المحطات الكبرى في رحلة الجنس البشري

رحلة الجنس البشري
3

إلى مكان قَصِيٍّ وزمانٍ سحيق، إلى هناك سنأخذكم. كان ذلك قبل 30,000 سنة. لم تكن الكتابة قد اختُرعت بعد، لذا فالطريقة الوحيدة لترك تذكارهم دون استخدام الكلمات هي بوضع أيديهم على الصخر ونفخ الغبار عليها، وترك تلك الصورة الظليّة لأياديهم. هي رسالةٌ عبر الزمن، تخبرنا أنهم كانوا هنا. صلاة ربما كانت، أو قصة ما، أو توقيعًا، لا نعرف.

 سؤال وجواب: ردًا على أبرز تعليقاتكم عن نظرية التطور

هكذا يحاول البشر منذ الأزمنة الغابرة ترك بصماتهم في هذا الكوكب. ولعلها أكبر هواجسنا، ترك ما يذكِّر بنا، فرحلة الجنس البشري كانت رحلةً طويلة وشاقة، وعند التفكير فيها لا بدّ أن نذكر بعض أهم المحطات الكبرى التي مررنا بها، أو لنقل البصمات الكبرى التي صنعها أسلافنا، دون أن ننسى أنّ كل فردٍ انتمى يومًا إلى هذا الجنس كان شخصًا متفردًّّا، شخصًا باسمه وقصصه وأحلامه وحياته التي قد تكون روتينية ومملة في كثير من الأحيان، حياةً تشبه حياتنا. فردًا يشبه كلّ فرد منا. والآن، فلنبدأ.

رحلة الجنس البشري
بصمات أيدٍ بشرية دمغت على جدار أحد الكهوف منذ 30,000 عام.

الوطن

قبل أن نبدأ في سرد القصة، لا بدّ أن نسأل، أين ومتى بدأت قصتنا البشرية؟

ينتمي الإنسان العاقل (Homo sapiens) إلى مجموعة تدعى أشباه البشر (Hominids)، وعلى الرغم من التنوّع الكبير في هذه العائلة، إلّا أنها جميعًا تتشارك في سمة أساسية، ألا وهي القدرة على المشي بشكلٍ منتصبٍ على قدمين، أو ما يسمى بـ Bipedalism.

وعادةً ما يبدأ الجدال هنا، عند هذه النقطة، لكن سواء كنت تؤمن بقصة الخلق أو تقتنع بنظرية التطور فهناك شيء علينا الإقرار به؛ وهو أن الأغلبية لا تقرأ؛ فأغلب المؤمنين بقصة الخلق لم يقرأوا شيئًا من الكتب العلمية التطورية، ولم يطّلعوا حتى على قصص الخلق المختلفة عند الديانات الأخرى، فذاك المنتمي لحضارة المايا والذي اعتقد يومًا أن الإنسان خُلق من الماء والذُرة، يستهزئ بكل من يصدق أن الإنسان خُلق من طين. وبالطبع نستطيع أن نفهم أنّ إيمانك بالنسبة لك قد يكون أقوى من كل الأدلة العلمية، لكن هذا لا يعطيك الحق للاستخفاف بالعلم والطعن في أدلته.

وعلى الضفة الأخرى، هناك ممن لا يعرف عن التطور سوى اسم دارون، لا يتوانى عن الخوض في كل معركة كلامية مع الطرف الأول وكَيل الاتهامات والاستهزاء، رغم أن أغلبهم لم يقرأ أيًّا من الكتب العلمية المختصة بالتطور، ولا حتى “أصل الأنواع“. وأيًا كان موقفك من الأديان، فلن تستطيع إنكار أننا مَدينون للدين كسببٍ في نجاتنا يومًا ما كمجموعة سلفٍ تتعاون للبحث عن ذاتها. ما أود قوله، هو أننا لا نقرأ، وإن قرأنا نصدق كل ما نقرأ، دون أن ننتقد ونحاكم عقليًا ما نقرأه، وغالبًا دون الاطلاع على المراجع العلمية الموثوقة. لذا، لا تدع أحدًا يحشو رأسك بأفكار جاهزة، اقرأ واصنع أفكارك واعتقاداتك.

وبالعودة إلى مقالنا، يعتقد العلماء استنادًا إلى الأدلة الأثرية والأنثروبولوجية أنّ أشباه البشر قد تفرّعوا عن الرئيسيات الأُخرى في مكانٍ ما في شرق وجنوب أفريقيا، وذلك في فترة تقع ما بين 2.5 إلى 4 ملايين سنةٍ مضت. وقد وضعوا عدّة فرضيات تفسر تطور البشر في هذا الوقت المبكر ومنها فرضية الجفاف، والتي تفترض أنّ أشباه البشر الأوائل كانو أكثر ملائمةً مع المناخات الجافة، حيث دفعتهم التغيّرات البيئية التي قلّصت من مناطق الغابات ووسعت من مساحات السافانا الجافة، إلى التكيف مع العيش على الأرض والمشي بشكل مستقيم بدلًا من تسلق الأشجار.

ثمّ استمر أشباه البشر بالتطوّر وتطوير العديد من الخصائص الفريدة، حيث بدأت إحدى الأنواع والمعروفة باسم Homo Habilis (الإنسان المفيد) بصنع واستخدام بعض الأدوات البسيطة وذلك منذ حوالي 2.3 مليون عام.

رحلة الجنس البشري
جمجمة تابعة للنوع Homo habilis

كما قام النوع Homo erectus (الإنسان المنتصب) قبل حوالي مليون عام بالهجرة من أفريقيا إلى أوراسيا، وحقق تقدّمًا على عدة أصعدة ومن أهمها التحكم بالنار.

رحلة الجنس البشري
جمجمة تابعة للنوع Homo erectus

وعلى الرغم من وجود العديد من الأنواع التابعة لأشباه البشر في السابق، إلّا أنّها جميعها قد انقرضت، ولم يبقَ سوى نوع واحد ألا وهو Homo sapiens. ليس هذا بالأمر المستغرب، فالانقراض جزءٌ طبيعيٌّ من التطوّر، ويحاول العلماء تفسير هذا الانقراض عن طريق صوغ النظريات المختلفة، فهناك العديد من الأفكار والدلائل التي تفسر عدم قدرة بعض الأنواع على البقاء، مثل ضعف القدرة على المنافسة على الغذاء، والتغيرات المناخية غير الملائمة، والانفجارات البركانية. §

الفاتورة التي دفعها الجنس البشري مقابل تطوره

قبل أن نكمل في رحلة الجنس البشري لا بدّ أن نذكر الثمن الذي دفعناه مقابل التطور الذي حصلنا عليه، حيث قام العلماء بالاستناد إلى النماذج والأمثلة الموجودة في السجل الأحفوري بتوضيح كيف أنّ التكيّفات التي جعلت الإنسان ناجحًا جدًّا -مثل المشي على قدمين والأدمغة الكبيرة المعقدة- ناتجة عن إعادة تشكيل مستمرة لخطّةِ جسدٍ قديمة، جسد يُستخدَم أصلًا للحياة على الأشجار. لتوضيح ما سبق دعونا نتحدث عما حدث لأقدامنا.

تحتوي القدم البشرية على عظامٍ كثيرة، وذلك لأنّ أسلافنا من أشباه القرود كانوا بحاجةٍ إلى قدمٍ مرنة لاستخدامها في التعلق بأغصان الأشجار. لكن، عندما تركوا الأشجار وبدأوا بالمشي على أقدامهم منذ ما يقارب الـ 5 ملايين عامًا، استلزم ذلك أن تصبح القدم أكثر استقرارًا، لذا تغيّرت شيئًا فشيئًا، فبعد أن كان إصبع القدم الكبير مقابلًا للأصابع الأُخرى، أصبح على سويّةٍ ونسق واحدٍ معها، كما تطوّر أيضًا الانحناء أو القوس في باطن القدم ليعمل على امتصاص الصدمات. إذًا فقد تطورت القدم لتكون قاسية وثابتة بحيث تتلائم مع الواقع الجديد. ومع ذلك، فإنّ أقدامنا لا تزال تملك مجالًا كبيرًا للانثناء نحو الداخل والخارج، مما يسبب تهدّمًا وتدهورًا في قوس القدم. والنتيجة ندفع ثمنها اليوم على شكل التواءات وكسور الكاحل، التهاب اللفافة الأخمصية، التهاب وتر أخيل، جبائر حرف الظنبوب.

كذلك الأمر بالنسبة للعمود الفقري، والذي تطوّر أساسًا ليكون صلبًا مناسبًا للتسلق والانتقال على الأشجار، بالإضافة إلى القدرة على تدويره بزاوية 90 درجة، لذا فقد أخذ شكلًا عموديًا. لكن عندما انتصب البشر في وضع مستقيم، توّجب على الفقرات الظهرية والأقراص التكدّس فوق بعضها البعض وموازنة الرأس في الأعلى. ثمّ توّجب على العمود الفقري كي لا يعيق قناة الولادة، وكي يحقق توازن الجذع فوق أقدامنا أن ينحني إلى الداخل، مما سبب نشوء التجويف الظهري. وهذا هو السبب في أن العمود الفقري عند البشر على شكل حرف S. هذا الانحناء مع وزن الرأس ووزن الأجزاء العلوية من الجسم خلق ضغطًا كبيرًا على العمود الفقري مما سبب آلام الظهر الشائعة عند معظم البشر.

ومن جهةٍ أُخرى، فإنّ التكيّف مع المشي المنتصب مع زيادة حجم الأدمغة، دفع الإناث للموازنة بين هذه التغييرات بتضييق قناة الولادة، لكن مع المحافظة على نسبة نسلٍ تحول دون الانقراض، وبالنتيجة فقد غدت الولادة عمليةً مؤلمةً جدًّا، بالإضافة إلى زيادة نسبة الوفاة أثناءها. وقد حاول أسلافنا التغلب على هذه المشكلة بتقديم الدعم والمساعدة من أفراد المجتمع خلال الولادة.

إذًا، فالتطوّر لا “يصمم” الأجساد من الصفر، بل يعمل ببطءٍ على الجينات والصفات الموجودة أصلًا، ليعالج أجسام البشر والحيوانات في مواجهة التغيير الحاصل في المواطن والمتطلبات. فهو لا يعمل على تحقيق الكمال، وإنما على بناء الوظيفة.§

المحطة الأولى: المطبخ

ربما من الأمور الجوهرية التي يختلف فيها البشر عن الكائنات الأُخرى هي القدرة على طهي الطعام، وهي الميزة التي نتجت عن ترويض النار. ولا بد لنا من الحديث عن اكتشاف النار قبل استكمال الحديث عن الرحلة البشرية، لم لها من أثرٍ كبيرٍ على تطور البشر ومستقبلهم، فكيف ومتى إذًا اكتشف الإنسان المبكر النار؟

قد يكون تفاعل البشر الأوائل مع النار حدث عرضيًا بعد عاصفة رعديةٍ أو حدثٍ آخر في الطقس تسبب في حدوث حرائق طبيعية في الغابات، لكنّ القدرة على إشعال النار قد حدثت في فترةٍ ما بين 120,000 إلى 700,000 عام مضى، وذلك استنادًا إلى ما بينته الأدلة الأثرية. وبالطبع فإن إتقان إشعال النار أدّى إلى تغييرات ثورية في الثقافة البشرية المبكرة؛ فقد سمح بإنشاء مستوطنات أكبر وأكثر ديمومة كنتيجةٍ للضوء والدفء والمأمن من الوحوش المتربصة، كما أدى إلى تطور هيكل الأسرة واللغة، وتقسيم العمل بشكل أكثر تقدّمًا، وأخيرًا حدوث الزراعة.§
رحلة الجنس البشري

لكن ورغم ذلك، فإنّ أفضل ما قدمته النار هو ميزة الطهي. حيث يتفق العلماء أنّ طهي الطعام كان له تأثيرات كبيرة في كيفية تطوّر جسم الإنسان. على سبيل المثال، طبخ الطعام يجعله أكثر طراوةً مقارنةً بالطعام النيء، لذا تمكّن البشر من مضغه بسهولة بأسنان صغيرة وفكين ضعيفين. كما يعتقد العلماء أنّ هناك علاقةً بين الطبخ وزيادة حجم الأدمغة لدى أسلافنا البشر؛ حيث يحتاج الدماغ إلى طاقةٍ كبيرةٍ مقارنة بباقي أعضاء الجسم، وبما أنّ الطبخ يزيد من مقدار الطاقة التي يمكن الحصول عليها من الطعام، ومن جهةٍ أُخرى يجعل الطعام أسهل هضمًا مما يقلل من الطاقة اللازمة لعملية الهضم، بالتالي أدى كل ذلك إلى إمداد الدماغ بالطاقة اللازمة. وما يدعم هذا الاعتقاد هو وجود الأحافير التي تُظهِر تقلّص حجم الجهاز الهضمي والأسنان عند الإنسان المنتصب في نفس الوقت الذي زاد فيه حجم الدماغ، وهذا ما دّل على أنّ أسلافنا في تلك الفترة كانوا قد بدأوا في تناول طعام أكثر طراوةً وأعلى جودة.§

هجرة الأجداد

يتفق معظم علماء الأنثروبولوجيا على أنّه إن أردت تتبع سلفك إلى حوالي مليون عامٍ في الماضي، فستجد نفسك في مكانٍ ما من إفريقيا تشاهد جمعًا من الإنسان المنتصب Homo erectus. وهي كائنات تشبه من العنق وما دون شكل الإنسان الحالي، بالقامة والنِسَب الجسدية والذراعين القصيرة والأرجل الطويلة نسبيًا. أما بالنسبة للرأس فالأمر مختلف تمامًا، حيث يمتلك حواجبًا عريضة وجمجمة مسطحة والتي تبلغ من الحجم ثلثي حجم جمجمة الإنسان العاقل.

والآن إن تقدمنا في الزمن إلى حوالي 300,000 عامٍ مضى، سنجد أنّ ثلاثة مجموعاتٍ على الأقل قد انحدرت من Homo erectus وهي تعيش في أماكن مختلفة من العالم. وهم أجدادنا من الإنسان العاقل (Homo sapiens) تعيش في إفريقيا، وأبناء العمومة من النياندرتال (Neanderthals) في أوروبا، والدينسوفا (Denisovans) في آسيا.§
انتشار الجنس البشري في أنحاء الأرض

سنقوم  الآن بتتبع أثر الناجي الوحيد من بين تلك الأنواع، ألا وهو الإنسان العاقل. وهو النوع الذي انتمى إليه كل إنسان بشري عاش يومًا على هذه الأرض. ووفقًا للسجل الأحفوري والوراثي، فإنّ الإنسان العاقل قد بدأ بالهجرة من إفريقيا منذ حوالي 60,000 إلى 70,000 عام مضى. أما أسباب هذه الهجرة فغير واضحة تمامًا، لكن يرجّح العلماء إلى أنها قد تكون نتجت عن التغيرات المناخية والتبريد المفاجئ في مناخ الأرض. ومن المرجح أن المجموعات الأولى التي هاجرت إلى اليابسة الأوراسية قد عبرت عن طريق باب المندب، وهو ما يفصل اليمن الحالي عن جيبوتي، ثمّ استمرت بالترحال على طول الشريط الساحلي إلى الهند، وصولًا إلى جنوب شرق آسيا وأستراليا قبل 50,000 عام.

بعد ذلك بقليل، أي بعد 50,000 عام بقليل، انطلقت مجموعات أُخرى من إفريقيا إلى الشرق الأوسط وجنوب آسيا الوسطى. ولاحقًا، أصبحت هذه المناطق الجديدة قاعدة انطلاق لمجموعاتٍ أُخرى غزت سطح الأرض بأكمله من شمال آسيا إلى أوروبا انتهاءً بأمريكا الجنوبية.§

الثقافة على طول الطريق

والآن، لا بدّ أن تتساءل لم قد ينجو الإنسان العاقل بينما يموت الآخرون؟ بمعنى آخر، ما هو الشيء المميز الذي فعله هؤلاء الأجداد والذي منحهم ليس فقط القدرة على النجاة وإنما القدرة على احتلال كامل الكوكب؟

 عن نظرية التطور …لماذا البشر هم الجنس الوحيد المسيطر على الأرض؟

حسنًا، هو التواصل اللغوي والخيال. بكلمات أُخرى: اللغة والدين. وسنقوم بتوضيح دور كلٍّ منهما في رحلة الجنس البشري.

كيفية نشوء اللغة عند الإنسان العاقل

على الرغم من أنّ جميع الحيوانات تمتلك القدرة على التواصل سواءً باستعمال الأصوات أو الحركات أو الإيماءات أو لغة الجسد وغيرها، لكن لغة الإنسان مختلفة عن كل ما سبق؛ فقدرة الإنسان على تشكيل عدد غير محدود من الأفكار في كلمة منطوقة، هي أحد أكثر الأشياء التي تميزنا عن باقي الأنواع. وقد ظهرت اللغة لأول مرة عند الإنسان العاقل في فترة غير محددة تقع ما بين 30,000 إلى 100,000 عامٍ مضى، ويحاول العلماء صوغ العديد من النظريات كمحاولات لتفسير كيفية تطورها.§

رحلة الجنس البشري

ومن أشهر هذه النظريات تلك التي تقول أنّ طفرة جينية قد حصلت في جينوم الإنسان العاقل قبل 40,000 عام، أدت إلى ظهور القدرات اللغوية المتطورة، وما يدعم هذه النظرية هو ازدهار الفنون والقطع الأثرية الثقافية في تلك الفترة. فاللغة إذن من أهم الأمور التي اختلفنا بها عن أبناء العمومة، فإنسان النياندرتال مثلًا وحتى الآونة الأخيرة- أي قبل 40,000 عام- لم يُظهِر تقريبًا أي دليل على التفكير الرمزي، فلذلك لم يظهر له فنٌّ ولا نحتٌ، وهذا ما يربطه العلماء عادة باللغة. بينما في نفس الفترة، كان لدى الإنسان العاقل فنًا وفيرًا وآلات موسيقية وأدوات متخصصة كإبر الخياطة. وعلى الرغم من أن الأدلة الجينية تشير إلى أنّ 1-5% من الجينوم البشري قد يكون مستمدًا من النياندرتال نتيجة التزاوج، إلا أنهم انقرضوا بينما ازدهر نوعنا.§

حيث تمكّن الإنسان العاقل باستخدام اللغة من بناء ثروة من الثقافة المشتركة، وتحقيق التعاون بين أفراده، مما أدى إلى تفجّر الإبداع، وتدبير الطرق المناسبة للتعامل مع الظروف البيئية المحيطة، وهذا بالنتيجة ما مكّنه من الانتشار في معظم بقاع الأرض، بغضّ النظر عن المناخ.§

كيفية نشوء الدين

إذا أردنا أن نفهم كيف ولماذا تطور الدين، ينبغي علينا التركيز بشكل أقل على الأسئلة المطروحة حول الآلهة والعقائد الكبرى، وطرح المزيد من الأسئلة حول القدرات التي ظهرت في أسلافنا القدماء، والتي سمحت لهم بتحقيق طريقة دينية للتواجد معًا.

لكن في البداية، ما هو الدين؟ يمكن القول أنّ الدين هو “التبجيل والتعظيم المشترك للظواهر الخارقة، أو المقدسة، أو الروحية، وكذلك تقديس الرموز والطقوس والعبادة المرتبطة به”. ويتفق هذا التعريف مع التعريف الذي يقدمه علماء الاجتماع والذين يؤكدون على أهمية التجارب المشتركة للبشر والتي تندمج وتتوحد في مجتمع أخلاقي واحد. بالتالي، لا يمكن فصل تطور الدين البشري عن سمة الاجتماعية المتزايدة عند أسلافنا القدماء. وفي حين يجد البعض أنّ الدين هو طريقةٌ للوجود، يراه العلماء طريقةً للشعور المشترك.

رحلة تطور الجنس البشري

أما الآن، فلنعد إلى السؤال الأساسي، كيف ولماذا تطور الدين؟

في الحقيقة هناك وجهتان من النظر حول سبب نشوء الدين وتطوره؛ الأولى: تدعى بالوظيفية أو التكيّف، وتقوم على فكرة أنّ الدين يجلب فوائد تطورية إيجابية، والتي غالبًا ما يتم تأطيرها من حيث مساهمتها في حياة المجموعة. أي أنّه في حال كان لكل مجتمع من المجتمعات ديانة ما، فلا بد وأنها تخدم غرضًا اجتماعيًا.

في حين يرى البعض الآخر أنّ الدين هو ناتجٌ ثانويّ للتطّور، بمعنى أنّ المعتقدات الدينية قد نشأت كنتيجةٍ للآليات النفسية التي تطوّرت لحل مشكلات بيئية لا علاقة لها بالدين أساسًا. وفي كلتا الحالتين، لم يكن هدف التطور منصبًّا على إظهار الدين بحد ذاته، وإنما برز الدين باعتباره تطوّرًا يستهدف أمورًا أُخرى.

وعلى الرغم من أن كلا الطرفين لديه أسبابه الخاصة للاعتقاد بصحة فرضيته، لكن قد لا يكون من المفيد محاولة تفسير تطور الدين في مثل هذه الشروط أو تلك. لذا يمكن القول أنّ تطور الدين قد حدث كمنتجٍ ثانوي من عملية تطورية عمياء، ثم استخدمه البشر لأداء وظيفةٍ محددة أو حل مشكلة معينة.§

أزمة الإلحاد الجديد: دين اللا دين!

ما هي الجدوى من كل ذلك!

يمكننا القول أنّ أسباب نشوء اللغة والدين ليست بتلك الأهمية مقارنة بمعرفة النتائج التي حصلت وأثّرت على الإنسان العاقل، فهذه الطرق الجديدة في التفكير قد مكنتنا ليس فقط من تبادل المعلومات وتخيل الأشياء والحديث عنها، وإنما فِعلُ ذلك بشكل جماعي. وهذا ما أمكننا من نسج القصص حول أساطير وآلهة شائعة يؤمن بها عدد كبير من البشر مثل قصص الخلق السومرية، والطوفان، وأساطير وقت الأحلام عند سكان أستراليا الأصليين، وصولًا إلى أساطير الوطنية عند البلدان الحديثة.

أهمية هذه الأساطير تكمن في أنها منحت العقلاء قدرة غير مسبوقة على التعاون والعمل في مجموعات تتألف من أعدادٍ كبيرة. يمكننا توضيح هذا الكلام بما يلي: أنه كي تجعل عددًا كبيرًا من البشر يعملون معًا بشكلٍ متعاون للنجاة أو لتحقيق هدفٍ ما، عليك أن تجعلهم يؤمنون بفكرة واحدة. كمثالٍ على ذلك، يمكن لشخصين مسيحيين لم يلتقيا قبلًا أن يخوضا حربًا صليبية معًا فقط بسبب إيمانهما بوجود إله واحد. كما يمكن لشخصين أمريكيين أن يخاطرا بحياتهما لإنقاذ أحدهما الآخر، فقط بسبب إيمانهما بوجود وطن أمريكي وعلم أمريكي. وكذلك الأمر بالنسبة لمُحاميين اثنين لم يلتقيا قبلًا أن يوحّدا جهديهما للدفاع عن شخص غريب فقط، بسبب إيمانهما بوجود القوانين والعدالة وإلى ما إلى ذلك.

لكن دعونا لا ننسى أنّ العديد من الكائنات تستطيع العمل بشكل جماعي، كالنمل والنحل، إلا أنها لا تفعل ذلك إلا وفق أسلوب متزمت ومع الأقرباء المقربين جدًا. كذلك تستطيع الذئاب وحيوانات الشمبانزي العمل معًا بطريقةٍ أكثر مرونة، لكن ضمن مجموعات أصغر عددًا تجمعها علاقات قربى. وحده الإنسان العاقل من يستطيع التعاون بشكل شديد المرونة ومع أعدادٍ كبيرة جدًّا من الغرباء والذين يؤمنون بالأفكار ذاتها، وهذا ما منح الإنسان العاقل القدرة على اجتياح العالم، بينما تعيش الشمبانزي في الأقفاص، ويأكل النمل فتات طعامنا. §

هل وقعنا في الفخ؟

لنعد مرةً أُخرى في الزمن إلى الفترة الممتدة ما بين 12000- 15000 عامٍ مضى. وهي الفترة التي حصل فيها أحد أكثر التغيرات تأثيرًا على حياة الجنس البشري، ويمكننا القول أن الإنسان قبلها ليس كما بعدها. فماذا حصل بالتحديد؟

هذه المحطة من الرحلة البشرية ومع ما يليها، سنكملها في الجزء الثاني من المقال.

3

شاركنا رأيك حول "المحطات الكبرى في رحلة الجنس البشري"