الجمالية السيوسيولوجية
0

تحدثنا عالمة الاجتماع المعاصرة ناتالي اينيك حول سيسولوجيا الفن (علم اجتماع الفن)، كنظرة مختلفة حول علاقة الفن بالمجتمع، مسلطة الضوء على محطات هامة لمفكرين وعلماء اجتماع درسوا الوظيفة الاجتماعية للفن.

نوربيرت الياس والمصدر الاجتماعي للفن

سوسيولوجيا الفن
يتحدث عالم الاجتماع (نوربيرت الياس) عن وجهة نظره حول تطور فن العمارة القوطية، مبيناً أن ذلك التطور لم يحدث بفعل عامل التقوى الديني الذي قد يبدو للبعض الذي دفع لزيادة علّو الكنائس وارتفاع قبب أجراسها، بل إن هذا الارتفاع حدث بفعل تنافس المدن التي كانت تحرص على إظهار قوتها عن طريق إتاحة رؤية كنائسها من مسافات بعيدة.

وقد أدى هذا إلى تحول مؤسس في سوسيولوجيا الفن إذ استُبدلت التفسيرات والتأويلات الروحانية والجمالية التقليدية المنطلقة من الشعور الديني، بتفسيرات جديدة مستمدة من مصالح مادية ودنيوية، فالفن لم يعد ينتمي إلى الجمالية فقط؛ ولم يعد مثالياً، وإنما أصبح الفن مرتبطاً بالمصدر الاجتماعي بمعنى أنه يستند إلى العلاقات المتبادلة بين مجموعات.

مسرح البولشوي.. أيقونة الثقافة والفن في روسيا

شارل لالو وعلاقة الفن بالحياة

يذهب المفكر شارل لالو إلى وضع أسس جمالية سوسيولوجية مميزاً في الوعي الجمالي بين الوقائع غير الجمالية (كموضوع العمل الفني) والوقائع الجمالية (خصائص العمل الفني) ونجده يقول: “نحن لا نعجب بلوحة فينوس للفنان ميلو لأنها لوحة جميلة، بل هي لوحة جميلة لأننا نعجب بها”، وهذا يعطي الأهمية للعلاقة المتبادلة بين الفنان والمجتمع فالفن ليس هو الواقع، وإنما هو حصيلة التقاء الفنان المبدع بالواقع وتفاعله معه.

وعليه فقد تكشفت أمام شارل لالو خمسة أوجه لعلاقة الفن بالحياة وهي تعطي كل منها وظيفة مختلفة للفن:

  1. الوظيفة التكنيكية: أي ممارسة الفن لذاته دون أن يرتبط بأية غاية أخلاقية أو عاطفية أو دينية أو سياسية (الفن لأجل الفن).
  2. الوظيفة الترفيهية: هنا يبدو الفن كترف كمالي ينسينا مشاغل الحياة وهمومها.
  3. الوظيفة المثالية: وتكون مهمة الفنان حسب هذا الموقف الأفلاطوني محاولة لتجميل الواقع أو محاكاة المثل الأعلى.
  4. الوظيفة التطهيرية: وظيفة الفن في هذه الحالة هي في تطهير انفعالاتنا وتحريرنا من الألم.
  5. الوظيفة التسجيلية: وتكون مهمة الفن في تسجيل ظروف الحياة بهدف العمل على استبقائها والاحتفاظ بصورها.
    هذا الانقلاب الذي يحدثه لالو يشبه الانقلاب الذي أحدثه مارسيل موس بنظريته حول السحر إذ جعل فاعلية العمل السحري، هي نتيجة إيمان السكان المحليين واعتقادهم بالقدرات الخارقة للساحر.

الماركسية و سوسيولوجيا الفن

أسس لهذه النظرة أتباع الماركسية من أمثال المفكر الروسي بليخانوف الذي جعل من الفن عنصراً تحدده البنية الاقتصادية والمادية للمجتمع.

وتابع بعده الهنغاري جورج لوكاتش مقدماً نظرة أكثر مرونة وأقل آلية، تعتبر أن نمط العيش في عصر ما هو الذي يحدد طبيعة الفن فيه، فالفن في جزءٍ منه هو انعكاس لطبيعة العلاقة بين المجتمع والعمل.

مدرسة فرانكفورت

بحث فلاسفة هذه المدرسة في علاقة الفن بالحياة الاجتماعية، مشددين على تبعية الفن لعوامل خارجة عنه، إذ يرى تيودور أدرنو أن الفن والمجتمع يقفان معاً في مواجهة الغوغائية.

بيار فرنكاستل وتاريخ الفن

يحلل فرنكاستل الأساليب المتبعة في الفن، وتحديداً في الرسم والنحت ويدرس تأثيرها لتحديد الصلة التي تربطها بمجتمع عصرها، فهو يبين على سبيل المثال أن بناء الفضاء التشكيلي للوحات عصر النهضة أسهمت في بناء العلاقة مع المجتمع، فالفن هو مبدع للرؤى المعاصرة له، وليس مجرد انعكاس لظروف انتاجه.

كل ما سبق يؤكد أن العمل الفني بجانب كبير منه يرتبط بالظرف الاجتماعي والثقافي والفكري والأيديولوجي للبيئة التي يتكون فيها، وهذا يعني أنه لا يمكن الحديث عن قيمة جمالية مطلقة دون التطرق للعصر والمجتمع الذي أنتحت فيه.

هنا يمكننا الإشارة إلى أهمية سوسيولوجيا الفن بوصفه مبحثاً يقدم نظرة مغايرة في التذوق الفني وفي فهم الأعمال الفنية بالانطلاق من تفسير العلاقة بين الفن والمجتمع في علاقة ديناميكية تحول المجتمع إلى مادة خام يستخدمها الفنان في أعماله الفنية سواء إيجابياً أم سلبياً، وهذا يشير بوضوح تام إلى أن إمكانية التخلص الكامل من مكونات البيئة المجتمعية التي نعيش فيها تبدو صعبة أثناء بناء معارفنا، وأثناء تقديم عمل فني ما.

ومع ذلك يسعى الكثير من الفنانين إلى الحصول على درجة من الوعي الفكري عبر توسيع معارفهم، كي يكتسبوا صفة الموضوعية التي لا ترتبط ببيئة مجتمعية ما تربوا فيها، أو بظروف اجتماعية عاشوا ضمنها، هذه الموضوعية قد تعطي القدرة لدى الجادين كي يبتعدوا عن الأحكام المطلقة تجاه الأشياء وعن تصنيف الأمور وفقاً لأهواء ورغبات ذاتية بحتة.

 الحُبّ من منظور صنّاع الفن المنثور: هل يتوافق مع الواقع؟

مراجع:

ناتالي اينيك، ترجمة حسين جواد قبيسي، المنظمة العربية للترجمة.

الفن والحياة الاجتماعية، شارل لالو، ترجمة عادل العوا، دار الأنوار، 1966م.

0

شاركنا رأيك حول "الجمالية السوسيولوجية … نظرة مختلفة لمفهوم الفن ووظيفته"