الفلسفة
1

عندما كنت صغيرًا قبل دخولي المرحلة الإعدادية في المدرسة، كنت أكره الرياضيات وأحب المواد الأدبية، وكان كرهي يزداد بتقدم السنوات الدراسية وزيادة التفاصيل الجزئية دون أن أفهم في ماذا تفيد هذه المعادلات في فهمي للعالم واحتكاكي في الواقع العملي، أفهم مثلًا أن الدراسات الاجتماعية تساعدني على معرفة تاريخ الأمة والحضارة، حتى أمتلك إدراكًا زمانيًّا بما حدث تاريخيًا، حتى أتعلم من دروسه المستفادة وأعرف من هم الشخصيات المؤثرة، واللغة العربية تساعدني على معرفة قواعدها ومواطن جماليات نصوصها لأتواصل شفاهية وكتابة بشكل أفضل… إلخ.

لكن كنت لا أدرك ما الذي تؤدي له هذه المعادلات المجردة والمبهمة بالنسبة لي، وأدركت فيما بعد أن السبب هو غياب منطق السببية، بمعنى أدق أنها لا تجيبني على سؤال لماذا؟ وتغرقني بالتفاصيل الجزئية التي لا أرى قيمة لها في هذه المرحلة.

بداية الطريق

عندما علمت فيما بعد بعلم المنطق وأن هناك ما يسمى بالمنطق الرياضي، وما يتم استخدامه لقواعد السببية بأساليب رياضية أدركت هذه الفائدة في الاستدلال والاستنتاج، ولكن وقتها لم أكن أعلم فائدة الرياضيات بشكلٍ عام أو المعادلات الجزئية المجردة التي تُشعرني بقلة الحيلة والجفاف العقلي، ومع هذا فإن ما كنت أبحث عنه ليس المنطق، فالمنطق بحد ذاته هو مجرد أداة وليس القضية ذاتها، وهذه الأسئلة والرغبة في المعرفة هي التي دفعتني فيما بعد للبحث في القضايا الوجودية والقراءة في الفلسفة.

هذا الشعور بالاغتراب عن الجزئيات، ليس فقط في الرياضيات، ولكن أيضًا متمثل في الحياة اليومية وأمورها الروتينية، من التعليم والواجبات المدرسية والبحث عن التفوق الدراسي لدخول كليات القمة، مرورًا بالحصول على وظيفة والعمل لجمع المال وسلم الترقي الوظيفي، للزواج وتكوين الأسرة والمظاهر الاجتماعية والمناسبات، المحافظة على التقاليد والأعراف، وكل ذلك يكون في الغالب بتوجيه من المجتمع، ولا يعرف الشخص هل هو راضٍ فعلًا عن هذه الأعمال أم لا.

وباختلاف المستويات الاجتماعية والعلمية والمادية، يظل أغلب الناس في هذه الحلقات المفرغة، إلى أن يأتي لأحدهم خاطر في وقت ما، في الغالب وقت راحته أو قبل نومه أو في اللحظة التي يسأل فيها: ما الجدوى من كل هذا؟! ولماذا أفعل ذلك؟!

خروج من القمقم

عند هذه اللحظة التي قد تحدث في مشاهد درامية كأن يرمي الطالب كتابه ويسقط ممددًا متأملًا لسقف الغرفة من كم الإنهاك الجسدي والعقلي، أو انهيار وصراخ الموظف في مديره فجأة في موقع العمل لعدم تحمل الضغط المتواصل، أو صمت الأب عندما يوجه له طفله سؤال مباغت لا يمتلك له إجابة، وغيرها من الأمثلة التي قد تدل على جفاف الحياة العقلية لهؤلاء الأشخاص.

بسبب هذه الأسئلة الوجودية التي تم دفنها منذ الطفولة من قِبل الأهل أو المجتمع، هذه الأسئلة على شاكلة؛ كيف خُلقت ومن أين جئت؟ كيف أتأكد من وجودي؟ لماذا أعيش؟ هل أنا مسير أم مخير؟ هل الله موجود وأين هو؟ كان يسألها الطفل الذي يتم ردعه بأن هذا حرام أو تسكينه بإجابات سطحية معلبة، أو المراهق الذي يقال له بالعامية المصرية “إنت هتتفلسف؟! هو كدا” فينحّي هذه الأسئلة جانبًا لأنها تجعله مستهجنًا وغير مقبول اجتماعيًا وتؤدي لشعوره بالذنب وعدم الأمان والاستقرار، تجاه الله أو أسرته.

هناك من يستمع لهذه النداءات المدفوعة برغبة مشتعلة للبحث والمعرفة والاكتشاف، للحصول على الرضا الذاتي العقلاني، والخروج من قمقم المنطقة الآمنة والاستقرار المزيف، وكسر الحلقات المفرغة لتكوين دوائر مفتوحة بمركزية جديدة معلومة عن اقتناع، ومرنة تقبل الإضافة والتجدد، وهذا هو بداية فعل التفلسف والفلسفة.

بداية الفلسفة

الفيلسوف.. إنسانٌ متمرد

كما هو في قصة الكهف الرمزية لدى أفلاطون؛ والتي يشبه بها الناس بأنهم سجناء في كهف مظلم منذ لحظة الميلاد، ومقيدين بالسلاسل حيث لا يستطعون التحرك أو النظر إلا إلى الحائط الذي أمامهم، هناك وراءهم طريق مرتفع وحائط منخفض يقف خلفه السجانين يحركون من فوقه الدمي على شكل حيوانات ونباتات وغيره من الأشكال، وخلفهم شعلة نار تعكس ظلال هذه الأشكال للمساجين على الحائط أمامهم، فإذا ما أطلق سراح أحدهم وخرج إلى النور والأشياء الحقيقية، سوف يشعر بالألم من التوهج واكتشاف الواقع، وتصيبه الحيرة بين أي من الواقعين هو الحقيقي؟ ولكنه بعد أن يستكشف الأشياء ويوقن من وجودها المادي، سوف يتأكد من أنه كان يتم خداعه، وقد يذهب إلى أصدقائه سكان الكهف، ليدفعهم للخروج لكنهم يميلون أيضًا لعدم تصديقه، وأنه قد فقد عقله وأن هذا الذي رآه هو الظلال وهذا هو الواقع لأنهم لم يروا ما رآه هو. §

هذا الشخص هو الإنسان المتمرد الذي يجسده الفيلسوف، الذي يدعو عوام الناس للخروج من كهفهم واكتشاف الحقيقة بأنفسهم ولكنهم يخافون، لأن ما هو مجهول غير مطمئن وقد لا يتعايش الإنسان المسجون طوال عمره مع حياته الجديدة في الحرية، كما حدث مع بطل فيلم “سوق المتعة” الذي عندما خرج من السجن وتم إعطاؤه مبلغًا ضخمًا كتعويض له من العصابة التي كانت السبب في دخوله السجن دون أن يعلم، فلم يتعايش مع الحياة المرفهة في الفنادق، واشترى قطعة أرض بنى عليها مبنى شبيه بالسجن بعنابره، ودعى زملاءه المساجين للعيش معه وتوفير كافة احتياجاتهم، مقابل أن يعاملوه كأنهم في السجن حتى من حيث التصرفات المهينة التي كان يفعلها به كبير المساجين، وأيضًا مدير السجن ليتحكم فيهم نفس التحكم، لأنه قد تتطبع بالحياة بهذه الصفات ولا يستطيع تغييرها، أي أن العادة صارت طاغية على الفطرة أو العقلانية.

فيديو: كهف أفلاطون.. أين الحقيقة فيما تراه؟

الدهشة.. سر الخروج الأول

هذا الخروج يحتاج جرأة وقدرة على الدهشة، كما فعل بطل فيلم “ماتريكس” (2) الذي اكتشف أن هذا العالم افتراضي صُنع من أجل تهجين الإنسان وإخضاعه حتى يمكن استخدامه كمولدات طاقة ويتم ذلك عن طريق غرس أجهزة بأجسامهم، وهناك عالم آخر حقيقي ويحاول معرفة هذا العالم عن طريق عمله كقرصان حواسيب على الإنترنت، حتى جاءه رجل من هذا العالم الآخر يقول له أن بإمكانة أن يكون المخلص للبشرية من هذا العالم الوهمي واكتشافهم للعالم الحقيقي، وإما أن يقبل العرض بتناول الحبة الحمراء التي تحرره من عالمه، أو يرفض ويتناول الحبة الزرقاء التي تعيده كما كان لحياته العادية كمبرمج في شركة كبيرة لا تقبل منه أي انحراف عن تنفيذ مهامه المجردة بدون محاولة اكتشاف.

بعد هذه الأمثلة فإن ندرة من الناس هم الذين لديهم هذه القدرة على المخاطرة بهدم المعتقدات الموروثة أو القديمة أو المشهورة الخاطئة، وهذا نابع من القدرة على الدهشة “الدهشة هي أم الفلسفة ومنبعها الخصب” كما يقول شوبنهاور، والدهشة هنا لا تكون أمام تلك العجائب والغرائب والمعجزات، لكن مع أبسط الأشياء والأفكار التي قد تظهر للعامة على أنها مألوفة وعادية لكثرة تداولها، الفيلسوف لا يقبل بالخرائط المتداولة بل هو من قرر صنع الخريطة بنفسه بخوض الطريق.

موروث مسيطر

في أحد المناقشات مع زميل دراسة، عن البحث في هذه الأمور الوجودية، في أمر وجود إله وما هو الدين الصحيح، قال لي أنه لا يرى ضرورة للبحث في مثل هذه الأشياء لأنها مؤكدة بالنسبة له، وهناك من رجال الدين من درسوا واستخلصوا النتائج التي بالطبع سليمة، وعندما ذكرت له أحد المغالطات المنطقية في كلامه، قال لي أن التفكير في مثل هذه الأمور قد أرهق ذهنه و لا يريد أن يستنفذ طاقة تفكيره قبل المحاضرة القادمة، فهو لا يمتلك عقل نقدي يستطيع أن يتدبر به صحة معتقداته الموروثة، ولا يريد أن يرهق ذهنه بغير الأمور اليومية.

وفي أحد المناقشات الأخرى مع صديق آخر كنا نحضر معًا دروس علم شرعي، قال لي أنه يرى البحث في مثل هذه الأمور الفلسفية مضيعة للوقت، وأنه ما دام موجودًا في الحياة فعليه أن يستغل وقته في العمل والعبادة، وعند تحليل هذه النظرة لا أعلم كيف تفني حياتك بدون أن تمتلك رؤية كونية كلية للوجود، من البحث عن الحقيقة في مباحث الفلسفة الثلاث (الوجود والقيم والمعرفة)، معرفة الخالق وأصل الحياة ومعايير المعرفة وحرية الإرادة والأخلاق وماهية الإنسان الروحية والعقلية والجسدية ومفهوم الجمال والميتافيزيقا والخلود، أليست كل هذه الأمور التي تسير حياتنا وفقًا لها تستحق عناء البحث والتفكير، حتى نتحمل المسؤولية في اختياراتنا العقلية التي تُكون الأيدلوجية، ولا نتبع نظرية القارئ الأكبر الذي يستخلص لنا النتائج ويحذرنا من كتب المعتقدات الأخرى أكان رجل دين أو غيره؟ وأنا أرى أن المتشكك الصادق أفضل من المؤمن بالنفاق والجهل.

الكنز في الرحلة

وليس الموضوع مرتبط بالإرهاق الذهني وحل أحجية الكلمات المتقاطعة فقط، فهو في الأساس متعة البحث في الطريق لا الوصول فـ “الكنز في الرحلة”. وبشكل شاعري أرى أن الفلسفة جنس العقل من حيث المتعة الناتجة عن الممارسة وحتمية الاحتياج؛ بمعنى النشوة من بداية تخيل الفعل واستيعابه حتى الوصول للذورة الأولى بمعنى التساؤل المبهم والأخيرة بمعنى الوصول لإجابة هي في ذاتها سؤال جديد يدعو لطلب المزيد، وحتمية الاحتياج بمعنى أن أي إنسان لديه جوع للنشاط حتى في أشد حالات عداوة من لا يقاوم تخيل الفعل/التفلسف بالفطرة.

وقد نلاحظ أن محاولة الهجوم ضد الفلسفة هي نفسها قد تسمى تفلسف، كمن يحاول استخدام مبررات منطقية لنقض المنطق، فإذا كانت مبرراته صحيحة فهو يدعو لاستخدام المنطق الذي يهاجمه، وإن التفلسف قد يوجد في حياتنا بشكل عام، ولكن بشكل بدائي وعشوائي وشعبي، غير الفيلسوف المنهجي، وهي فكرة مشابهة لمولود يشعر بالألم ولكن لا يملك قدرة على التعبير غير الصراخ، وبتراكم خبراته اللغوية يستطيع التعبير باستخدام اللغة.

لكن في العموم أهم نقطة في التفلسف هي امتلاك الحس والتفكير النقدي الذي لا يقبل بالمسلمات قبل المعرفة بتاريخها، الذي هو مهم للاستفادة منه وعدم تكرار نفس الأفكار، مع العلم أن مسار التجديد في الفلسفة يسير في مستوى أفقي وليس رأسي كما في العلم، لأن العلم يشيد كبناء يأتي من هو لاحق على من هو سابق ليكمل عليه دون هدمه، ولكن في الفلسفة فإن التطور الأفقي أن نفس المواضيع يمكن أن يُطرح لها نظريات من البداية بغض النظر عن ما سبق. إذا كان الدين يقول أن النار تسبب الحرق فالفيلسوف لا يكف عن التقرب لها حتى مع شعوره بالألم، ويبدأ بتجربة كل مسبب موازٍ؛ وإذا كان الدين معادلة أو كتالوج فالفلسفة هي التجربة.

قد يصح أن نعرف الجاهل المتعصب بأنه هو من لا يعرف فقط إلا عن معتقده ويظن أنه الحق المطلق، بدون أن ينظر لمعتقدات الآخرين بشكل مجرد وخالٍ من التحيز، يدخل المناقشات لا بغرض البحث والاكتشاف لكن بغرض المكسب والخسارة وسيكون في محل هزيمة إن اعترف بخطأ معتقده الذي إن لم يكن ضعيفًا، لا يستطيع إثبات قوته بالحجة، فبهذا هو يثبت خطأ منهجه في النفي والإثبات بشكل غير موضوعي ونقدي.

مثلًا كقاعدة بسيطة “على الناقل الصحة وعلى المدعي الدليل” فإنه حتى لو لم يعرف عن منهج الآخر سوى بعض العناوين الرئيسية المغلوطة فهو يدافع عن جهله لأنه لا يمتلك من المعرفة- وإن كانت خاطئة- بديلًا؛ قد يخبره أن العالم ليس أبيض وأسود وصواب/ خطأ مطلق، وإنما هناك درجات للرمادي والنسبي، الفلسفة تحتاج لجرأة للخروج عن القطيع والاستعداد للخيارات المتعددة وتحمل عناء الحقيقة.

بما أن عنوان المقال جاء من الثقافة الشعبية المصرية، فأفضل الكلمات التي أختم بها من شعر العامية هي رباعية الشاعر المصري صلاح جاهين:

“نظرت في الملكوت كتير وانشغلت

وبكل كلمة ليه وعشان إيه سألت؟

أسأل سؤال الرد يرجع سؤال

واخرج وحيرتي أشد مما دخلت”.

1

شاركنا رأيك حول "إنت هتتفلسف؟! عن دهشة الفلسفة.. بداية رحلة البحث عن الحقيقة!"