الامومة والكتابة
1

الأمومة هي منحة ربانية مُنحت للمرأة لتكون ميزة لها ورمزاً للأنوثة وعظمتها، فالأم هي مصدر المنح والعطاء للطفل خاصة في مراحل نموه الأولى، وهذه العلاقة تعد الركيزة الأساسية للنمو الاجتماعي والانفعالي للطفل، فعلاقة الطفل بالأم تتصف بالديمومة والاستمرار ما يؤثر بشكلٍ كبير جدًا عليه وعلى تكوينه الشخصي مستقبلًا، لكن الأمر لم يكن ليقتصر على الطفل فقط، الأم كذلك تتأثر بالمثل بهذه التجربة، فمنحة عظيمة كهذه تجعل منها تجربة مقلقة وحساسة في حياة المرأة وقد تشكل لها منعطفًا حياتيًا كبيرًا.

قد يُخيل للبعض بأن القدر يبرم صفقة مع النساء اللواتي يتطلعن للأمومة، فمن أجل نيل هذه المنحة لا بد من دفع ضريبة كمقابل، ضريبة من القلق والخوف!

تجربة غير واضحة

تعد الأمومة تجربة غير واضحة بشكل كامل، ما يجعلها مليئة بالأسئلة وعلامات الاستفهام، تمامًا كالحمل والإنجاب؛ فما تنفّك المرأة تواجه هذه الأسئلة في الوقت الذي تتهيأ فيه لتحمل هذه المسؤولية وسعيها لتؤدي دورها كأم بأفضل حالاتها.

وربما للوهلة الأولى يعتقد البعض أن الأمومة مجرد أمر غريزي في الأنثى، وتعاملها مع الأمر فطري وسلوكي في تكوينها كامرأة لا أكثر، لكن هذه واحدة من المفاهيم المغلوطة، فالأمر في واقعه أصعب مما يبدو عليه، فما بالك في أن تكون هذه الأم “كاتبة!”.

الأمومة والكتابة عند إيزابيل الليندي

لطالما كانت مقدرة الربط بين هذين المصطلحين محط أنظار العديد من الكاتبات واهتمامهن بعرضه في أدبهن سواءً بطريقة مباشرة أو إسقاطه بطريقة غير مباشرة في تأثر توجه كتاباتهن وإنتاجهن الأدبي.

كانت تجربة الكاتبة التشيلية “إيزابيل الليندي” واحدة من أكثر تجارب الأمومة عظمة وأكثرها أثرًا على أم كاتبة، ففي تجربتها تعرض لنا صورة واضحة ومثيرة عن الأمومة وتأثيرها في حياة كاتبة وكيف أنها أخذت من مشاعرها ثم منحتها الكثير في المقابل، تحكي إيزابيل في إحدى مقابلاتها عن شهر واحد بالتحديد، إنه ديسمبر من العام 1991 ذاك الشهر التي عانت فيه ابنتها باولا من المرض وتوفيت بعده بعام.

كانت تجربة الفقد، تجربة الحزن والأسى تلك قد استهلكت من إيزابيل جزءًا كبيرًا من جسدها وعقلها وروحها، ولم تستطع أن تواجه الأمر وتواجه محنتها إلا بالكتابة والتي أنقذتها من حافة كانت على وشك السقوط منها.

“بعد وفاة باولا، كانت الكتابة هي الشيء الوحيد الذي أبقى عليّ سليمة العقل، فالأسى رحلة جحيمية طويلة، كالمشي وحيدًا في نفق مظلم، ووسيلتي للمشي عبر ذلك النفق هي أن أكتب! كل صباح، كنت أسحب نفسي من السرير وأتجه إلى المكتب، أضيء الشمعة أمام صورة باولا، أفتح جهاز الكمبيوتر، وأغرق في البكاء، كان الألم في الغالب لا يطاق، أحدق في الشاشة لساعات، غير قادرة على كتابة كلمة واحدة، وفي أحيان أخرى، تتدفق العبارات كما لو أنها تملي عليّ من الخلف، من باولا نفسها. بعد عام، بلغتُ نهاية النفق، استطعت أن أرى النور، واكتشفت بشكل مذهل أنني كتبت كتابًا آخر، وأنني لم أكن أبتهل إذا مات أحد، بل كنتُ أريد أن أعيش!”

إيزابيل الليندي تعد تجربةً واحدة من بين تجارب العديد من أعظم الكاتبات والأديبات وعن ما منحته إيّاهن تجارب الأمومة بمختلف مراحلها وأشكالها من تأثير واسع على حياتهن وعلى أدبهن وكتاباتهن.

إيزابيل الليندي الأمومة

لا بد من النقد

كان لاهتمام العديد من الكاتبات بمواضيع نسائية كالأمومة سببًا لتعرضهن ككاتبات نسائيات للنقد، بحجة أن النساء لم يهتممن بالكتابة عن قضايا وأفكار وطنية وعالمية واقتصار مواضيعهن الكتابية بالكتابة عن قضاياهن وأفكارهن ومشاكلهن كنساء، لكن في الحقيقة وبرغم احتواء قائمة الأدب النسائي لأسماء الكثير من الأديبات العالميات والعربيات ممن قد تحدثن من خلال أدبهن وأقلامهن عن قضايا إنسانية، مجتمعية وفكرية عدة، إلا أن توجه العديد من الكاتبات للاهتمام بالكتابة عن قضايا المرأة وكل ما يتعلق بها كالأمومة تعد ميزة لا عيبًا كما يظنه البعض، فأن نتحدث ونحكي بأصواتنا النسوية وأعيننا الأنثوية هو حقنا وهويتنا.

المرأة الكاتبة والأم تقف في المنتصف بين ما تنتجه من الكتب وما تنجبه من أبناء لتسعى لأن تمنح كليهما القدر ذاته من الحب والاهتمام، حتى أن بعض الكاتبات شبهن كتبهن بأبنائهن، ولكن هل من السهولة لجميع الكاتبات الجمع بين كلا الأمرين بتلك السهولة كبعض النساء ممن اكتفين بأمومتهن؟

أمومة وكتابة… ليس الأمر سهلًا

المرأة الكاتبة تعترضها تحديات كبيرة بعكس الرجل، الأمومة بالتحديد وما يرافقها من حمل وإنجاب ورعاية واهتمام، هو ما يجعل المرأة الكاتبة تخوض صراعات ذاتية عدة لتساعدها لتكون قادرة على أن تجيب على نفسها وعلى تساؤلاتها عن مدى رغبتها في الأمومة، ومدى قدرتها على التوفيق بين كتبها وأمومتها؟

هذه التساؤلات لم تكن مقيدة بنساء زمن ما أو مكان ما، بل كانت هي ذاتها لدى كل النساء ممثلة بصوت مجموعة من أشهر وأعظم كاتبات الصوت النسائي، ومذ أعلنت الكاتبة الإنجليزية فرجينيا وولڤ في كتابها “غرفة تخص المرء وحده” بأن طبيعة الكتابة بحاجة للعزلة وهو ما يتناقض مع طبيعة الأمومة، قررت فرجينيا اكتفاءها بأوراقها وكتبها.

حتى زمننا هذا ومع كاتبات كُثر أشهرهن الكاتبة التركية إليف شفق وكتابها “حليب أسود”، والتي أوضحت فيه بأن خيار الأمومة يجعل للمرأة الكاتبة تساؤلاتها الخاصة والتي تظل تبحث عن أجوبتها بروية حتى تستطيع التصالح مع ذاتها أيًا يكن اختيارها الذي اختارته، وقدرتها على مواجهة التحدي في حال كانت قد اختارت الأمومة والكتابة معًا، وهو ما اختارته إليف في النهاية!

الأمر نسبي بين الأمومة والكتابة

لم تكن هنالك من قاعدة ثابتة أبدًا ففي الوقت الذي شعرت فيه بعض الكاتبات أن الأمومة ستعيق إنتاجهن الأدبي واكتفين بإنجاب كتبهن ورعايتها، في المقابل وجدت كاتبات أخريات أنهن قادرات على الدمج بين قدرتهن على إنجاب الكتب والأطفال، ما يخبرنا بأنه لا يوجد خيار يتوجب علينا ترجيحه على الآخر بل هي أقدارنا واختياراتنا، ولربما سيستمر صراع الأمومة بالنسبة للمرأة سواء الكاتبة أو غير الكاتبة أيضًا.

هذه القضية أزلية منذ أن خاطبت مريم ربها “يا ليتني متُ قبل هذا وكنتُ نسيًا منسيا” في أثناء معاناتها لآلام المخاض، ليأتي رد الله عليها عليمًا رحيمًا بأن تهز جذع النخلة وتأكل رطبًا جنيًا، لتكون تلك المرأة هي من تنجب أحد أنبياء الله، فالأمومة إنجاب للحياة من جسد يعكس صورة للكون بداخله في صورة إنسان وهي المرأة.

1

شاركنا رأيك حول "في بحر الأمومة الواسع.. ماذا لو كانت الأم كاتبة!"