مشكلتي مع غريتا تونبرغ

غريتا ثونبرغ
2

لا أهضم فكر غريتا كثيرًا- دقق هنا على كلمة فكرها وليس هي كشخص- تلك الناشطة المناخية الصغيرة المتغيّبة عن مدرستها. ذلك لسبب بسيط جدًا، إنها عاطفية تنطلق مِن مقدمات خاطئة لأجل تحصيل نتائج “إنسانية” سهلة النطق شفهيًّا، بالغة صعوبة التطبيق عمليًّا، إضافةً إلى أنها لا ترَى الصورة الكبيرة، وتختزل الأمر ببقعة فكرية ضيقة وزاوية صغيرة لا تتعدى صغر سنّها.

تناهض غريتا بشدة سياسات المناخ المتبعة عالميًّا، من استخدام للوقود الأحفوري وما يترتب عليه من تبعات مضرة بيئياً. وخلال خطابها الشهير، كانت قد قالت أنّ طفولتها تمت سرقتها، وكيف تجرؤون- تخاطب قادة العالم- على فعل ذلك؟

يمكننا أن نختصر فكر غريتا بهذه الأسطر فقط، فلا شيء استثنائي كثيرًا في قصتها، إلا أن وسائل الإعلام تَطرَب دائماً لصغار السن خصوصًا في مثل هذه المواضيع.

تبدأ المشكلة معها في أنها لا تدرك الصورة الكبيرة مِن منظور عين النسر، إذ تهتم بالمناخ والبيئة فقط، ولا تدري أن هناك يد للاقتصاد ها هنا. وعندما يصل النقد لحدود المال أو يؤثر فيه، فتأكدي عزيزتي أن جميع الناس يتبرؤون من عقائدهم مهما كانت. ليس ابتداءً بالدينية، وليس انتهاءً بالتوجهات الليبرالية الإنسانية حتى.

يتجلى عجز وجهة نظرها بعدم الفهم أن شركات الوقود الأحفوري وصناعة المواد الكيميائية وكل ما يساهم في تلويث البيئة والمناخ، تعتبر من أهم وأكبر المساهمات في اقتصادات الدول وناتجها المحلي. والاقتصاد كما تعلمون هو السبب الرئيس والأوّل للتأثير في سياسات العالم وإنشاء التحالفات ورسم الخطوط على خرائط هذا الكوكب.

تخيّلوا مثلًا أن يكون اقتصاد الولايات المتحدة الأمريكية بناتج محلي شبيه بدولة ساحل العاج، هل لكم أن تتوقعوا كيف سيصبح شكل العالم حينها؟

لا أحد ينفي أن هذه الصناعات بالفعل تضر بالبيئة، لكننا في الوقت نفسه يجب أن نعلم أن ثورة الإنسان الزراعية بكاملها وخروجه من الصيد إلى المدينة هو أكبر عملية هدم للبيئة كانت قد حدثت. لكنها بشكل ما، نوع من العقد والهدنة بين الإنسان الهمجي البربري وبين الإنسان الحضري، فكانت البيئة والحيوان أرض المعركة والقُربان الذي قُدم لأجل هذا الفداء، المتمثل بسيادة الإنسان وسطوته.

حتى تتضح الصورة أكثر، سنضرب مثالًا آخر. لدينا حرية الزواج والمثلية الجنسية وما إلى هنالك. هل ترون لها أي اتفاقيات كبرى ومعاهدات جسيمة كما في معاهدات المناخ والبيئة وتوابعها؟ لماذا حسب ظنكم؟ لأن الإنسان لو مارس الجنس مع ذكر أو مع أنثى أو حتى مع سنجاب لن يتأثر الاقتصاد، لا أموال لأحد ما ستنقص أو تزيد. لذلك لن تجدون جدلًا دوليًّا كبيرًا يدور في هذا الجانب.

إلا أن غريتا تجهل هذا الأمر، وتجهل أن المناخ لا أحد يهتم به سواءً سلبًا أو إيجابًا. ليس لأهميته بعينها، بل لأن له توابع سياسية / اقتصادية، فالصناعات الملوثة للبيئة يمكن تصنيفها كالعصب الأوّل لاقتصاد جميع الدول المنتجة. ويا للمفاجئة، وحتى يكون لا عجب في الموضوع إطلاقًا، فإنّ أكثر الدول تلويثًا للبيئة هي أكثر الدول قوةً في الاقتصاد ومعدل الناتج المحلي. هي الصين والولايات المتحدة الأمريكية! هل فهمتم الآن؟

جميل فعلًا لو كان الإنسان أكثر مُداراةً تجاه البيئة والحيوانات، لكن صراحةً هذه وجهة نظر أفلاطونية مثالية حد اللاواقعية، خصوصًا أن المعطيات العملية الفاعلة قائمة على ما هو عكس ذلك. وإن أردنا أن نمشي مع هذا الخط ونقول إننا مع البيئة والمناخ والحيوان في جميع الأحوال، فلا بد من طرح هذا التساؤل: لمَ لا نعالج المشكلة من جذرها؟ وننهي عقد الإنسان المدني الذي خطّه مع بداية ثورته الزراعية ونعلن انسحابنا للغابات من جديد؟

ليس بالإمكان، ولا أحد يستطيع. أو حتى يريد التفكير بهذا الخيار.

من جانب آخر، غريتا عاطفية تتبع شخصية المؤثرين أصحاب السوشال ميديا. يمكن تشبيهها بفقاعة أكثر من كونها شخص عملي فعلاً. أنتِ مع البيئة والمناخ أليس كذلك؟ كم شجرة زرعتِ لأجل ذلك؟ كم ساعدتِ في الحد من ثقب الأوزون؟ لا شيء طبعاً.

أما مثلًا لدينا شخصية أخرى محسوبة على “الرأسمالية القذرة” التي تنتقدها غريتا بالمناسبة، وهو ايلون ماسك. لديه شركة كاملة يقوم بصناعة السيارات الكهربائية صديقة البيئة من خلالها. هذا إنسان يساعد البيئة والمناخ وليس أحد يكتفي بالخطابات والغياب عن الدوام ليقول: لقد سرقتم طفولتي.

حتى لا أكون ناقدًا جاحدًا، يعجبني في غريتا اهتمامها بهذا الجانب بالنسبة لصغر سنها، فمعظم الشباب في هذا العمر 15 / 16 سنة لا تتعدى طموحاتهم طموحات أي مراهق ومراهقة عادية. أما أن تكون ناشطًا بيئيًا أو على الأقل مدركًا لقضية التغيير المناخي ومحب للبيئة، فهو صراحةً أمر جميل ويحسب لها رغم بساطة رأيها.

فاهتمامها بما يجري بيئيًا، ينم عن عقل- على الأقل- يفكر فيما لا يفكر به أبناء عمرها. أما طريقة عرضها للفكرة ونظريتها في الموضوع، فهي بسيطة جدًا حد المثالية وغير قابلة للتطبيق، ولا ترى إلا من منظور ضيق كمن يرى من ثقب الباب ليس إلا.

2

شاركنا رأيك حول "مشكلتي مع غريتا تونبرغ"