غطرسو وسائل التواصل الاجتماعي
1

“من وسائل الإنترنت لتشويه نظرتنا وصورتنا إلى أنفسنا عن طريق تغذية النزعة البشرية إلى المبالغة في تقدير معرفتنا بآلية عمل العالم”

مايكل باتريك لينش – أستاذ علم الفلسفة في جامعة كونيتيكت.

“كل ليبرالي يحب سقراط، سقراط الذي علم الكثير من الناس طريقة الاستفسار المتشكك، وأهمية التواضع الفكري، ومراعاة الفرق بين ما تعرفه وما تعتقد أنك تعرفه”

كما وصف جوناثان راوخ في كتابه Kindly Inquisitors المنشور في عام 1991.

ولكن في عصر وسائل التواصل الاجتماعي، هل سقراط الذي مات وهو يقول: “لا أعلم شيئًا سوى حقيقة جهلي!” ما زال هو المثل الليبرالي المحتذى به حول العالم؟ أم النظام البيئي للإنترنت دمر هذا التواضع الفكري الذي انتهجه العالم منذ قول سقراط لمبادئه؟

في عالم وسائل التواصل الاجتماعي الذي جعلنا نثق في معرفتنا وقدراتنا وآرائنا بشكل أكبر من أي وقت مضى، حيث أثبت علماء النفس الاجتماعي أن الالتزام العلني بالرأي يجعلنا أقل رغبة في تغيير هذا الرأي، وهو ما نفعله يوميًا في منشوراتنا على وسائل التواصل الاجتماعي التي نتبنى فيها آراء ونجهر بها لكل من يعلمنا دون أن نعي ماذا نقول، وننحدر شيئًا فشيئًا إلى الغطرسة المعرفية، الغطرسة بكل ما يخص حياتنا.

عندما تحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى منصة شر!

هل يجب أن نستخدم وسائل التواصل الاجتماعي بتواضع أكبر مع الأيام؟ هل يمكن أن يقتل التواصل الاجتماعي تواضعنا الفكري؟

الغرور في غرف الصدى

غطرسة التواصل الاجتماعي التواصل الاجتماعي التواضع الفكري

غرف الصدى في مجال وسائل التواصل الاجتماعي الإخبارية، هي عبارة عن وصف مجازي للحالة التي يتم فيها تضخيم المعتقدات والآراء، حيث يقوم الأشخاص بالبحث عن المعلومات التي تعزز وجهات نظرهم الحالية، والتي تعد تصرفًا غير واعٍ يقوم به الأشخاص للتحيز بشكل كامل لأفكارهم، وتزيد غرف الصدى من التطرف والاستقطاب السياسي والاجتماعي، المصطلح مبني على استعارة من غرف الصدى الصوتية، حيث تتردد أصداء الأصوات في غرفة أو حاوية مجوفة.

في عصر البيانات الضخمة، الإنترنت المتاح للجميع، المعلومات التي تدور في هذه الفضاء كما يحلو لها، بدون أي تركيز أو فهم لسياق هذه المعلومات وكيف وردت في أصلها، تبرز أكبر مخاوف الفلاسفة والعلماء من هذا التدفق الهائل للمعلومات بين الأفراد.

“من وسائل الإنترنت لتشويه نظرتنا وصورتنا إلى أنفسنا عن طريق تغذية النزعة البشرية إلى المبالغة في تقدير معرفتنا بآلية عمل العالم”، مايكل باتريك لينش في جامعة كونيتيكت يرى أن هذا الإنترنت الخاص بنا يعمل كآلية معززة لأفكارنا، حيث نحصل على جميع المعلومات التي نكون متحيزين بالفعل لتصديقها قبل أن نقرأها حتى، بعد اقتناعنا بهذه الأفكار والمعلومات التي تؤكد وجهات نظرنا، يميل الإنسان بطبيعته إلى اعتبار تلك المعلومات الأخرى الموجودة في عوالم أخرى على ما يبدو والتي تخالف وجهات نظرنا وأفكارنا، ما هي إلا معلومات خاطئة لا تمت للواقع بصلة، فأولًا وأخيرًا نحن نعلم كل شيء، الإنترنت يخبرنا بكل شيء ونحن نصدقه بطبيعة الحال.

بعبارة أخرى، يشجع الإنترنت الغطرسة المعرفية بأوضح صورها، أنا أعلم أشياء وأفهم هذه المعلومات أكثر منك بطبيعة الحال وأنت كذلك وهكذا دواليك في حلقة مفرغة تمامًا.

هذه الخوارزميات التي تحيط حياتنا بشكل كامل، بدءًا من خوارزميات محرك غوغل الذكية إلى خوارزميات وسائل التواصل الاجتماعي التي تضاهيها ذكاء، تدفع الإنسان بشكل كامل إلى ما يعرف بغرف الصدى، حيث من خلال هذه الخوارزميات نرى فقط المنشورات التي تتوافق مع وجهة نظرنا ونتائج البحث كذلك التي تُسخّف من وجهات النظر الأخرى وتعتبرها خاطئة، ومع اختيارنا لمتابعة هؤلاء الأشخاص الذين نعتبر معلوماتهم صحيحة دومًا، نفقد القدرة تدريجيًا على التقييم الذاتي لأنفسنا وآرائنا، ونبدأ في تصديق أنفسنا وأفكارنا بشكل أكبر، ندخل في قوقعة نكون فيها على دراية بكل ما يجري حولنا بشكل دقيق وأكثر من غيرنا ونضخم من أنفسنا أكبر من الواقع بكثير، ولا نستطيع الخروج من هذه القوقعة بسهولة.

هل يمكننا تغيير واقع وسائل التواصل الاجتماعي حتى تتحول إلى مساحة كبيرة للنظر في وجهات النظر المختلفة، النقاش المحترم، الاكتشاف غير المحدود، التبادل الحر للأفكار، عوضًا عن الغطرسة والقبلية المعرفية المنتشرة حولنا كالنار؟

 عواقب الالتزام العام

هذه الفقاعات التي نعيش بداخلها مع آليات التعزيز التي نحصل عليها من وسائل التواصل الاجتماعي لأفكارنا والتي اتفقنا أنها تقتل التواضع الفكري، ليست وحدها المسؤولة عن هذه الغطرسة وعدم تواضعنا، بل يمتد الأمر ليشمل آراءنا وأفكارنا السابقة المنشورة، سجلاتنا الرقمية القديمة المحفوظة بشكل أو بآخر والتي تمنعنا من التقدم للأمام قليلًا.

في دراسة قام بها علماء النفس الاجتماعي، لخصها روبرت سيالديني في كتابه عن التسويق، قام باحثان بإعداد ثلاث مجموعات من الطلاب، وتم عرض عدة سطور على هؤلاء المجموعات على أن يقدر هؤلاء الطلاب في المجموعات الثلاث طول السطور.

طُلب من المجموعة الأولى كتابة تقديراتهم على ورقة وتسليمها للباحث، في حين طلب من المجموعة الثانية كتابة تقديراتهم على لوح ومن ثم القيام بمسح إجاباتهم قبل أن يراها أي شخص آخر، أما المجموعة الأخيرة فلم يطلب منهم كتابة تقديراتهم بأي شكل وإنما مجرد تذكرها بينهم وبين أنفسهم.

لاحقًا قام الباحثان بعرض مجموعة من الحقائق على المجموعات الثلاثة تشير بشكل واضح إلى أن تقديراتهم وإجاباتهم الأصلية كانت غير صحيحة وغير دقيقة.

حسنًا، ما الذي حصل؟ طلاب المجموعة الأخيرة الذين لم يكتبوا إجاباتهم على الإطلاق كانوا أقل ولاءً لاختياراتهم الأصلية وغيروها بشكل كبير مع الأدلة الجديدة، بينما طلاب المجموعة الأولى والذين كتبوا إجاباتهم وسلموها رفضوا بشكل قاطع تغيير إجاباتهم وشككوا في الأدلة الجديدة واعتبروا تقديرهم الأصلي هو الصحيح والباقي تضليل فقط، وطلاب المجموعة الثانية انقسموا ما بين الاثنين.

“الالتزام العلني بالإجابة -الأفكار- يجعل الناس أقل تقبلًا للمعلومات التي تشير إلى كونهم على خطأ” حسب تلخيص صاحب الكتاب، حيث يجعل الالتزام الإنسان أكثر صلابةً وتمسكًا بأفكاره من غيره المحتفظين بأفكارهم لأنفسهم في معظم الأحيان.

وبفضل وسائل التواصل الاجتماعي والإدمان عليها، نكتب كل ما يدور بخاطرنا على هذه الوسائل، مما يجعلنا نلتزم بآرائنا علنًا أمام الكثير من الأصدقاء والمعارف، ونفرض على أنفسنا الكثير من التمسك بهذه الآراء حتى لو كانت خاطئة، فيومياتنا التي ننشرها بشكل مكثف مخلوطة بأفكارنا عن الدين والسياسة والأخبار وكل ما يدور حولنا، تجعلنا أصنام نقدس هذه الأفكار مهما كانت.

مؤخرًا، كان هناك بعض القلق من مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي عن تأثير ما يكتبوه على صفحاتهم على حياتهم العملية والمهنية، فمن ينشر فيديوهات مضحكة بشكل مستمر على سبيل المثال، لن يُقبل في وظيفة تتطلب الجد الكامل، وخاصة أن معظم الشركات اليوم تقوم بتفحص حسابات المتقدمين إلى الوظائف على وسائل التواصل الاجتماعي لمعرفة ما يقومون به في أوقات فراغهم وغيرها. لكن هذه الموجة من القلق لم تصل على ما يبدو لأهمية هذه المنشورات التي ننشرها على طريقة عمل دماغنا وطريقة التفكير التي نتبعها، عندما نلزم أنفسنا بآراء علانيةً على صفحاتنا الشخصية، نكون قد أبعدنا أنفسنا عن المعلومات المستقبلية التي قد نحصل عليها عن نفس الموضوع التي كانت ستغير عقولنا لو لم نلتزم سابقًا ببعض الأفكار، طريقة فعالة لقتل التواضع الفكري كما ذكرنا سابقًا وفعالة أكثر للتمسك بقوقعتنا وعدم الخروج منها بأي طريقة.

نوعية الحوار

غطرسة وسائل التواصل الاجتماعي التواصل الاجتماعي التواضع الفكري

حتى إن كان بعض الناس منفتحين على تغيير آرائهم، فمن غير المحتمل أن يصادفوا نوع المحتوى الذي سيثير لديهم الفضول للتعرف على الآراء المختلفة، لن يظهر لديهم المحتوى الذي يدفعهم للنمو خارج قوقعتهم.

عمليات المشاركة، الريتويت، الإعجابات والتعليقات، كلها تغير من منظومة المنشورات التي ستصادفك عشوائيًا على وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تعتمد معظم المنشورات التي ستصادفك في الغالب على “الميمز” التي حصلت على أكبر قدر من السخرية، بعض الفيديوهات المضحكة، وبعض المنشورات التي تجد فيها كمًّا كبيرًا من الشتائم وغيرها من الانتقادات، كونها تحصل على أكبر قدر من التفاعل بين المستخدمين، بينما من النادر أن تجد مقالًا علميًا أو منشورًا يصيغ الحقائق ويفتح الأبواب أمام عقلك للتطور يظهر لوحده خلال تنقلك في وسائل التواصل الاجتماعي.

قام عالم السياسة في جامعة كاليفورنيا، ديفيد بروكمان مع زملائه، بتجربة تقوم على تغيير أفكار بعض الأشخاص على وسائل التواصل الاجتماعي، تقوم التجربة على مبدأ الاقتناع العميق، حيث يقوم الباحثون بمحادثة الأشخاص بمحادثات شخصية لمدة عشر دقائق وبدون إطلاق أي أحكام على أي فريق أو فكر سياسي خلال المحادثة، وهذا عكس ما نراه على منشورات وسائل التواصل الاجتماعي التي تتميز بأنها مختصرة، تستهزئ بالأطراف المقابلة. ومن خلال استطلاع سابق تبين أن المحادثات الطويلة التي تعتمد على البناء رويدًا رويدًا تنجح بتغيير أفكار الناس وجعلهم يقتنعون بشكل أفضل.

“تظهر البحوث الجديدة أنه إذا كنت تريد تغيير رأي شخص ما، فأنت بحاجة إلى الصبر معه، عليك أن تطلب منه التفكير في حياته، واستمع إليه”

وبعبارة أخرى، فإن الحوار الذي يمتلك الفرصة في تغيير قناعات الناس وعقولهم وأفكارهم، هدم غطرستهم المعرفية، إجبارهم على مواجهة حدود معرفتهم والخروج من قوقعتهم والنظر خارج حدود عالمهم الخاص، هو الحوار غير المطلق للأحكام، طويل الأمد، المعتمد على تجارب شخصية وغيرها من الأمور، أي الحوار الذي لا يتواجد بأي شكل على وسائل التواصل الاجتماعي تقريبًا. أي ما نملكه من حوارات على وسائل التواصل الاجتماعي هو عكس الحوار المطلوب في محاولتنا لدفع الناس خارج المألوف في تفكيرهم.

السؤال المطروح والمهم: هل نستطيع تطبيق هذه النوعية من الحوارات العميقة قليلًا على وسائل التواصل الاجتماعي؟ هل يمكن تغيير نوعية النقاشات الموجودة على وسائل التواصل والمنتشرة بكثرة إلى نوعية أكثر جودة، أكثر قابلية لتبادل الآراء، عوضًا عن الغطرسة الفكرية والمعرفية المنتشرة والتي يمتلك فيها الشخص كامل المعلومات التي تتعلق بكل شيء في العالم؟

 استخدام وسائل التواصل الاجتماعي بتواضع

في مقابلتها الأخيرة، تشرح إيميلي تشاملي رايت، أستاذة علم الاقتصاد وعميدة كلية جامعة واشنطن سابقًا، ورئيسة معهد الدراسات الإنسانية، عن الأخلاق المنطقية، عن التواضع الفكري وكونه المبدأ الأساسي للمحادثة الجيدة:

“فكر في المحادثة الأخيرة التي أجريتها وكنت تعتقد أنها محادثة رائعة. فمن المحتمل أن تكون هي المحادثة التي جعلتك تشعر بالذكاء، المحادثة التي تشعر من خلالها أنك اكتشفت شيئًا جديدًا، أعطتك فضولًا عميقًا تجاه شيء آخر”

“العالم مكان معقد بشكل هائل، ولا أحد منا يمتلك نظرة كاملة على الحقيقة، يمكننا فقط رؤية العالم من وجهة نظر معينة. وهذا يعني أن معرفتنا ستكون لها رؤية خاصة بسبب وجهة نظرنا، وستكون أيضًا محدودة بسبب وجهة نظرنا كذلك. وبسبب هذه المعرفة المحدودة التي نحصل عليها من العالم يجب علينا الدخول بأي محادثة بإحساس عميق بالتواضع، لأنني أحتاجك لمساعدتي في سد فجوات معرفتي، وأنت تحتاجني كذلك”

تقدم وسائل التواصل الاجتماعي إمكانيات لا محدودة لإجراء محادثات جيدة وتعليمية بين الغرباء في جميع أنحاء العالم، الكثير من المنشورات التي تغير نظرتك حول الكثير من الأمور التي تعتنقها بدون أي فهم لوجهة النظر الأخرى، في حال أخذنا بعين الاعتبار أن لقاء أي شخص على وسائل التواصل الاجتماعي هو فرصة كاملة لملء فجواتنا المعرفية، التعرف على الأفكار المضادة، وسيلة لنمونا العقلي والشخصي عوضًا عن الحفاظ على القوقعة التي لا تسمن ولا تغني من جوع، يمكن عندها أن تُحول صفحاتنا على هذه الوسائل المختلفة صالونات مي زيادة بنكهة عصرية تدفعنا للأمام ولتغيير أنفسنا نحو الأفضل بدلًا من النزول المستمرين فيه نحو القبلية المعرفية.

هل تعلم:
بإمكانك استخدام الواتساب على جهاز الكمبيوتر عن طريق برنامج واتساب ويب WhatsApp Web أو من خلال موقع واتساب ويب، اقرأ المقال التالي لتتعلم كيف تقوم بمسح الكود QR الخاص بـ واتساب ويب للحصول على المصادقة لواتساب ويب على الكمبيوتر.

1

شاركنا رأيك حول "كيف تغير وسائل التواصل الاجتماعي من تواضعنا الفكري وتزيل غطرستنا الفكرية؟!"