حوار مع فيروس
3

المحاور: أعزائي مشاهدي ومشاهدات قناة (بكتيريا 24). سادتي القرّاء. أحبابي المستمعين أينما كنتم. طيّب الله مساءكم بكل خير. نحن الآن في سبقٍ صحفي لم يُرَ له مثيل مِن قبل، إذ استطعنا وبعد محاولات مريرة مِن العناء، مضنية في التعب، أن نحظى بلقاء صحفي وحوار مُقتضب، مع الذي شغل الرأي العام العالمي مؤخراً، وهو فايروس كورونا المُستجد، كورونا كوفيد_19 تحديداً. فلنرحب به جميعاً معنا هنا في الاستديو.

** صوت تصفيق حار وصفير وكلام غير مفهوم وعواء وأصوات أخرى…

المحاور: سيد كورونا مرحباً بك في قناة بكتيريا 24، وأتمنى أن تكون بصحة جيدة.

كورونا: أهلاً وسهلاً. أنا بخير شكراً لك ولاستضافتك الجميلة.

المحاور: في البداية أودّ أن أشكرك لسماحك لنا إجراء هذا اللقاء الحصري الأوّل من نوعه، كونك أنت لا تحب الظهور كثيراً وتفضل العمل بشكل صامت.

كورونا: مِن دواعي سروري. أتمنى ألا أكون ضيفاً ثقيل الظل.

المحاور: حسناً دعنا نبدأ سيد كورونا… بالمناسبة، هل تفضل أن أناديك بـ سيد أم سيدة؟

كورونا: في الحقيقة هذه التصنيفات غير موجودة لدينا نحن عالم الفيروسات، إنما خاصة بكم وببقية الكائنات الحية، وكنوع من حسن النية والمبادرة الطيبة، سأقول لك ألا تناديني بأي من هذه الألفاظ فنحن لا نستخدمها، بل نفضل العمل بصمت وبدون إثارة انتباه. لذلك يمكن أن تقول كورونا فقط بدون أي شيء.

المحاور: حسناً سيد كورونا….

** في الحقيقة، يشكو المحاور نوعاً ما من حس بلاهة لافت، فالمؤسسة الصحفية الداعمة للحوار، أرسلت الصحفي الذي تريد التخلص منه، فكانت أن أرسلت هذا الصحفي الذي استمر بقول سيد لكورونا، على الرغم من أن الفيروس لم يبدِ أي امتعاض واكتفى بابتسامة صغيرة في بداية الأمر.

– حسنا سيد كورونا، لنبدأ بسؤالنا الأوّل الأكثر طلباً الآن، لماذا أصبتم الجنس البشري، وماذا تريدون منه؟

كورونا: هل معي الوقت الكافي كي أتكلم؟ لأن الإجابة تتطلب شرحاً موسّعاً نوعاً ما.

المحاور: تفضل. معك كل الوقت.

كورونا: في الواقع، لم نكن نرغب في البداية بإصابة جنسكم، الجنس البشري. بل كان لدينا عدّة خيارات مطروحة على الطاولة، إذ اجتمع خبراؤنا في مجلس الأمن القومي للفيروسات أواخر العام المنصرم، ووُضِعت قائمة بالمُضيفين المحتملين لهجومنا الفيروسي القادم، وكانت عدّة كائنات مُرشحة لذلك… كاااااااح كااااااااخ خااااااععععع.

** يسعل كورونا. ومن ثم يخرج منديلاً ويمسح محفظته البروتينية الخارجية. ويقول: آسف، لكن الجو شديد السخونة هنا وهو لا يلائمني كثيراً.

– لنكمل.. فجنسكم البشري لم يكن مُرشحاً أولياً، إلا أن خبراءنا في المجال الإحصائي وضعوا عدّة أدلة داعمة لكل مُضيف مُمكن على حدة، وتبيّن أن البشر هم أفضل مَن يمكنهم القيام بهذه المهمة.

المحاور: ما هي الأدلة التي رُشِّحت كي نكون نحن المستهدفين؟

كورونا: القتل. السبب الأول في اختياركم هو أن نسبة القتل لديكم مرتفعة جداً. حتى لا أثير استغرابك، فأنا قد خضعت لتنزيل أنظمة كاملة مِن المعرفة البشرية قبل أن آتي للاستديو وقبل أن أدخل بتعاملي مع العنصر الإنساني، لذلك لا تندهش فيما سأسرده قادماً من وقائع، لأنها مُنصّبة على ذاكرتي وفي شيفرتي الوراثية.

قرأت أن البشر كائنات قاتلة لا تهدأ أبداً، أحدث الأمثلة على ذلك الحروب العالمية الأولى والثانية التي راح ضحيتها حوالي 80 مليون إنسان، إضافة لأزمات أخرى محلية تحدث بين فينة وأخرى. وحتى بدونهما، القتل لأسباب غير واضحة كنتم قد اخترعتموه من نمط الشرف، العادات، الكرامة… إلخ، وهذا صراحةً ما جعلنا نفضلكم كمستضيف لنا؛ فأنتم تقتلون أنفسكم كثيراً، وهذا أمر مستغرب جداً لدينا نحن الفيروسات، وحتى مستغرب لدى أقربائكم من بقية الكائنات الحية، فأنتم تنفردون بهذا الشيء.

المحاور: ممممم. غريب نوعاً ما. القتل إذاً! هل يوجد سبب آخر لاختيارنا كمضيف أم هذا هو فقط؟

كورونا: نعم. السبب الآخر أنكم كثيرون وبإمكانكم الاستعاضة عن المفقود. سمعت أنه في الآونة الأخيرة قمتم بالحجر الصحي والتباعد الاجتماعي، وهذا في الحقيقة أمر جيد ويقي كثيراً من احتمالية الإصابة. لكن لو أردت أن أضيف شيئاً، فمع مكوث الأب والأم في نفس المنزل فترة هذا الحظر، لا بد أن نرى بعد تسعة أشهر جيلًا جديدًا من الأبناء كان قد أتى إلى هذه الحياة، وهذا هو السبب الآخر، أنكم تتكاثرون وتنجبون ويمكنكم الاستعاضة عمّن يرحلون.

فلو افترضناً جدلاً أننا استطعنا إصابة كل سكان هذا الكوكب وقتل حوالي 400 مليون شخص خلال 9 أشهر. فهل لك أن تتخيل كمية المواليد التي ستأتي أيضاً بعد تلك الفترة؟ إنكم كثيرون جداً وأعتقد أن هذا سبب إضافي لزعزعة استقرار حياتكم كالفيروسات، قد لا يضر كثيراً يا سيد…. بالمناسبة ما كان اسمك؟

المحاور: أنا سعيد.

كورونا: سعيد! أليس سعيد صفة تنمّ عن الفرح في عرفكم البشري؟

المحاور: صحيح. في الحقيقة نحن أسماؤنا كذلك، فإما أن تكون على اسم الجد؛ فلو اسم والد أبيك أحمد تسمى أنت أحمد وهكذا، وإما أن يكون الاسم كناية عن صفة جيدة أو شيء لطيف محبوب؛ كسعيد وحازم وليلى وزهراء وغيرها. نحن لا نسمي الأسماء السيئة، فلن تجد أحداً مثلاً اسمه قمامة -على الرغم من أن نفسيات البعض ترشّح ذلك- لأننا نتفاءل بالطفل القادم ونرى في اسمه تمنياً للشخصية التي سيكون عليها.

المحاور: حسناً. سيد كورونا لو أنهيت إجابتك أريد أن أسال سؤالاً آخر ساد في وسطنا الآونة الأخيرة، وهو أنكم فيروسات مُصنّعة ومدبرة مِن أجل مؤامرة مُحددة. هل لديك كلام يُقال في هذا الجانب؟

كورونا: إنها النرجسية يا عزيزي سيد سعيد. طبعاً لا، إنها فقط نرجسيتكم.

المحاور: لم أفهم كثيراً، نرجسية ماذا؟

كورونا: عندما كنا ندرس السلوك البشري قبيل بدء هجومنا، وجدنا أن الإنسان العاقل يؤمن بيوم القيامة ونهاية العالم. وهو اليوم الذي يترافق مع نهاية الحياة وكل شيء في هذا الكون، إلا أن هذا هو ما يجعلكم تفكرون بصيغة المؤامرة، وصيغة أن هناك مكيدة لا بد من وجودها.

يعتقد جنسكم البشري أنه هو المحور والمركز من كل شيء. ففي يوم القيامة الخاصة به، عندما يفنى هذا الجنس بكامله، لا يمكن لشيء ما أن يستمر. لذلك تجد أنه في ذلك اليوم، لن يموت الإنسان فقط، بل سيموت كوكب الأرض كله وسيشتعل، والسماء ستنهار، والنظام الشمسي كله سيندثر، ومن ثم الكون كله سيختفي ويضمحل. لماذا؟ لأن الإنسان وجنسكم البشري، هو جنس نرجسي يعتقد نفسه المحور من كل شيء؛ إذ لا يحتمل أن يفنى جنسه فقط، وأن يبقى الكوكب من بعده سليماً وأن تبقى الشمس والمجرة والكون. لا تحتمل هذا النرجسية البشرية، إذ تعتقد نفسها المحور من كل الوقائع وكل شيء موجود خصيصاً من أجلها لذلك لا يمكن أن تموت هي ويستمر الزمن من بعدها.

ولكي أضيف لك عزيزي سعيد.

** تدخل من الكاتب: في الحقيقة، رغم شدّة وقسوة ما يقوله كورونا، إلا أن أسلوبه في الكلام كان هادئاً جداً وواثقاً من نفسه، لا سيّما مع صوته الوقور وكأنه رجل في بداية الأربعينات من عمره.

كورونا يضيف: عمر الكوكب ما يقارب 4.5 مليار سنة، عمرنا نحن الفيروسات والميكروبات الصغيرة حوالي 3 مليار سنة. الآن نسأل، ما عمر الإنسان؟ جنسكم ثقيل الظل الذي يعتقد أنه مهم ومركزي لا يزيد عن 300 ألف سنة. أي بلغة أخرى لو أردنا حساب مَن أهم أسياد الأرض الحقيقيين، فالجواب حتماً ليس أنتم؛ فأنتم حدث طارئ ظهر متأخراً وليس نحن. أنتم الضيوف لا نحن.

الآن نطرح سؤالك عزيزي سعيد مرة أخرى. لماذا يعتقدون أنه مؤامرة وشيء مُدبر؟ لأن نرجسيتهم البشرية لا تحتمل أن يكون هناك حدث عشوائي أقوى منهم يضربهم من حيث لا يدرون، لذلك يلجأون إلى هذه التبريرات، كونها تخدّرهم مجدداً بحقنة العظمة. بأنهم مُهمين، ومستهدفين، وأنهم هم المركز، وهذا ما ليس حقيقياً طبعاً.

المحاور (مُبدياً بعض علامات البلاهة على وجهه كونه لم يفهم كثيراً): شكراً لإجابتك الوافية سيد كورونا، واستميحك عذراً أن نخرج لفاصل إعلاني قصير ثم نعود لكم مُجدداً.

** تدخل من الكاتب: نظراً لعدم أهمية الفاصل الإعلاني سيتم تجاوزه. إذ كان عبارة عن مجموعة من إعلانات سوائل الجلي والصحون والمحارم والسيارات وبعض مواعيد عرض مسلسلات قليلة الأدب والحياء.

المحاور: أهلاً بكم متابعينا من جديد على قناة بكتيريا 24 في هذا الحوار الحصري مع ضيفنا المهم حديث الساعة: كورونا كوفيد_19. أهلا بك مجدداً سيد كورونا.

كورونا: أهلا بك.

المحاور: قبل الفاصل تحدثنا عن سبب اختياركم للبشر كمستضيف، كما تحدثت عن نفي نظرية المؤامرة عنكم. أريد الآن أن أسال، طالما أنكم تصيبون مئات الآلاف وربما الملايين، وأعتقد أن حضرتك متابع للأخبار يومياً، ألا ترون فيما تفعلون أمراً شريراً؟ أمراً سيئاً لا أخلاقياً تفعلونه بنا نحن البشر؟

كورونا: في الحقيقة لا. كما قلت لك عزيزي منذ قليل، كانت لدينا عدّة خيارات غير جنسكم البشري قبل أن نقوم بهجومنا ومن بين التقييمات التي أجريناها، أننا سنتكاثر وننقسم تبعاً لطريقة حياة المضيف وسلوكه بشكل عام. فلو أصبنا الخفافيش لما كنا انتشرنا بتواتر عالٍ جداً. أتدري لماذا؟ لأن الخفافيش لا يتواجد القتل في عرفها، فلن تجد خفاشاً يقتل آخر ولا حيواناً يقوم بسحق حيوان آخر تحت مُسميات مختلفة.

هذا أمر موجود لديكم أنتم البشر فقط، لذلك كان انتشارنا فيكم وقتلنا لأعداد منكم نابع من التركيبة التي تفعلونها أنتم بأنفسكم. ثق تماماً عزيزي سعيد أننا لو أصبنا جنسًا آخر لا يقتل بعضه بعضاً لما استطعنا أن ننتشر به كثيراً، إذ نحن ننسخ سلوك الكائن المضيف نفسه؛ فالإنسان سلوكه القتل والانتشار، فقمنا نحن بنسخ السلوك أيضاً وتطبيقه.

لأغنيك من الشعر بيتاً آخر، وجدنا أنه ليس فقط جنسكم يقتل بعضه، بل يقتل الكائنات الأخرى من حيوانات وحتى متواجدات طبيعية كالأشجار والأنهار… إلخ. وحسب ما تعلمته عن البشر، فإنكم تقومون بذلك لأغراض نفعية ذات فائدة لكونكم الأقوى.

لذلك كوننا نحن الآن الأقوى. لنطبق نفس المبدأ عليكم. إضافةً إلى أنّ…

المحاور: عذراً سيد كورونا للمقاطعة لكن هناك مداخلة مهمة. أعزائي المشاهدين أودّ أن أخبركم أنه الآن وعلى الهواء مباشرةً أتانا اتصالٌ هاتفي من فيروس الإيدز. ذلك بعد أن رآنا نستضيف فيروس كورونا؛ فأحب أن يشارك برأيه ويضيف بعض الكلام الآن.

المحاور: فيروس إيدز تفضل. هل تسمعني؟ أهلاً بك معنا في هذا المساء على قناة بكتيريا 24.

الإيدز: نعم نعم اسمعك جيداً. مساء الخير لك سيد سعيد ومساء الخير لحضورك الكريم، وأود أن أسلّم على صديقي القديم رفيق دربي فيروس كورونا، وأريد أن أقول أني اشتقت له كثيراً. أي أنت يا رجل؟ ألا تذكر الأيام الخوالي؟ كم أنت ghdtre $#%43r r43rf 3v 44#%$# #$%R34 f reFes fsdf sdfsd43 f 43tr43t 4er32##$@!

** تدخل من الكاتب: في الحقيقة كانت العبارة الأخيرة بلغة فيروسية لا تفهمها إلا الميكروبات. لكننا استعنا ببعض خبراء التشفير، وتبين أنها نوع من الشتائم الودودة التي تقال بين الأصدقاء، ويكون لها علاقة بالأجهزة التناسلية لهم.

كورونا: أهلا بالصديق الغالي أهلاً. كم أنت Ffrw r$#$$# 343rf#$T$# 4$$$#$

المحاور (مُبدياً علامات البلاهة): مممم حسناً، ما الذي تُريد إضافته سيد إيدز؟

الإيدز: سمعت الإجابة الأخيرة لصديقي العزيز كورونا عن كوننا لا أخلاقيين وما إلى هنالك. وأريد أن أضيف شيئاً مهماً لا بد منه بحكم خبرتي الطويلة معكم، كوني أعرف البشر منذ مدة بعيدة، وإلى الآن لم يجدوا لي لقاحاً.

صحيح أن القتل موجود في مملكة الحيوان وربما الموجودات الأخرى بشكل ما، لكن ذلك يندرج تحت إطار الغريزة، بمعنى أن الحيوانات تفعل ذلك لأن غريزتها تدفعها له. تقتل الفيروسات البشر، لأننا مبرمجون مسبقاً على فعل القتل. إذ لا نملك خياراً في الموضوع.

بينما أنتم البشر كائنات واعية مُدركة، وأعتقد أن جنسكم يسمى “العاقل” حسب ما أذكر. صحيح لديكم غرائز، إلا أنكم في الوقت نفسه تملكون الوعي، أي أنكم تستطيعون التحكم بها لأنكم مدركوها بشكل أو بآخر.

مع ذلك، نجدكم تذبحون بعضكم تحت مسميات مختلفة لأيدولوجيات متصارعة، وأحياناً تمارسون ذلك لأجل المتعة فقط، وهو أمر مثير للانتباه لنا نحن الفيروسات؛ إذ أنكم جعلتم من غرائزكم مجرد تسميات تحمل معاني مختلفة فقط كي تبرروا فعل السوء تحت مظلتها؛ فأنتم ضد القتل نظرياً، لكنكم معه عملياً عندما يكون هناك مبررات تحترف صياغتها عقائد بعينها.

ربما سيكون تعاملنا معكم ألطف كما قال صديقي في الاستديو لو كنتم تتبعون سلوكاً صديقاً ودوداً، إلا أن سلوكياتكم عنيفة جداً، والمصيبة الكبرى أنكم واعون ومدركون لهذا العنف، عكسنا نحن المبرمجون مسبقاً.

لذلك كما قال عزيزي كورونا. لا.. نحن لا نشعر بالسوء تجاه ما نفعله أبداً.

فيروس كورونا: كما عهدتك يا إيدز، صحيح أنك فيروس قليل الحياء والأدب، لكن كلامك دائماً كالذهب. أحسنت فعلاً.

المحاور: حسناً سيد إيدز، هل تريد إضافة شيء ما أيضاً؟ وقت الحلقة بدأ ينفذ.

الايدز: في الحقيقة كنت أريد أن أقول أن….. ااححححوووووو اابببووووو بووووبوبوو بوووووو بااابااا ماااا ماااا. المذيع كلب. ااخخخخخخ تفوووووووو. بوبوبوووو بححووووو

* صوت إغلاق سماعة الهاتف.

** تدخل من الكاتب: في الحقيقة، تبين فيما بعد ومن خلال إعادة اتصال الكونترول مع الإيدز، أن ابن الإيدز الرضيع -الذي أتى بالحلال طبعاً- كان قد غافل أباه وأمسك السماعة وبدأ بالكلام كما سمعتم ثم أغلق الهاتف.

المحاور: حسناً، يبدو أننا فقدنا الاتصال. لنعود إلى السيد كورونا، ولنسأله سؤالاً أخيراً: سيد كورونا، هل تريد أن تبقى طويلاً في المضيف البشري، وماذا تريد أن تقول للجنس البشري بعد رحيلك وقرب انتهاء مهمتك؟

الفيروس: في الحقيقة ليس كثيراً، إنما كما تعلمون جميعكم نحن الفيروسات ننتقل بواسطة التجمعات البشرية ونتكاثر من خلالها، فأمر بقائنا يعتمد عليكم بالمرتبة الأولى. وبقدر التزامكم بقواعد السلامة الخاصة، بقدر ما يتم اختزال مهمتنا ها هنا.

أما بالنسبة لما أريد أن أقوله؛ فمن خلال تعاملي ومعرفتي القصيرة بكم، تعلمت أن البشر كائنات ليس لديها لياقة تحديد أهدافها الجوهرية في هذه الحياة أبداً، قرأت قصصاً لأشخاص يعيشون طوال حياتهم ليصبحوا أغنياء، وما إن أصبحوا، حتى تراهم شارفوا على نهاية أعمارهم. ماذا يفيد الغنى في عمر الـ 80؟ لا شيء.

آخرون يعيشون لأجل السلطة. البعض يعيش من أجل الجمال. وهناك مَن يبقى حياً فقط كي يعكّر مزاج الآخر ويقتل الآخر ويدمر الآخر ويحرق الآخر؛ فبالرغم من أنكم الآن تتعاونون لصد هجومنا الفيروسي إلا أن ما رأيته في البداية وقبيل انطلاق مهمتنا أنكم أنتم فيروسات بشرية بين بعضكم البعض، عاجزين عن معرفة أهداف حياتكم المركزية فضلاً عن الدفاع عنها. تسعون جاهدين لسحق من يملك سلالة وزمرة مختلفة عنكم في أي مجال كان.

في تاريخكم يُقال أنّ أكثر من قتل البشر هو الطاعون الأسود بحصيلة تقارب 200 مليون إنسان، أليس كذلك؟ هذا خاطئ. أكبر قاتل للبشر لم يكن الطاعون ولا الجدري ولا الانفلونزا، أكبر قاتل للبشر كانوا البشر أنفسهم. الفيروس البشري هو من فعل ذلك وليس نحن صدقني.

لذلك ما أتمناه حقاً قبل أن تنتهي دورة حياتي فأعمارنا قصيرة كما تعلمون، وقبل أن أرحل عنكم، هو أن أجد الجنس البشري أكثر تعاوناً بشكل اعتيادي وليس فقط وقت الأزمات. في الحقيقة أنا أتيت كحدث طارئ فقط كي أذكركم بمدى الهشاشة التي يحملها هذا الكوكب ونظام الحياة عليه، فلا داعٍ لأن تكونوا قساةً هكذا دائماً. لا أعرف كيف أصف مشاعري صراحةً، فالفجوة بين تفكيرنا وتفكيركم كبيرة. لكني سأريك هذا العرض.

المحاور: أي عرض سيد كورونا؟

** يُخرج كورونا آيباد من جيبه: تفضل هذا هو. يمكنك أن تختم الحلقة والحوار إن أردت، وأن تضع هذا العرض كمقطع الخاتمة.

المحاور: حسناً أعزائي المشاهدين. شكراً لمتابعتكم جميعاً. طاب مساؤكم. وأتمنى لكم دائماً الصحة والسلامة. مُحيّكم، سعيد أبو اللوز. من قناة بكتريا 24. إلى اللقاء.

** العرض كان فيديو العالم كارل ساغان التالي:

** النهاية **

3

شاركنا رأيك حول "حوار مع فيروس: قصة قصيرة جداً"