كيف أصبحت درية شفيق الرائدة الفعلية للحركة النسوية في مصر اسمًا منسيًّا؟!

درية شفيق
3

لا توجد قسوة أكبر من أن يُعطى المرء المواهب المتعددة، والعزيمة الكافية على تحقيق كل شيء، والقدرة على تجاوز كل الصعاب، ثم تأتى قوة غاشمة تكسر كل هذه الإنجازات، لتبقى المحصلة هباءً منثورًا.

قصة درية شفيق تشبه ذلك، امرأة استثنائية قلّ أن نجدها سواء في زمنها أو حتى الزمن الحالي، امتلكت من الذكاء والجرأة والجمال والثقافة الكثير، ولكن هذا الكثير كان عبئًا على عصرها الذي لم يستطع تحمل طويلًا مثل هذه الشخصية القوية، فكان الحل كسرها قبل أن تصبح أكثر قوة وسلطة.

في سن الثانية والثلاثين، حصلت درية شفيق على دكتوراه في الفلسفة من جامعة السوربون، وتنافست في مسابقة ملكة جمال مصر، ونشرت مقالات وشعرًا باللغتين العربية والفرنسية، وأسست منظمة نسوية مصرية، وتولت رئاسة مجلتين نسويتين.

ولو وضعنا في الاعتبار أن كل ذلك حدث في الأربعينيات من القرن الماضي، عندما كان تعلّم المرأة تعليمًا عاليًا في مصر أمرًا عجبًا، لوقفنا ذاهلين أمام هذه الإنجازات غير المسبوقة حرفيًا.

التحدي الأول: من مصر إلى السوربون

درية شفيق

وُلدت شفيق في 14 ديسمبر 1908. وكان والدها أحمد شفيق موظفًا وبسبب وظيفته تنقل مع أسرته بين مدن طنطا والمنصورة والإسكندرية بينما كانت والدتها رتيبة ناصف ربة منزل.

بعد تخرجها من مدرسة ابتدائية يديرها المبشرون الفرنسيون في الإسكندرية، وجدت درية شفيق أن التعليم الإضافي متاح فقط للبنين. لذلك درست بمفردها وأكملت امتحانات المناهج الفرنسية الرسمية قبل الموعد المحدد؛ واضطر المعلمون الذين حاولوا كبت إمكانياتها إلى الاعتراف بأنها كانت حاصلة على درجة من بين أعلى الدرجات في مصر.

واستنادًا إلى أدائها المشرف، طلبت المساعدة من هدى الشعراوي، وهي أرستقراطية قامت بتنظيم نخبة من النساء لتشكيل الاتحاد النسائي المصري، الذي سعى إلى الحريات الاجتماعية للنساء ودعم الاستقلال عن بريطانيا. وعلى عكس درية في المستقبل، لم تضغط هدى شعراوي على الحقوق السياسية للمرأة وربما لهذا السبب ما زالت تعتبر بطلة قومية ويتذكرها التاريخ أكثر من درية بكثير.

استخدمت شعراوي مركزها للمساعدة في حصول درية شفيق على منحة دراسية حكومية لدراسة الفلسفة في جامعة السوربون في باريس.

التحدي الثاني: لا يوجد تعارض بين الجمال والذكاء أليس كذلك!

درية شفيق

حتى اليوم وفي القرن الواحد والعشرين، هناك الكثير من الأفكار المقولبة والجاهزة حول الذكاء والجمال، منها أن المرأة الذكية للغاية على الأغلب قبيحة، وأن مسابقات الجمال للغبيات، ولكن درية شفيق كان لها رأي آخر.

بالعودة إلى الإسكندرية في صيف 1935، عرفت درية شفيق أن هناك مسابقة جمال لاختيار ملكة جمال مصر. ولكن كانت هناك عقبة أمام الفاتنة الذكية، وهي أنه لم تدخل إلى المسابقة سوى النساء من أصل أوروبي أو مسيحي فقط، ولم يحدث أبدًا أن أشتركت مسلمة مثل درية، التي رأت في تلك المسابقة فرصة للتعبير عن آرائها بصورة عملية.

“في باريس أُثبت نفسي في المجال الفكري. الآن أردت أن أثبت نفسي في المجال الأنثوي”، قالت درية، وفقًا لكتاب “Doria Shafik، Egyptian Feminist: A Woman Apart) “1996)، بقلم سينثيا نيلسون، كاتبة السيرة الذاتية باللغة الإنجليزية لشفيق.

وكتبت درية شفيق عن جمالها: “كأن الطبيعة، في نوع من العدالة بعد أن حرمتني من الوضع الاجتماعي والثروة، عوضتني بهذه الملامح”.

دخلت درية شفيق المسابقة دون أن تخبر عائلتها وحصلت على المركز الثاني. لكن الصحافة المصرية كتبت عن الفضيحة. “لقد كنت فتاة مسلمة عملت ضد الإسلام!”.

التحدي الثالث: العمل النسوي ليس للنخبة والطبقات الثرية فقط! 

درية شفيق في اضراب عن الطعام

أثناء دراستها في باريس، التقت وتزوجت نور الدين رجائي، الذي كان يعمل على دكتوراه في القانون التجاري. أنجبا ابنتان، عزيزة وجيهان. وحصلت درية على درجة الدكتوراه في عام 1940، لكن الجامعة الوطنية المصرية رفضت أن تعطي لها منصبًا تعليميًا، حيث أن جمالها وأفكارها الليبرالية أضرت بسمعتها العلمية. ثم قامت راعيتها هدى شعراوي باستبعادها كذلك من الاتحاد النسائي النخبوي بسبب خلفيتها من الطبقة الوسطى.

ولكن ذلك لم يفتّ في عضدها، بدلًا من ذلك بدأت درية شفيق حركتها الخاصة “بنات اتحاد النيل” مكرسة جهودها لتعليم وتنظيم النساء العاملات من جميع الطبقات.

قدمت بنات النيل فصول محو الأمية، ووكالة توظيف، وبرامج مساعدة، وكافتيريا مخفضة وفعاليات ثقافية، بما في ذلك العروض المسرحية للنساء. الأهم من ذلك كله، تحرّكت من أجل الحقوق السياسية للمرأة.

رائدات مصريات سطرن أسماءهن على صفحات التاريخ وسبحن ضد التيار المجتمعي !

التحدي الرابع: حقوق المرأة السياسية لن تؤخذ سوى بالقوة

درية شفيق مع الرئيس محمد نجيب

كتبت درية شفيق يومًا: “لن يسلم أحد الحرية للمرأة باستثناء المرأة نفسها. قررت القتال حتى آخر قطرة دم لكسر القيود التي تقيد نساء بلدي”.

ما فعلته في 19 فبراير 1951 كان له أكبر الأثر على التاريخ المصري. عندما جمعت حشدًا من 1500 امرأة في قاعة محاضرات في الجامعة الأمريكية في القاهرة لما وصفته بـ “مؤتمر نسوي”. لكن ذلك كان مجرد حيلة لخداع الشرطة. كانت لشفيق خطط أخرى. وقالت “إن اجتماعنا اليوم ليس مؤتمر بل برلمان، برلمان من النساء”.

وبعد ذلك بلحظات، قادت جيشها من النساء واقتحمن بواباب البرلمان المصري الذي يتكون فقط من الرجال، وأعلنت “برلمان النصف الآخر من الأمة”، وقالت لزعيم برلماني حاول عبثًا وقفهن “نحن هنا بقوة حقنا”.

أغلقت المتظاهرات المجلس التشريعي لأكثر من أربع ساعات، حتى تعهد رئيسه بتلبية مطالبهن الرئيسية: حق المرأة في التصويت وشغل المناصب في البرلمان. (لكن لم يعالج مطالبهن الأخرى، مثل المساواة في الأجور وإصلاح قوانين الزواج والطلاق).

ساعدت المظاهرة في كسب درية شفيق مكانًا بين أكثر النساء نفوذًا في تاريخ العالم العربي. لكن العديد من المصريين اليوم لم يسمعوا باسمها قط.

ولأن المرأة التي تطالب بحقوقها، تعلم كذلك واجباتها، اشتركت درية شفيق في محاربة الاستعمار، فعندما كان المصريون يناضلون من أجل الاستقلال عن بريطانيا، بدأت درية وحدة شبه عسكرية موحدة لبنات النيل. وفي يناير 1952، قادت لواءً من عضواتها لتطويق وإغلاق فرع لبنك باركليز، معتبرة إياه رمزًا للحكم الاستعماري البريطاني. 

توقعت درية شفيق أنه بمجرد الإطاحة بالملكية المدعومة من بريطانيا عام 1952، ستشهد مصر “بداية نهضة للنساء”. ولكن لم يتغير شيء: لم يُسمح للنساء حتى الآن بالتصويت أو المشاركة في الجمعية التأسيسية.

في عام 1954، جربت شفيق تكتيكًا جديدًا، فيه قامت بالاضراب عن الطعام “حتى أنفاسي الأخير” وانضمت إليها حفنة من النساء الأخريات في صيام تصدر عناوين الصحف حول العالم.

وقالت في رسائل إلى الحزب الحاكم “نحن مقتنعون بأن النساء اللاتي يشكلن أكثر من نصف الأمة المصرية يجب ألا يحكمهن، بأي ثمن، دستور لم يلعبن أي دور فيه”. 

بعد 10 أيام بدون طعام، دخلت المستشفى بسبب تدهور حالتها الصحية ووعدها الرئيس بالإنابة أن تتمتع المرأة “بحقوق سياسية كاملة”.

ولكن اتضح أنه لن يكون لأحد مثل هذه الحقوق. وقد عزز الرئيس جمال عبد الناصر سلطته كرجل مصر القوي، ولم يمنح الرجال ولا النساء الحق في ممارسة أي حقوق سياسية كاملة.

التحدي الأخير قبل الهزيمة: لا للديكتاتورية 

درية شفيق على جوجل

بعد ست سنوات فقط، في عام 1957، شجبت “دكتاتورية” جمال عبد الناصر، الأمر الذي وضعها تحت الإقامة الجبرية، وأغلقت مجلتها وحركتها، ومحي أي ذكر لها من كتب التاريخ ووسائل الإعلام.

ففي عام 1957، حاولت درية إقامة إضراب آخر عن الطعام، هذه المرة لمدة ستة أيام. لكن هاجمتها وسائل الإعلام الناصرية كخائنة.

انقلب حلفاؤها ضدها، وطردت من بنات النيل. ومع عدم وجود أي شخص تقريبًا إلى جانبها، اضُطرت إلى قضاء 18 عامًا في عزلة تامة تقريبًا.

بعد عقد من الزمن، سجن ناصر أيضًا زوج درية شفيق لعدة أشهر للاشتباه في عملية تخريبية لا علاقة له بها. وأُدرج في القائمة السوداء في مصر، واضطر إلى السفر إلى الخارج لمواصلة العمل. ثم أتى انفصالهما وطلاقهما، في عام 1967، ليكملا عزلتها.

سجنت درية شفيق في منزلها ومنعت من العمل العام، لتتوفى في غموض في 20 سبتمبر 1975. حيث سقطت من شرفة في الطابق السادس، ومن المرجح بقوة أنها انتحرت يأسًا. 

والآن لا تحتفظ بذكراها سوى النسويات المصريات، اللواتي من وقتها يحاولن إعادة بناء الحركة النسوية المستقلة.

وكتبت النسوية المصرية فاطمة عبد الخالق في صحيفة الأهرام الحكومية بعد عقود، وبعد انتحار شفيق عام 1975. وكان ناصر قد مات قبل خمس سنوات “كان هناك يوم كانت فيه درية شفيق الرجل الوحيد في مصر”. وأكملت “ظهرت درية شفيق عام 1957 لتخبرنا أننا في طريقنا إلى الديكتاتورية”، لكن “لقد كنا أغبياء حمقى”.

هُن والمستحيل: قصص نجاح ملهمة لرائدات أعمال مصريات

3

شاركنا رأيك حول "كيف أصبحت درية شفيق الرائدة الفعلية للحركة النسوية في مصر اسمًا منسيًّا؟!"