إيدير
0

الزمنُ الاستهلاكي الذي نعيشه فرض علينا دوّاماتٍ من الركاكة الفنّية، وجَرّنا إلى معاناةِ كل ما نتج عن ذلك مِن تدهورٍ لقيمة الأخلاق ومعاني الجمال والفضيلة.

لحسن الحظ، ما زال هناك عدد من أهل الفنّ الذين اختاروا الأصالة وتشبّثوا بها، وجعلوا أنفسهم جِسر عبور نحو مساحات شعورية متشّبعة بالإنسانية التي تسمو بالشخص كنجم يضيء سماءه.

اقرأ أيضًا: بعيدًا عن الإسفاف.. أصوات عَربيّة تبعث فينا الأمل من جديد

ولهذا كان يوم 02 مايو 2020 حزينًا جدًا، فقد فقدنا فيه مشعلًا للأصالة وأسطورةً في الموسيقى الأمازيغية، وسفيرًا ومؤرِّخًا غنائيًا متميّزًا للتراث الأمازيغي الجزائري: الفنّان حميد شرِيَّط، المشهور باسم “إيدير”.

من هو إيدير؟

هو مغنّي أمازيغي جزائري، وُلِد يوم 25 أكتوبر سنة 1949 في قرية آيت الحسن القريبة مِن تيزي وَزّو – عاصمة منطقة القبائل الكبرى: المنطقة الرئيسية التي يتركّز فيها أمازيغ الجزائر.

قال الراحل إيدير:

كنت محظوظًا بأن نشأتُ في حضن أمٍّ وجدّةٍ شاعِرتين، يأتي الناس من كل مكان للاستماع إليهما. ارتويتُ مِن محيط ساحر يفيض بتلك الأمسيات التي تُحكى فيها القصص والأحجيات..

نشأ إيدير في مجتمع أمازيغي خالص، وكبُر على العادات والتقاليد الأمازيغية، واتضّح تأثّره بها وانغماسه في تفاصيلها من خلال نصوص الكثير من أغانيه.

لوحة لامرأة أمازيغية من منطقة القبائل
لوحة لامرأة أمازيغية من منطقة القبائل

الرجل الذي احترف صناعة الدهشة

ينحدر إيدير من أسرة بسيطة، والده راعي غنم، أما هو فقد درس علم الجيولوجيا، لذا لم تكن الساحة الفنية أو الشهرة العالمية قد جالت على خاطره أبدًا.

البدايةُ كانت صدفة، إذ شاءت الأقدار أن يضطر سنة 1973 لأداء أغنية “آ بابا اينوفا” على أمواج الإذاعة الجزائرية بدل المغنية نوارة التي عجزت عن ذلك بسبب المرض، وهنا اتّخذ اسمه المستعار “إيدير” ليخفي هويته.

“آ بابا اينوفا” أو “يا أبي اينوفا” تهويدة مستوحاة من أسطورة أمازيغية، ألّفها الشاعر القبائلي محمد بن حمادوش، ولحّنها إيدير لتغنّيها نوّارة، لكن تلك الأمسية على الراديو غيّرت مسار الأحداث.

لاقت الأغنية استحسان الجمهور الجزائري وأحدثت ضجة في المغرب العربي، وأعيد بثّها في الإذاعة الفرنسية، وكانت أوّل إصدار من شمال إفريقيا يجتاح أوروبا ويدخل ضمن “الموسيقى العالمية – World Music”. انتشرت هذه الأغنية في أكثر من 70 بلدًا، وتُرجمت إلى 15 لغة مختلفة، وقادت صاحبها إلى المجد رغمًا عن نفسه!

سنة 1975، بعد إنهائه لواجب الخدمة الوطنية، تلقى إيدير دعوة من باريس لتسجيل ألبومه الأول الحامل لاسم أغنيته الشهيرة “آ بابا اينوفا”.

قدّم إيدير بعدها عروضًا غنائية كثيرة أطربتنا جدًا، وأصدر ألبومات أخرى رافقت أجيالًا متعاقبة طوال عقود، وصنع لنفسه اسمًا ذا وزن في الساحة الموسيقية العالمية؛ لكنّه لم يكن كثير الحضور على وسائل الإعلام، وفضّل التركيز على بناء علاقته مع الجمهور من خلال العروض الحيّة، فقد كان يرى أنّ الفنّان يكون صادقًا تمامًا وحقيقيًا جدًا وهو واقف على الخشبة أمام الجماهير، هناك فقط يتجلّى سِحره ومدى إجادته لما يفعل، وهناك فقط يمكن للمستمع أن يُطلق أحكامًا جادّة عليه، وهناك أيضًا تُبنى أوفى العلاقات وأمتنها بينه وبين الناس.

لماذا نحبّ إيدير؟

إيدير، أسطورة الأغنية الأمازيغية

هذا السؤال صعب، لكن المحاولة الموضوعية للإجابة عليه تقودنا إلى جواب يتلخّص في كلمة: الفن.

أوّلًا، هناك تعريفات كثيرة للفن، لكن أبرزها هو الذي يقول أنّ “الفنّ هو كل ما ينجح في خلق عاطفة داخلنا”، أي أنّه يخاطب فينا المشاعر بغضّ النظر عن اللغة التي يتحدّثها أو الطريقة التي يمارسها بها، وقد تفوّق إيدير على هذا المستوى بامتياز: فبالرغم من أنّ كلمات أشهر أغانيه أمازيغية لا يفهمها معظم شعوب الأرض إلاّ أنّها لاقت نجاحًا باهرًا لاّنها لم تخاطب فينا عقولنا بقدر ما خاطبت إنسانيتنا ومشاعرنا التي تهتز مع نوتات الغيتارة ورخامة الصوت وعذوبة الألحان.

ثانيًا، إيدير لم يكن مغنّيًا موسيقيًا فقط، بل مؤرّخًا للموروث الأمازيغي الذي حفظه بوفاء من خلال نصوص أغانيه التي صاغها بدقّة ومهارة جمالية عالية.. الأمازيغ المغتربون الذين يشتاقون إلى الماضي يجدون أنفسهم في أغانيه، والعائلات الأمازيغية التي تستعرض عاداتها قد تستخدم أغانيه لتعرض شيئًا منها، والثقافة الأمازيغية الواسعة زادت ثراءً وخصوبة بكلماته وألحانه.. لم يكن إيدير مغنّيًا عابرًا بقدر ما كان سفيرًا للأغنية الأمازيغية في كل العالم.. وهذا الأمر أيضًا له ارتباط وثيق بالفن، حيث أنّ إحدى أشهر وظائف الفنّان هي نقل “المحلّية” إلى العالمية، أي بناء جسور التعارف بين الثقافات والشعوب من خلال صناعة الدهشة.. وهذا تحديدًا ما فعله إيدير طوال أربعين سنة!

لا غياب للعظماء

توفّي إيدير وعمره 70 سنة، بعد مسيرة حافلة بالإنجازات الجميلة والالتزام الجادّ تجاه القضايا الإنسانية العادلة، ورثاه الرئيس الجزائري وعدد من القامات الجزائرية والعالمية، وتداولت وسائل الإعلام الدولية خبر وفاته بالكثير من الحزن.

تركنا إيدير، لكنه لم يرحل.. إذ لا يرحل سادة الفنّ عنّا أبدًا، لا يمكنهم أن ينسحبوا تمامًا، فمهما كبرت المسافات واختلفت عوالم وجودنا، تبقى أعمالهم التي أحببناها ترافقنا إلى الأبد.

لن ينطفئ صوت إيدير في البيوت والسيارات والمقاهي وفي كل مكان، سنظلّ نشغّل أغانيه ونطرب حين نسمعها، صوته سيهدهد قلوبنا المتعبة من الأيام ويعانقنا ويرّبت علينا كما كان يفعل دومًا.

وداعًا يا كبيرنا، لن ننساك..

0

شاركنا رأيك حول "إيدير سفير الأغنية الأمازيغية يغادر العالم ويترك لنا العزاء في أغانيه"