شغلت الصين منذ مطلع العام الجاري الحيّز الأكبر من الأخبار المتداولة في العالم؛ فمن ممارستها لانتهاكات جماعية وممنهجة لحقوق الإنسان ضد أقلية الإيغور المسلمة، إلى كونها بؤرة انتشار فيروس كورونا المستجد، الذي أودى بحياة الآلاف من الأشخاص حول العالم، وعطّل الحركة الاقتصادية وأخضع سكان العالم بأسره للحجر الصحي المنزلي.

هكذا، ولهذه الأسباب السياسية، الاقتصادية، الإنسانية والصحية تعالت بعض الأصوات المطالبة بمقاطعة السّلع الصينية. فهل هذا الأمر ممكن حقًّا؟ وهل قرار المقاطعة سياسي أم شخصي؟ ما درجة الصعوبة التي سنعانيها إذا تخلينا عن الصين؟ وكيف يمكن للصين أن تؤثر بحياتنا، هل نحن بحاجة إليها أم أننا نستطيع العيش بدونها إلى الأبد؟ وكيف يمكن لعاداتنا الشرائية العادية أن تؤثر على الاقتصاد الصيني الضخم؟

الكاتبة الصحفية الأمريكية سارة بونجورني طرحت هذه الأسئلة- قبل سنوات طويلة- وقررت اكتشاف الأجوبة بنفسها، من خلال قيامها بمقاطعة المنتجات الصينية لمدة عام كامل؛ وهي “تجربة موضوعية عن العولمة” كما وصفتها سارة في كتابها “365 يوم دون صنع في الصين” والذي سنحدثكم عنه اليوم في هذا المقال.

“لن تتسوق أبدًا كما كنت تتسوق سابقًا. من المستحيل أن تقرأ كتاب سارة بونجورني ولا تأسرك تعقيدات وتحديات مهمتها ثم تجرب عيشها بنفسك ليوم واحد وتفشل فشلًا ذريعًا بحلول وقت الغداء، هذا هو الكتاب النادر الذي يجعلك تفكر في مدى تأثير القضايا العالمية فعليًا على منزلك وسوف يجعلك تناقش هذه القضايا مع أصدقائك”

سارة بونجورني في مواجهة المارد الصيني

كتاب 365 يوما دون صنع في الصين

“لا شيءَ صيني لمدة سنةٍ واحدة؛ لمعرفة هل يمكن القيام بذلك، يمكن أن يكون هذا قرارنا في السنة الجديدة.. لا أستطيع الانتظار لبدء الأمر، فأنت لا تقرر كل يوم أن تخوض معركةً ضد القوة العظمى الثانية في العالم”

قررت سارة بونجورني مقاطعة المنتجات الصينية سنة كاملة اعتبارًا من الأول من يناير عام 2005. وقد بدت المقاطعة بالنسبة لها أمرًا يسيرًا؛ فكل ما عليها فعله هو الاحتفاظ بالأشياء الصينية التي تملكها، التوقف عن جلب المزيد منها، تفحَّص الملصقات، تجنب المنتجات الصينية والبحث عن بديل صُنع في دولة أخرى.

كانت سارة متحمسة لمشاركة قرارها وخطتها مع عائلتها وأصدقائها، واستطاعت خلال الأيام القليلة التالية إثارة موضوع المقاطعة في كل مكانٍ ذهبت إليه تقريبًا؛ للتفاخر أولًا ولإقناعهم والحصول على مساندتهم ثانيًا. ولكنها لم تتمكن من الحصول على موافقة الجميع؛ خاصة أصحاب المحلات التجارية الذين لم يفهموا أو يتقبلوا سبب إرجاعها الدائم لمنتجاتهم، أمّا بالنسية للأشخاص المقربين منها فقد كان الأمر شاقًا عليهم أيضًا خاصة في فترة الأعياد، لأنهم لم يعرفوا نوع الهدايا التي عليهم جلبها.

هذه المواقف المُحرجة والمُقلقة جعلت سارة بونجورني تكتشف بأنّ قرار مقاطعة السّلع الصينية أصعب وأعمق مما تخيلت، ففي الواقع يبدو بأنه لا يوجد رفٌّ في متجرٍ في مأمن من قبضة الصين!

الصين تسيطر على العالم

تُنتج الصين كل شيء يمكنك التفكير فيه؛ وتستحوذ على القطاع الصناعي في الولايات المتحدة الأمريكية أو ربما في العالم كله. فهي أكبر مُنتِج في العالم للأجهزة الإلكترونية وأجهزة التلفزيون ومُشغلات الأقراص الرقمية والهواتف الخلوية، والأدوات المنزلية والمكتبية والأحذية والملابس والاكسسوارات، قطع البلاستيك والمصابيح والمعدات الرياضية. كما تُصّنع ما يقرب من 95% من جميع ألعاب الفيديو  و100% من ألعاب الأطفال كالدُّمى والحيوانات المحشوَّة و الشاحنات والدراجات ومجسمات الأبطال الخارقين وغيرها، وهي المسؤولة عن الزينة لكل أعيادنا الشخصية والوطنية والدينية.

كتاب

وبالإضافة إلى المنتجات الصينية التي تحتل أرفُف المتاجر الصغيرة والكبيرة في كل مكان؛ هناك أيضًا ما يعرف بالسّلع المُختلطة وهي السّلع التي تحتوي على مكوّنات أساسية مصنوعة في الصين ولكنها مُجمعة في مكان آخر. ببساطة، لا يمكننا أبدًا تجنب الصين أو التخلص منها لأنها تصنع كل شيء.

لقد أقلقت هذه الحقيقة سارة بونجورني ودفعتها للتساؤل إلى أين سيتوجه الصينييون بعد ذلك؛ إلى إنتاج السيارات؟ تصنيع الطائرات؟ ما الذي سيتركونه لبقيتنا؟ ماذا لو استقيظنا في صباح أحد الأيام بخزانة مليئة بملابس ذات علامات تجارية صينية شهيرة ورخيصة و100 زوج من الأحذية الصينية ولكن دون عمل، ولا مستقبل، ولا آفاق مستقبلية؟

ما الذي يجعل الصين ماردًا اقتصاديًا عملاقًا ؟

“الأساس الكامل للاقتصاد الأمريكي هو أشخاص يشترون حفنةً من الأشياء، والصين سهلت ذلك بالنسبة إليهم بجعلها أرخص؛ فالناس يشترون بِنهمٍ كل شيءٍ تصنعه الصين”

إنّ صورة الصين كماردٍ اقتصاديٍّ ضخم يُحكم قبصته على العالم حقيقة لايمكن إنكارها؛ فهي بلد كبير جغرافيًا، ديموغرافيًا، سياسيًا، عسكريًا واقتصاديًا. وقد أدَّى تدفُّق الاستثمارات الأجنبية إلى البلاد في فترة التسعينيات إلى موجة نموٍّ هائلة في الاقتصاد، وبحلول نهاية عام 2006 كانت الصين تمتلك واحدًا من أكبر خمسة اقتصاداتٍ في العالم.

صنع في الصين

وبفضل تدني الأجور، التلاعُب بسعر العُملة، المساعدات الحكومية وامتلاك المصانع موادًا أوليةً أقلَّ تكلفة و يدًا عاملة رخيصة (50 ألف عامل سريع ونشيط) استولت القوة الماحقة للتصنيع الصيني على أسواق السلع التي كانت تُصنَع سابقًا في الولايات المتحدة، وفي البلدان الأخرى أيضًا. حيث أصبح  استخدام الأجزاء الصينية هو السبيل الوحيد أمام الشركات الصناعية المختلفة حتى تستطيع تقليل التكاليف والاستمرار في العمل، وربما من دون قليل من العناصر الصينية هنا وهناك ستُفلس الشركات تمامًا، أو تنتقل إلى الصين وتقيم مشاريعها التجارية هناك، مثلما يفعل الآخرون جميعًا.

لقد خَلق الاقتصاد الصيني الجامح حالةً من عدم اليقين والخوف، بل خَلق حالةً من الغضب بشأن المنافسة غير العادلة. وأصبح أيضًا قضيةً سياسيةً كبرى؛ نظرًا لتسببه في انتقال وظائف قطاع التصنيع التي كانت تهيمن عليها الطبقة الوسطى إلى الخارج، إفلاس الشركات، تخفيض العمالة وفقدان نحو مليونَي أمريكيٍّ وظائفهم في مختلف القطاعات. ومع ذلك يواصل العجز التجاري بين الصين والولايات المتحدة بلوغ مستوياتٍ قياسية؛ فقد قفز بنسبة 25% وأصبح 201,6 مليار دولار في عام 2005، إذ شحنت الصين ما يُقدر بـ 290 مليار دولار من جميع أنواع السلع إلى الولايات المتحدة في عام 2006 أي أنّ أكثر من 11% من إنتاج الصين يصل إلى الولايات المتحدة.

توضح هذه التقارير والبيانات الاقتصادية- التي أوردتها سارة بونجورني في كتابها- سبب احتلال الصين لمكانتها كأكبر مُنتِج في العالم للسلع الاستهلاكية؛ وخياراتنا كمستهلكين هي التي حددت لها هذه المكانة، فالمستهلك الأمريكي لا يستطيع مقاومة ما تبيعه الصين لأنه رخيص للغاية، ولكن في يومٍ من الأيام -كما ورد على لسان أحد أصدقاء سارة- سوف تملُّ الصين من بيع الأشياء بسعرٍ زهيد، وحينها ستنهار الولايات المتحدة لأنها نقلت جميع مصانعها هناك.

وإلى ذلك الحين؛ فكّرت سارة بأنّ مقاطعتها للمنتجات الصينية لن تنقذ العالم من قبضة المارد الصيني العملاق، ولكنها قد تنقذ عددًا قليلًا من الوظائف الأمريكية.

أثر الصين العميق في حياتنا!

في نهاية الطريق- وهو عنوان الفصل الأخير من الكتاب- اعترفت سارة بونجورني؛ بأنّ العيش في عالم لا تتوفر فيه السّلع الصينية أمرٌ صعبٌ وشاقٌ جدًا. فالبديل مُكلّف ونادر، والخيارات قليلة ومحدودة وغير متنوعة. وهذا ما جعل عملية الشراء صعبة ومُرهقة، تتطلب الكثير من المكالمات الهاتفية والرسائل الإلكترونية لاكتشاف بلد المنشأ، وإضاعة الكثير من الوقت والمال على نتائج غير مرضية.

وأضافت؛ بأنّ المقاطعة لم تكن مثالية فقد تمكنت من اجتيازها بالحظ فقط، من خلال العثور على حلول مؤقتة وكسر القواعد والالتفاف حولها -كأن تطلب من أصدقائها وعائلتها أن يقدموا لها هدايا صينية لأن الهدايا معفاة من المقاطعة- لقد أدركت بأنه لا يمكنها العيش هكذا طوال حياتها، وبأنّ التخلي عن شيء أساسي في الحياة الحديثة كالمنتجات الصينية للأبد هو أمرٌ غير عملي. في الوقت نفسه، ساعدتها المقاطعة على ضبط سلوكها الاستهلاكي وجعلتها تتوقف وتفكر قبل أن تملأ عربة التسوق بالأشياء الصغيرة التي لا تحتاجها.

لقد كانت مقاطعة سارة بونجورني للمنتجات الصينية انفصالًا تجريبيًا؛ لم يكن الهدف منه الفوز على الصين، بل كان كما قالت “محاولة تحديد مكاننا في العالم، ومكان الصين في عالمنا”.

كتاب 365 يوما بدون صنع في الصين