العديدُ من الأنظِمة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي نمتلِكها اليوم خرجت من رماد الأفكار الجَريئة التي تم نشرها في القرن الثامن عشر، بدءاً بنيوتن الذي أحدث واحدة من القفزاتِ الفكرية العظيمة في تاريخِ جِنسنا البشري. ثم أينشتاين الذي خلق في النهاية نِظامًا جديدًا في العالم، وطريقة جديدة للتفكير، طريقة جديدة للوجود.

كان التنوير في ذلك الوقت مميّزاً بالتفكير الجماعي غير المقيّد، مع عملية قائمة لإخراج أَفضَل الأفكار التي حققت فيما بعد قفزاتٍ هائلة بجدارة. لم تعد المعرفة مقيدة باحتياجات الدولة أو سلطة دينية أخرى. أصبحت عملية التفكير والمعرفة والفهم نفسها هي السّلطة.

اليوم، نحن نأخُذ كل المعلومات في حياتنا كأمرٍ مسلّم به وغير قابلٍ للنقاش. لقد ولدنا في واقعِنا، ونثقُ به افتراضيًا. ننسى أنه لم يكن هكذا من قبل. نحن نفهم على نطاقٍ واسع أن العلم مفيد ومهم ويمكن أن يخبرنا الكثير عن كيفية سيرِ العالم.

ومع ذلك، عندما يتعلق الأمر بشعورِنا بالذات، على المستوى الشخصي، يبدو أنّنا نفضّل ربط أنفسنا بالواقِع الذي نشأنا فيه، بدلاً من العملِ بشجاعة للبحث عن المَعرِفة. ربما ما أتناوله الآن هو مجرّد جانب متأصِّل في الطّبيعة البشرية، ونحن جميعًا ملزَمون به بغضِّ النظر عمّا نفعله، ولكن معرفة أنفسنا اليوم أصبحَت أكثر أهمية من أيّ وقت مضى.

يتمّ الكثير من تعلّمنا في الحياةِ من خلالِ الانتقال الثقافي. كلّ شخص نتفاعلُ معه يقدّم لنا جزءاً من نفسه. أُسَرُنا تغرِس القيم فينَا. معلمونا وموجهونا يغرسُون قيماً أُخرى. ومُجتمَعُنا يُخبرنا، بشكلٍ عام، ما هي أفضلُ القيم وما هي غير ذلك. وفي الغالِب، لا نفكّر مرتين في هذه الأشياء.

في الواقع، نحن ننظُر إليها كأشكالٍ من الحِكمة.

إذا، فإنّ الثقافة تهيّئنا طوال الوقت، غالبًا على مستوى اللاوعي العميق، وغالبًا بدون أن نُدرك أنّ هذا هو الحال. وهي تهيّئنا بشكلٍ أوضَح عندما نطلُب النصيحة.

ثقافةُ الإنترنت هي مثالٌ صَارخ لذلك. في كلِّ مكان، يبحثُ الناس عن حلول. والحقيقة الأسَاسية بالطبع هي أنّ الانترنت مكانٌ رائعٌ للبحث عن أيّ شيء. تحتوي الإنترنت على معرِفتنا الجماعية، والكثير من هذه المَعرِفة ذات قِيمة إذا تمكّنت من تصفية المعنى الحقيقي للمعلوماتِ من الهُراء.

لكن يبدو أنّ المشكلة تكمُنُ في أنّ معظم الناس يأتون للبحث عن وصفات طبية، عن نصائح لزواج ناجح، نصائح لجسم مثالي، يريدون أن يعرفوا عشرة أشياء يجب أن يفعلوها ليصبحوا ناجحين..وهلم جرا. باختصار، يريدُون معرفة كلّ شيء دون التفكير في الأمر.

للتوضيح، حقيقة أنّ الإنترنت جعلت المعرفة مُتاحة على نطاقٍ واسع ليسَت هي المُشكلة. في الواقع، يعدُّ التعلم من هذه المعرفة أحد أكبر المزايا التنافسية التي يمكن لأيّ شخص أن يمنحها نفسه اليوم. المشكلة هي أنَّ مُعظم الناس يستخدمُون هذه المَعرفة كاختصار لحياتهم أو وصفة طبية يومية لأنفسهم.

إنهم يَتَجاهلُون فرديتهم الخاصّة، وتجرِبتهم الشّخصية العميقة. كقاعدة، إذا قمت بتطبيق نوع من المعرفة في حياتك الخاصة دون فهم أنماط التفكير الأعمق التي أدَّت إلى إنشاء تلك المعرفة، فأنت لا تعيشُ حياتك الخاصة.

وقد تنفعُك هنا وهناك، ولكن عاجلاً أم آجلاً، ستصطدِمُ بجدار، ولن يتمكَّن أحد من إنقاذِك سوى قدرتك على حلّ هذه المشكلة باستخدام أنماطِ التفكير الشّخصية الخاصّة بك.

لم يكن لدي مرشد قطّ كما ينصحُ الخُبراء الغربيين. لا أستطيع حتى أن أقول أنّه كان لدي معلّم رسمي علّمني أيّ شيء مفيد في حياتي العملية. في السّنوات القليلة الماضية، أرجعتُ الكثير من ذلك إلى حقيقة أنني ربما كنت متعجرفًا جدًا في سنوات التكوين الخاصة بي كأي شاب طمُوح، للاستماعِ إلى القوم الأكبر سناً والأكثر حكمة في حياتي، وذوي الخبرة والمعرفة، كنت أفكر خطأً أنه ليس لديّ شيء لأتعلّمه من نصائِحِهم، وبذلك مضيتُ في حياتي وسطّرت لنفسي قواعد بتجاربي الخاصّة.

وسأضربُ لذلك مثالاً، كان تعلُمي للبرمجة وإنشاء موقعي الخاص، بسببِ كلمات جانبية دخلت صدفة في موضوع مع صديق مبدع أيام الجامعة، فوقعت في قلبي، ونسيها هو وذكرتها أنا في ذلك اليوم فهممت بتجسيدها حتى حققت هدفي وبعد أعوام ذكّرته بالقصة.

وكذلك، كان دخولي للتعاملات والتَّحويلات البَنكية، عبارة عن كلمة وقعت في أذني من صديق كان يشرح لآخر كيف قام بالتحويل، ومباشرة لم أساله أكثر، وإنّما توجهت للبحث أكثر ولكن بطريقتي، فقد كنت بحاجة إلى هذا الأمر جدًّا في مشاريعي.

وكذلك، إصدارُ كتابي الأول “كيف يعمل القرآن؟”، لم يكن لدي شيخ أعود إليه في كتابتي، بل قرأت أكثر من 100 كتاب في عام واحد، وكنت أبحث عن أسئلةٍ تتبادرُ إلى ذهني كثيرًا ولكن لم أقتنع بكلّ الطروحات الموجودة، والحمد لله خرجت بخلاصة جسدتها في الكتاب، ثم عرضته أخيرًا على أهل الاختصاص للتدقيق في محتوى وقد كان جيدًا جدًا بشهاداتهم.

ربما كنتُ مخطئا في عدم الاعتماد على نصائح الآخرين كثيرًا في ذلك الوقت، ولكنّي اكتشفتُ تقريبًا أن كلّ شخص لديه نوع من الحِكمة الخاصّة به والتي يفتقدُها شخصٌ آخر. أعتقد ذلك بشكلٍ عام.

ببساطة إذا لم تبحث وتفكّر بنفسك فأنت لا تتعلم. أنت تقلّد فقط.

بطبيعة الحال، قد تتفاعلُ العديدُ من نماذجنا الشّخصية وتتقاطع، ممّا يعني بوضوحٍ أنّ هناك حِكمة مشتركة يمكن أن تعمَلَ بالنّسبة لي إلى حدٍّ كبير بنفس الطريقة تمامًا كما حدثت مع شخص آخر.

ولكن، في حين أنّ النموذج العام للنصيحة أو المعرفة قد يُصبح ذا صلةٍ بحياتي كما قد يكون ذا صلةٍ بحياة شخص آخر، إلا أنّ إيقاع حياتي وابتلاءاتِه يختلفُ عن حياة أي شخص آخر. لذا، فإنَّ أنماط تفكيري واكتشافاتي هي التي ستغلق هذه الفَجوة.

بشكل جماعي، نحن نعرف الكثير بالفعل، ولدينا نظامٌ جيّد لمساعدتنا على معرفة المزيد. ولكن بشكلٍ فردي، ككائنات منفصلة، لا يزال أمامنا طريق طويلٌ لنقطعه، وفقط “معرفة” الأشياء من خلالِ الاستهلاك الصّامت والتكييف الأعمَى لا يكفي. علينا أيضًا أن نفكّر بها – لفهمها وتكييفها في أنماطِ لغتنا الخاصة، وفهمِها كما لو اكتشفناهًا نحن بأنفُسنا.

ربما لم يكن لدي أيّ مرشدين شخصيين، لكنني كنت دائمًا أفكّر في الكتب على أنها هي مرشديّ. لا توجد علاقة هرمية متصوّرة بيني وبين كتابٍ ما، كما أنني لست مرتبطًا بصوت المؤلف، أو أنّي أعتبر نفسي تابعاً له. هذه الحقيقة البَسيطة تسمحُ لي باختيار ما أريده، متجاهلاً ما لا أريده.