المزيد من الألغاز في تجربة شقي يونغ

تجربة الشق المزدوج
1

رأينا في مقال “تجربة الشق المزدوج .. التجربة التي تحوي ألغاز ميكانيك الكم“، أنه عندما قمنا بإجراء تجربة الشق المزدوج§ على جسيمات منفردة، بدأنا نحصل على نتائج أغرب من الخيال. فقد رأينا أنه لو أخذنا منبعاً يصدر الإلكترونات، وأردنا قياس مكان سقوطها على الشاشة، وبجعل شدة المنبع صغيرةً للغاية، لدرجة أنه يطلق الإلكترونات بشكل منفرد واحداً تلو الآخر، سنجد فيما لو فتحنا أحد الشقين فقط، بأن الإلكترونات ستتصرف بالطريقة المتوقعة التي تتصرفها الجسيمات، وستسقط على الشاشة في عصابة تقابل الشق المفتوح. في حين أننا لو فتحنا الشقين معاً، فسنحصل على نمط تداخل كالمبين بالشكل التوضيحي التالي:

فكيف يمكن للإلكترونات التي نفترض في العادة أنها انطلقت من المنبع كجسيمات، أن تنتج نمط تداخل كالأمواج؟

إذ كيف يمكن لإلكترون عند مروره من أحد الشقين أن يتأثر سواء كان الشق الثاني مفتوحاً أم لا؟ بل كيف له أن يعلم أن الشقين مفتوحين معاً أو أن أحدهما فقط هو ما تم فتحه؟ وهل يمكن أن يكون الإلكترون قد مر من الشقين معاً وتداخل مع نفسه؟ وعندما نضع جهاز قياس عند أحد الشقين كي يكشف لنا مكان مرور الإلكترون، نجد أن نمط التداخل يختفي، وأن الإلكترون يتصرف كما لو أنه جسيم مجدداً، وكأنه يعلم بأننا نراقبه فقرر عدم التصرف كموجة!!!

فما الذي يحصل فعلاً؟

محاكمة جهاز القياس

هنا، لا بد لنا من التدقيق بالطريقة التي قسنا بها إذا ما مر الإلكترون من الشق الأول أو الثاني. إحدى طرق القياس تتضمن أن نضع بين منبع الإلكترونات والحاجز الذي يحوي الشقين منبعاً ضوئياً، كما في الشكل التخطيطي التالي:

طبعاً إن الرسم هو مجرد رسم تخطيطي مبسط للغاية، وتمت فيه المبالغة بشكل هائل في المسافة بين الشقين، ولكن المهم أن تصل الفكرة. والآن، من أجل الإلكترونات التي تصل الشاشة، نفترض أن ما يمكن أن يحدث هو التالي: إذا مر الإلكترون من الشق العلوي، فسيتآثر مع الحزمة الضوئية المبينة على الشكل باللون الأحمر، وسنعلم من هذا أنه مر من هذا الشق. في حين لو لم يحصل ذلك، سنفترض أن الإلكترون قد مر من الشق السفلي. وعند إجراء التجربة، يختفي نمط التداخل ويتصرف الإلكترون كجسيم مجدداً.

قد يقول قائل، ربما أن شدة الحزمة الضوئية قد خربت من سلوك الإلكترونات الموجي، وأن علينا إضعاف شدتها كثيراً حتى تصبح عبارةً عن مجموعة فوتونات (الفوتون هو جسيم الضوء) قليلة تخرج تباعاً. ولكن هنا سنواجه مشكلة جديدةً: فإما للفوتون الصادر أن يتفاعل مع الإلكترون ويقيسه لنا، أو أن الإلكترون سيمر دون أن يتآثر مع شيء من الفوتونات ولن نتمكن عندها من قياس موضعه، فهل سنحصل في هذه الحالة إذاً على مزيج من نمط تداخل، مع النمط الذي يتكون لدى تصرف الإلكترون كجسيم عند قياسه بالحزمة الضوئية الشديدة؟ ولدى إجراء التجربة، نجد أن ذلك ما يحصل حقاً!

فما الذي يجري؟

قد يقول قائل، إن المشكلة هي في نوع جهاز القياس المستخدم، وأنه علينا تغيير طريقة القياس للتحقق من ذلك. وبالفعل، عند إجراء التجربة، نجد أنه مهما كانت الطريقة المستخدمة لمعرفة الشق الذي مر منه الإلكترون، سواء استخدمنا حزمة ضوئية أو حجرة فقاعات§ أو …الخ، فالنتيجة واحدة: عندما نصمم التجربة بحيث لا نعلم من أي شق سيمر الإلكترون، سنجد نمط تداخل على الشاشة وأن الإلكترون يتصرف كموجة. في حين أنه عندما نصمم التجربة بحيث نقيس من أي شق مر الإلكترون، يختفي نمط التداخل ويتصرف الإلكترون كجسيم مجدداً!!!

هنا وقبل المتابعة، لا بد من تفنيد أسطورة شائعة حول هذه التجربة، والتي تم ترويجها في العديد من المصادر التبسيطية وغير التخصصية التي تتحدث عنها. إن البعض يوحي لدى الحديث عن هذه التجربة بأن وجود مراقب واع يقوم بالقياس هو ما يجعل هذا السلوك الغريب يظهر، ولكن كما رأينا فهذا الكلام غير صحيح، إذ أن حزمة ضوئية أو حجرة فقاعات أو أي جملة فيزيائية تتفاعل مع الإلكترون لتحدد من أي شق مر ستؤدي لهذه النتائج الغريبة، ولا علاقة للوعي بالموضوع هنا.

لذلك دعونا نتابع التفكير بطريقة علمية وكما يفترض بنا أن نفعل دائماً، كي نتحرى ما الذي يحصل هنا.

على السريع… عشرُ مفارقات علمية من الجيد أن تعرفها!

تجربة الخيار المتأخر وازدياد الغرابة

يبدو وكأن الطبيعة تلعب معنا، لذلك فلنأخذ الأمور لمستوىً جديد تماماً، ولنضع جهاز القياس بعد الشقين، أي بين الحاجز والشاشة وليس بين منبع الإلكترونات والحاجز، بحيث أن عملية القياس تحصل بعد أن يكون الإلكترون قد عبر الحاجز وبالتالي يفترض أن يتصرف كموجة، و لنرَ ما الذي سيحصل.

إن مثل هذه التجربة، تدعى بتجربة الخيار المتأخر، وقد تم إجراؤها فعلاً (ولكن بطريقة أعقد مما ذكرناه هنا بالطبع إلا أننا لن ندخل في تفاصيلها). وكانت النتيجة أنه حتى في هذه الحالة، اختفى نمط التداخل، وعاد الإلكترون ليتصرف كجسيم. أي وكأن الإلكترون كان يعلم في الماضي بأننا ننوي في المستقبل وضع جهاز قياس بعد الحاجز، فتصرف على هذا الأساس.

وهذا هو السبب الذي جعل البعض يقول بأن ميكانيك الكم يسمح بتأثير الحاضر بالماضي، فوضعنا لجهاز القياس بعد الشقين في الحاضر وبعد أن يكون الإلكترون قد عبر، سيؤثر على سلوك الإلكترون لدى عبوره في الماضي!§

فهل هذا ما يحصل بالفعل؟ إن الأمور فعلاً بدأت تزداد غرابة بشكل كبير جداً!

الممحاة الكمومية: أغرب من الخيال

ولكن، وفي محاولة أخيرة منا لإنقاذ الحس السليم نقول، أنه لا يمكن للإلكترون أن يتصرف بناءً على حصولنا على معلومات عن أي شق قد مر منه. ولإثبات ذلك، نقوم بتعديل طفيف على تجربة الخيار المتأخر، وذلك بجعلها مكونةً من مرحلتين: في المرحلة الأولى، وبعد أن يقيس جهاز القياس من أي شق عبر الإلكترون، تأتي المرحلة اللاحقة وتمحو المعلومات التي حصل عليها جهاز القياس، بحيث تُفقد هذه المعرفة عن مكان مرور الإلكترون.

وكون الإلكترون سيتصرف كجسيم بعد عبوره لجهاز القياس، فنفترض أن الأمر سيبقى كذلك ولن نحصل على نمط تداخل من جديد. ولكن الذي يحدث لهو أمر مهول بالفعل! فبعد أن أجريت هذه التجربة فعلاً، لوحظ أنه بمجرد محو المعلومات عن مكان مرور الإلكترون من أي شق في الحاجز، يعود نمط التداخل ليظهر من جديد، أي أن الإلكترون يعود للتصرف كموجة مجدداً!

على ما يبدو فقوانين الطبيعة مصممة بحيث تحرمنا من هذا النوع من المعرفة (معرفة من أي شق قد عبر الإلكترون فعلاً) وهذا فائق الغرابة. فهل هناك من نموذج عقلاني يشرح لنا ما الذي يحصل فعلاً؟ هذا ما سيكون موضوع نقاشنا في المرة المقبلة.§

ميكانيكا الكم .. الجنون الذي ينســف كل قواعد الفيزياء التقليدية! – تقرير

1

شاركنا رأيك حول "المزيد من الألغاز في تجربة شقي يونغ"