ظل التفاحة
0

بعد موجة من الثورات العربية عقبتها فوضى عارمة حلت ببلدان “الربيع العربي”، ذاع صيت أدب فساد المدن، وعمد المؤلفون إلى إبراز إحباطهم لفشل الثورات، فألفوا روايات تُحاكي الثورات العربية وما خلّفته من مصائب شتى. أدب فساد المدن أو ما يعرف بالـ “ديستوبيا” هو أدب خيالي يعرض معضلة ما قد تكون سياسية أو اجتماعية أو دينية ثم يتطرق لها في عالم مواز انتشر فيه الفساد والاضطراب، وهو على ذلك نقيض المدينة الفاضلة أو الـ “يوتوبيا” حيث كل شيء مثالي، اليوم سوف نتكلم عن رواية “ظل التفاحة” من تأليف الكاتب المصري “محمد قنديل” في شيء من التفصيل.

نرشح لك قراءة: عشر حقائق عن أدب الديستوبيا

أدب فساد المدن في ظل التفاحة

ظل التفاحة
ظل التفاحة رواية ديستوبيا حائزة على جائزة أخبار الأدب للرواية لسنة 2018.

رواية “ظل التفاحة” هو عمل ديستوبي أو يقع ضمن أدب فساد المدن. يضعك الكاتب “محمد قنديل” في جولة إلى بلاد مصر وما حولها بعد أن أصابتها نوّة أسفرت عن غرقها التام، ورفيقك في هذه الرحلة هو علاء الذي يجد نفسه وحيدًا في مواجهة كارثة طبيعية..

وسط بلادٍ قد غرقت وعالمٍ انهار تمامًا، يبحث “علاء” عن سبيلٍ إلى النجاة فهل يا ترى يجد ضالّته أم سيغرق كما غرق البقية؟  هذا ما ستعرفه عند قراءتك لرواية ظل التفاحة.

تبدأ ديستوبيا رواية “ظل التفاحة” بأحداثها على متن قطار يسافر من مدينة القاهرة إلى مدينة المنصورة. كان علاء جالسًا في وقار ينتظر انتهاء رحلته، إلى هنا كل شيء طبيعي، علاء وبقية الركاب بانتظار الإعلان عن المحطة التالية، السائق يقود القطار وهو يغمغم أغنية ما، والقطار ماض إلى وجهته بسرعة ثابتة، لكن ما حصل بعدها بثوانٍ لم يكن عاديًا، يهبط البرق على جرّار القطار فيصيبه إصابة بالغة يلقى على إثرها السائق وكثير من الركاب حتفهم فيما يصيب الهلعُ بقيتهم.

يحاول علاء في ذعرٍ أن يهرب من مصيبته، يخرج من القطار في حركةٍ سلسةٍ ثم يرفع رأسه ليرى ما حوله فيصطدم بالواقع المرير، كل ما حوله قد تغير وتبدّل، اجتاح الماء كل شيء وغرقت المدينة.

هنا يضطر بطلنا إلى الركض مدفوعًا بغريزة البقاء، ثم سار حتى أدمت قدماه وكاد أن يهلك إلى أن وصل إلى جبل “عزيز أبو الماضي” الذي بات كالجزيرة، فيعيش هناك أوقاتًا صعبةً من الوحدة تزيد تعاسته حتى كاد أن يجن، لكنه سريعًا ما يجد بضعة من الأحياء يغيرونه ويؤنسونه.

نرشح لك قراءة: المدينة الفاضلة وكابوس الديستوبيا

صفية وموعد مع الحب في جزيرة نائية

بعد أن ضاق علاء الويلات في وحدته التامّة يجد أخيرًا على ضفة الماء أناسا غيره فتدب الحياة إلى جسده ويمضي إليهم في حماسٍ ولهفة، هنالك يلتقي بصفية التي تلعب دورًا هائلًا في إرجاعه إلى صوابه بعد أن تسرب له الجنون، إن وجود بشري فضلًا عن أن تكون امرأة في وقت كهذا كان كفيلًا بمعالجته.

وقفت صفية إلى جانبه وتحملت معه مصائب الحياة على تعددها، وكانت تمسح دموعه وتربّت عليه كطفل صغير قد تحطم كثيرًا، لكنها الآن تشاركه همه وحزنه، وتنتشله منهما، هنالك يعتقد علاء أن خلاصه يكمن في الحب، وحده الحب هو الذي ينقذك حينما تتوالى عليك الأهوال والصعوبات، هكذا قال بطل روايتنا “ظل التفاحة” في نفسه، مستعينا بقوة حبّه الجديد.

الأطفال الثلاثة، حياة وواقع جديدان لعلاء

يغير الأطفال حياة أباءهم دائمًا، فقدومهم إلى الحياة يغير من عقلية الآباء حتى يتأقلموا مع وضعهم الجديد، في رواية “ظل التفاحة” كان هنالك ثلاثة صبية قد نجوا من الفيضان العظيم ووجدوا أنفسهم ملقيين على الجزيرة، مينا وسالم وبيشوي لاقوا ترحيبًا من علاء الذي أرشدهم إلى تفاصيل العيش على الجزيرة وعلمهم دروسًا في الحياة، واعتبر نفسه أبًا لهم، فالظروف التي قادتهم جميعًا إلى الجزيرة غيرت حياتهم تمامًا، لم يعد لهم رفاهية أن يبقوا مجرد غرباء لا يحتكون ببعض، بل احتاج الجميع أن يتأقلموا مع وضعهم ومع طبيعة عالمهم الجديد.

لم يكن علاء استثناءً بل كان أكثر شخص تغير خلال فترته على الجزيرة، فوجود صفية في حياته أعطاه الحب ثم وجود الأطفال أضاف عليه حكمة ووقارًا كما علّمه العطاء الذي افتقد إليه طوال فترة حياته.

لقد تعلم المسؤولية أيضًا، فقد كان في السابق يعيش منعزلًا عن العالم، إلا أن هذه التجارب الجديدة جعلت منه شخصًا يستطيع أن يعيش لأجل غيره.

نرشح لك قراءة: يوتوبيا: رؤية مستقبلية متشائمة منذ عام 2008 للمدينة الفاضلة في مصر 2023!

ديستوبيا وفلسفة الراوي محمد قنديل

ظل التفاحة
صورة للكاتب محمد قنديل – مؤلف رواية ظل التفاحة

في مقابلةٍ أجراها كاتب رواية ظل التفاحة مع الأستاذ مصطفى خالد على القناة الثقافية وصف الدكتور محمد قنديل علاء بأنه يمثل الإنسان الضعيف الذي يحاول البحث عن أجوبة فجعل لكل تغير يطرأ على فكر علاء أو حياته تفسيرًا على الواقع يدعمه ويؤيده، فتارة يعيش لأجل نفسه وينعزل عن كل شيء وتارة يصيبه الجنون إذ لا يكاد ينجو من الكارثة حتى يجد نفسه وحيدًا فيصيبه الهلع وتؤرّقه المسألة الوجودية، ثم تارةً يحب صفية فيرى أن الحب هو منقذه وملجأه ثم يربّي الأطفال فتتغير حياته ويتسّم بحكمةٍ وإيثارٍ لم يعرفهما قطُّ من قبل، فجعل من كل تغيّر مرحلة لوحدها تمثّل فكر بعض من البشر يرون الخلاص في شيٍء ما دون آخر.

شخصيات ظل التفاحة تحت عدسة المايكروسكوب

كتابة الشخصيات أمر حساس جدًا، وإهمالها أو إهمال جانب منها قد يؤدي إلى عدم تعلق القارئ بها مطلقًا؛ فالكاتب بحاجة إلى جعل الشخصيات مميزة وجذابة بالإضافة إلى عنايته بتشخيصها تشخيصًا منطقيًا.

الكاتب الجيد يعطي كل شخصية حقها بناءً على دورها في القصة ويحاول أن يخلق بداخل كل شخصياته روحًا يستطلع عليها القارئ فتروق له أو يمقتها بناءً على نوعها ودورها في القصة، فيحصل بذلك ما لأجله تَكتب القصص من ضمانٍ لمتعة القارئ وانغماسه في العمل، وعلى هذا يسير المؤلفون ولكن ليس كلهم ينجح.

أما رواية “ظل التفاح” فقد عرضت علينا أربع شخصيات رئيسية لم يكن لغيرها أي دور يذكر بل لم يكن هنالك وجود لغيرهم تقريبًا، أنت تتحدث عن البطل علاء ومعشوقته صفية وثلاثة صبية، ذلك كل ما جاء به محمد قنديل من شخصيات، وقد سلط الضوء عليها بشكل متفاوت فكان لعلاء النصيب الأكبر من الاهتمام في حين أهمل الكاتب بقية الشخصيات فلم يعرها اهتمامًا مناسبًا.

أثناء قراءتك للعمل، تلاحظ تغيرات علاء بناءً على الأحداث فتتفاعل معه وتقدّر معاناته، لكنك لا تشعر أن عالم القصة ثلاثي الأبعاد، الشخصيات تفتقر للعمق المطلوب وهذا خطأٌ جسيمٌ وقع فيه المؤلف جعل من شخصياته هشة وقابلة للنسيان، ففي ماعدا علاء يمكنك نسيان كل الشخصيات اللهم إلا “بيشوي” أحد الغلمان الثلاثة الذي يكون له دور في القصة حين يصل إلى سن الرشد فيتعرف على معترك الحياة ويخوض فيه، ولكن ماذا عن صفية وبقية الغلمان؟ يمكنك أن تنساهم بكل سهولة فالمؤلف لم يحقق معادلة صحيحة، ولم يدمج عناصر القصة جيدًا، أرى أن رواية “ظل التفاحة” أخفقت في جانب الشخصيات، ولا أرى مبررًا لكل هذا التركيز على علاء على حساب كل شيٍء آخر.

ظل التفاحة بين بلاغة السرد وضعف السيناريو

رواية “ظل التفاحة” ذات الـ 120 صفحة تميزت بالتكثيف ووجود موضوعات كثيرة في صفحات قليلة فلما يتسنى للمؤلف التركيز عليها وإتقان كتابتها، ونجد من جهة أن المؤلف اهتم باللغة وأجاد في اختيار الألفاظ فكان لجمالية النص حظ وافر، إلا أنه لم يستطع أن يخلق سيناريو مقنعًا ، طوال الـ 120 صفحة كانت الحوادث التي تتعاقب على علاء قليلة جدًا، إلا أنه يطنب في سرد مشكلات علاء ولا يعير بقية عناصر القصة أي اهتمام يذكر.

ثم إن شرح التفاصيل شحيحٌ جدًا، فنحن لا نعرف ما حصل للعالم حقًا ولماذا نجا علاء وصفية والأطفال فقط، وهذا كله قد حصل لأن المؤلف لم يتأنى في كتابة العمل واستعجله في صفحات قليلة، حتى أبعاد عالمه الديستوبي لم تكن واضحة، بل لم تكن هنالك ضوابط معينة في داخل القصة، فتجد أنها سرد لما يدور في عقل البطل علاء فقط.

هل تستحق ديستوبيا رواية ظل التفاحة وقتك؟

يصعب علي أن أرشح رواية “ظل التفاحة” للمهتمين بالحبكة والشخصيات، إلا أن موضوعاتها الفلسفية الشيقة وبعض حواراتها المثمرة تعوض هذه المشكلة، وعليه لا أرى حرجًا في قراءتها للمهتمين بالفلسفة أو أدب فساد المدن الـ “ديستوبيا” لما فيها من عرضٍ جيد لهما، وكذلك للذين يريدون قراءة عمل أدبي بليغ. كان على المؤلف أن يطيل قصته ولو فعل لكانت النتيجة مختلفة إلا أن القصة لا بأس بها كما هي، فلتقرأها إن كنت مهتمًا بالفلسفة والبلاغة.

0

شاركنا رأيك حول "ديستوبيا ظل التفاحة: أن تعيش على أنقاض أرضٍ ملعونة!"