يمكن أن نستفيد من الماضي لمواجهة انتشار فيروس كورونا؟

الأوبئة

السؤال الذي قدمنا له من خلال اللمحة التاريخية السابقة عن مسببات الأمراض: ماذا يعلمنا هذا التاريخ لمواجهة وباء فيروس كورونا الحالي؟

أولًا: هذا يعني أنه لا يمكننا حماية أنفسنا من خلال إغلاق الحدود بشكل دائم. تذكر أن الأوبئة انتشرت بسرعة حتى في العصور الوسطى، قبل عصر العولمة بوقت طويل. لذا، حتى وإن تقلصت الاتصالات العالمية إلى مستوى قليل فلن يكون ذلك كافيًا أبدًا. لحماية أنفسنا من خلال العزلة لن نحتاج إلى العودة إلى العصور الوسطى فحسب، بل يجب علينا أن نفرض حدود العصر الحجري بشكل كامل، وهذا شيء يعتبر مستحيلًا من الناحية النظرية والعملية كذلك.

ثانيًا: يشير التاريخ إلى أن الحماية الحقيقية تأتي من تبادل المعلومات العلمية الموثوقة، ومن ضمنها التضامن العالمي. عندما يصيب وباء بلدًا ما في العالم، يجب أن يكون من ضمن خطط هذا البلد أن يكون على استعداد لتبادل المعلومات حول هذا الوباء المتفشي، المعلومات الصادقة كاملةً لا المعلومات التي تحافظ على ماء وجه حكومته، ولا يجب أن نخاف من كارثة اقتصادية جراء نشر هذه المعلومات. أما في حالة البلدان الأخرى فالقدرة على الثقة في هذه المعلومات يجب أن تكون أولى الخطوات التي تتبعها، ناهيك عن مد يد العون للدولة السابقة عوضًا عن نبذ هذه الدولة ومعاقبتها اقتصاديًا واجتماعيًا. واليوم يمكن للصين أن تعلم الدول في جميع أنحاء العالم العديد من الدروس المهمة حول فيروس كورونا، لكن هذا يتطلب مستوى عالي من الثقة والتعاون الدوليين، من قبل الصين في نشرها للمعلومات الصحيحة ومن الدول البقية.

 استراتيجيات عالية التقنية نتعلمها من الصين لاحتواء الأوبئة

عالم واحد في وجه الكارثة

التعاون الدولي مطلوب أيضًا من أجل تدابير الحجر الصحي الفعالة، حيث يعتبر الحجر الصحي والانعزال ضروريين لوقف انتشار الأوبئة. ولكن عندما لا تثق الدول ببعضها البعض وتشعر كل دولة أنها بمفردها، تتردد الحكومات في اتخاذ مثل هذه الإجراءات الصارمة.

على سبيل المثال، إذا اكتشفنا 100 حالة إصابة بفيروس كورونا في بلد ما، هل نغلق المدن والمناطق بأكملها على الفور؟ يعتمد ذلك إلى حد كبير على ما تتوقعه من البلدان الأخرى المجاورة. يمكن أن يؤدي إغلاق المدن إلى انهيار اقتصادي في البلد السابقة، لكن إن كانت الدول الأخرى ستأتي للمساعدة، فمن المرجح أن تتبنى هذا الإجراء الجذري والاحترازي في إغلاق المدن لأن الانهيار الاقتصادي لن يحدث كما شرحنا بسبب المساعدة من البلدان.

ولعل أهم شيء يجب أن يدركه الناس بشأن مثل هذه الأوبئة، هو أن انتشاء الوباء في أي بلد يعرّض البشرية بكاملها للخطر، لأن الفيروسات بكل بساطة تتطور.

تنشأ الفيروسات مثل البذرة في الحيوانات (مثل الخفافيش) وبعدها تنتقل إلى البشر. وعندما تنتقل إلى البشر، تكون الفيروسات في البداية غير متأقلمة مع مضيفيها الجديد البشري. أثناء التكاثر داخل البشر، تخضع الفيروسات أحيانًا لطفرات، معظم هذه الطفرات غير ضارة بطبيعة الحال، ولكن بين الحين والآخر، تؤدي الطفرة إلى جعل الفيروس أكثر عدوى أو أكثر مقاومة للجهاز المناعي البشري. هذه السلالة المتغيرة للفيروس ستنتشر بسرعة بين السكان، نظرًا لأن شخص واحد قد يستضيف تريليونات من جزئيات الفيروس التي تخضع للتكاثر بشكل مستمر داخل هذا الشخص المصاب، وهذا يعني أن كل شخص مصاب واحد يعطي الفرصة لهذه التريليونات من الفيروسات لتصبح أكثر تكيفًا مع الجسم البشري وجهازه المناعي.

ما ذكرناه في الأعلى ليس مجرد تكهنات لما يحدث بل هي عبارة عن وقائع وحقائق، في كتابه أزمات في المنطقة الحمراء، يصف الكاتب ريتشارد بريستون، سلسلة الحوادث التي أدت في النهاية إلى تفشي وباء فيروس إيبولا 2014.

صغيرة جدًّا لكنها قاتلة: أبرز فصول الحرب بين الفيروسات والبشر

بدأ تفشي المرض عندما انتقلت بعض فيروسات إيبولا من الخفافيش إلى الإنسان، جعلت هذه الفيروسات الجديدة الناس مرضى بالطبع، لكن هذه الفيروسات ما زالت متكيفة مع العيش داخل الخفافيش أكثر من جسم الإنسان.

طفرة واحدة في جين واحد في فيروس إيبولا واحد أصاب إنسانًا واحدًا في مكان ما من منطقة ماكونا بغرب إفريقيا، حوّل الإيبولا من مرض نادر نسبيًا إلى وباء مستعر يتفشى في الأرض، مكنت هذه الطفرة من تطوير فيروس إيبولا لنفسه، وظهرت لدينا سلالة جديدة من فيروس إيبولا متطورة –سميت باسم سلالة ماكونا-تميزت هذه السلالة الجديدة عن السابقة بالارتباط بنواقل الكوليسترول في الخلايا البشرية. عندها، أصبح المصابون ينقلون الإيبولا إلى داخل الخلايا عوضًا عن الكوليسترول. كانت سلالة ماكونا الجديدة والمتطورة أكثر عدوى أربع مرات للإنسان من سابقتها.

بينما تقرأ هذه السطور، ربما تحدث طفرة مماثلة في جين واحد في فيروس كورونا الذي أصاب شخصًا ما في طهران أو ميلان أو ووهان نفسها. وإن حدث هذا بالفعل، فهذا تهديد مباشر ليس فقط للإيرانيين أو الإيطاليين أو الصينيين، ولكن لحياتنا جميعًا. نشترك جميعنا في جميع أصقاع الأرض في اهتمام واحد فقط يشغل بالنا دومًا ناهيك عن باقي الأمور، الحياة والموت، واجبنا جميعًا عدم منح هذه الفرصة لفيروس الكورونا، وهذا يعني أننا بحاجة لحماية كل شخص في كل بلد في كل أرجاء المعمورة.

تمكنت البشرية في السبعينيات من هزيمة فيروس الجدري كما ذكرنا سابقًا، لأن جميع الناس في جميع البلدان تم تطعيمهم ضد الجدري. إذا فشلت دولة واحدة في العالم في تطعيم سكانها، فمن الطبيعي أن تتعرض البشرية جمعاء للخطر، فكما انتشر فيروس الجدري وتطور في مكان ما من العالم، فقد ينتشر مرة أخرى في كل مكان.

حدود لكن ليست بين البشر

في مكافحة الفيروسات، تحتاج البشرية إلى حراسة الحدود عن كثب، لكن ليس الحدود بين الدول كما نظن. فعوضًا عن كمية الأموال التي من الصعب تخيلها التي تصرف في حماية حدود الدول بين بعضها البعض، بل نحن بحاجة إلى حراسة الحدود بين العالم البشري وعالم الفيروسات. كوكبنا مليء بعدد لا يحصى من الفيروسات، أكثر مما يستطيع أي منا تخيله صراحةً، وتتطور فيروسات جديدة باستمرار بسبب الطفرات الجينية، ويمر الخط الفاصل الذي يفصل هذا المجال الفيروسي عن العالم البشري داخل جسم كل إنسان. إذا تمكن فيروس خطير من اختراق هذه الحدود في أي مكان على وجه الأرض، فإنه يعرض جميع البشرية للخطر بدون أي استثناء.

خلال القرن الماضي، قامت البشرية بتحصين هذه الحدود بشكل لم يسبق له مثيل. تم بناء أنظمة الرعاية الصحية الحديثة لتكون بمثابة جدار على تلك الحدود، والممرضات والأطباء والعلماء هم الحراس الذي يقومون بدورياتهم على هذه الحدود والتصدي لأي محاولات تسلل تحدث من هنا وهناك.

ومع ذلك تُركت أجزاء كبيرة من هذه الحدود بين العالمين مكشوفة كليًا، حيث يوجد الملايين من الناس حول العالم الذين يفتقرون حتى إلى خدمات الرعاية الصحية الأساسية، وهذا يعرضنا جميعًا للخطر.

لقد اعتدنا على التفكير في الصحة من الناحية الوطنية، ولكن توفير رعاية صحية أفضل لدول إفريقيا الفقيرة يساعد أيضًا في حمايتنا من الأوبئة بشكل أو بآخر. ويجب أن تكون هذه الحقيقة البسيطة واضحة للجميع، ولكنها للأسف تغيب عن أهم الناس في هذا العالم.

عالم بلا قائد

الأوبئة

تواجه البشرية اليوم أزمة حادة ومنعطفًا مهمًا في تاريخها، ليس فقط بسبب فيروس كورونا، ولكن أيضًا بسبب انعدام الثقة بين البشر. لهزيمة الوباء، يحتاج الناس إلى الثقة بالخبراء العلميين، والمواطنين بحاجة إلى الثقة بالسلطات العامة، والبلدان بحاجة إلى الثقة ببعضها البعض. على مدى السنوات القليلة الماضية، قوّض السياسيون غير المسؤولين عمدًا الثقة في العلوم والسلطات العامة والتعاون الدولي، ونتيجة لذلك، نواجه الآن هذه الأزمة التي تفتقر إلى قادة عالميين يمكنهم أن يلهموا وينظموا ويمولوا استجابة عالمية منسقة.

ترامب، جونسون، نيومن… هل سنشهد نهاية القادة الحمقى هذا العام 🙏 ؟

خلال وباء إيبولا عام 2014، عملت الولايات المتحدة الأمريكية كقائد للعالم نوعًا ما كما يجب عليها أن تكون بصفتها القوة الأبرز في العالم حاليًا، ولكن في السنوات الأخيرة، يبدو أن أمريكا قد استقالت من هذا الدور كزعيم عالمي في الأزمات، حيث قطعت الإدارة الأميركية الحالية الدعم للمنظمات الدولية مثل منظمة الصحة العالمية، وأوضحت للعالم أن الولايات المتحدة الأمريكية لم يعد لديها أصدقاء حقيقيين بل لديها مصالح فقط.

وحاليًا، وأثناء هذه الأزمة العالمية المتمثلة بفيروس كورونا، بقيت أمريكا على الهامش، وامتنعت حتى الآن عن القيام بدور قيادي، وحتى إذا حاولت في نهاية المطاف تولي القيادة العالمية، فقد تآكلت الثقة في الإدارة الأمريكية الحالية إلى حد ما من قبل الجميع، حيث أن القليل من الدول ستكون مستعدة للتعامل مع هذه الإدارة، فهل ستتبع زعيمًا شعاره “أنا أولًا”؟

لم يملأ أي بلد آخر الفراغ الذي خلفته الولايات المتحدة الأمريكية، بل على العكس. كره الأجانب والعزلة وانعدام الثقة هو ما يميز النظام العالمي في هذه الفترة بأبهى صوره. وبدون الثقة والتضامن العالميين لن نتمكن من إيقاف وباء فيروس كورونا، ومن المرجح بدون التعاون أيضًا، أن نشهد المزيد من هذه الأوبئة في المستقبل. لكن كل أزمة هي فرصة كما نعلم، ونأمل أن يساعد الوباء الحالي البشرية على إدراك الخطر الحاد الذي يشكله الانقسام العالمي.

على سبيل المثال لا الحصر، يمكن للوباء أن يكون الفرصة الذهبية للاتحاد الأوروبي لاستعادة الدعم الشعبي الذي فقده في السنوات الأخيرة، من جهة أخرى، إن تركت كل دولة لتدافع عن نفسها، فقد يكون الوباء بمثابة أول مسمار في نعش البشرية.

في هذه الأزمة الحالية، التي تعتبر النقطة الحاسمة في تاريخ الإنسانية، إذا نتج عن هذا الوباء مزيد من الانقسام وعدم الثقة بين البشر، فسيكون أكبر انتصار للفيروس والمملكة المجهرية المضادة للبشرية بشكل عام. عندما يتشاجر البشر، تتضاعف الفيروسات.

في المقابل، إذا أسفر الوباء عن تعاون عالمي أوثق، فسيكون نصرًا ليس فقط ضد فيروس كورونا، ولكن ضد جميع مسببات الأمراض في المستقبل.

مترجم عن  In the Battle Against Coronavirus, Humanity Lacks Leadership

0

شاركنا رأيك حول "العولمة والكورونا.. حربنا ضد الفيروسات بدون قائد! – تقرير"