غرداية
2

وصلنا أخيرًا، بعد 11 ساعة من السفر المتواصل، من مدينة “سطيف ” الداخلية، إلى مدينة غرداية تلك الجوهرة الأصيلة الواقعة وسط الجزائر، والتي تعرف بأنها حاضنة الفسيفساء النادرة: سبعة قصور تاريخية مطلة على وادٍ واحد، تشترك في العمران  وتختلف في التفاصيل..

اشتبه علينا منزل الأقارب، بسبب سنوات الغياب الطويلة وتماثل الهندسة العمرانية، كل بيت كان احتمالًا كبيرًا بالنسبة لنا في أنه المقصود..

سألنا أحد المسنين هناك لم يكن الأمر صعبًا، الكل يعرف الكل في هذه الحومة (الشارع)، خاصة إن كان المقصود صاحب عرس، لأن أولاد الحومة هم الذين يقومون بكامل التجهيزات، كأنما العرس عرسهم..

في هذه المدينة؛ الكل للواحد والواحد للكل!

همّ الشيخ المسنّ أن يمضي معنا ليرينا منزل أقاربنا، لكن صوت طفل صغير قادم من بعيد تناهى إلى مسامعنا:

– سيدي، سيدي!

كلمة شهيرة يقولونها تقديرًا لكبير السن وسيد القوم..

لم يكن من اللائق بالنسبة له أن يكلف جده (سيده) عناء أن يدلنا ما دام هو موجودًا، شعر تلقائيًا أن الأمر مسؤوليته وأمره جده أن يحمل عنا الحقيبة الثقيلة، ففعل ذلك ومضى ومضينا وراءه، وتلك كانت البداية!

غرداية.. أصالة بعيدًا عن زيف المدنية

قشرة المدنية الزائف، ووهم التحضر المصطنع، لا وجود لها هنا، وإن وجدا فبكميات قليلة لا تكاد تبين..

يُقال أن اسم المدينة “غرداية” ترجع إلى أصلها الأمازيغي “تاغردايت” والتي تعني القلعة..

السكان هنا بسيطون إلى حد كبير، كرماء، كما عهدنا أهل الصحراء أن يكونوا، متواضعون، هادئون إلى حد يثير التعجب والدهشة، تحافظ لهجتهم على أصالتها العربية والأمازيغية، جاهدت كي أسمع كلمة مفرنسة مثل تلك التي نجدها بكثرة في لهجات الشمال، لكني لم أفلح. تأخذ حياتهم نصيبًا أكبر من سمفونية يومية، تتمثل في عادة التجمع الأسري حول “سينية” الشاي ليلًا حتى كتب عن ذلك مثل مشهور (الأول لاتاي، الزاوج نعناع، التالت سكر وماء).

الطابع المعماري الفريد الذي يكسو المدينة يشكل رواية لوحده.

غرداية
الطابع المعماري الفريد للمدينة

الأقواس المنتشرة في الأسواق والطرقات والقلاع القديمة التي بناها السكان كرد فعل مقاوم لهجوم واسع تعرضت له المدينة من قبل الفاطميين، الأزقة الضيقة، فتحات المنازل الصغيرة، لوحة السجاد (الزربية) الفنية المتدلية من على الجدران، والمعروف بأنه من أجود أنواع الزرابي عالميًا، نظرًا لعبقرية تصويرية، توضح ارتباطًا وثيقًا بالوسط الطبيعي، وتؤكد على أن المرء ابن بيئته.

غرداية
السوق المركزية بالمدينة

نسيج المدينة الاجتماعي يعكس لوحة مميزة من جمال الاختلاف بين العرب والأمازيغ، على الرغم من لوحة الحزن الخافتة التي رسمت بعد أحداث 2013 بدعم خارجي، مؤدية إلى اختلاف حاد دامٍ..

تشكل قبائل “الشعانبة” و”المخاليف” و” المذابيح” كبرى القبائل العربية المالكية في المدينة، بينما تشتهر بالمقابل قبيلة “بني ميزاب” كأقدم القبائل الأمازيغية، والمعروفة باتباعها للمذهب الإباضي.

المدينة مشهورة بسبع قصور (قرى) تجاوز عمرها الألف عام: قصر غرداية ، بنورة، بني يزقن، القرارة، بريان، العطف والمليكة، وتعد من دون مواربة لوحةً فنية عمرانية استثنائية، تقع على امتداد وادي ميزاب، وتقوم هندستها على ثلاثية مقدسة: المسجد والسوق والبيت، باعتبارها مراكز حيوية في حياة الفرد. واكتفينا -لضيق الوقت- بزيارة قصر “بني يزقن”، وتعني هاته الكلمة الأمازيغية “أبناء أولئك الذين يحملون الإيمان”.

كان عبق التاريخ يدنو منا رويدًا رويدًا عند مدخل البوابة التي تصدرها تمثال أثري للشاعر الجزائري الميزابي “مفدي زكرياء” يتخيله الرائي بوقفته الشامخة وهو يردد مادحًا مسقط رأسه:

تقدّس واديكِ منبت عزي   ومسقط رأسي وإلهام حسّي
وربض أبي ومرابع أمي      ومغنى صبايا وأحلام عرسي..

المنطقة حصرًا مقتصرة على بني ميزاب، لا يدخلها الأجانب إلا بمرشد ميزابي خاص، ويحرم على الدخلاء التجول في أزقتها لوحدهم.

يمتلك السكان فيها رداءً خاصًا، سراويل الرجال الواسعة مع قلنسواتهم البيضاء، و”ملحفة” النساء البيضاء اللون كذلك، والتي تغطيهم من الرأس حتى القدمين، لا تظهر فيها إلا عين واحدة تستطيع المرأة الرؤية من خلالها.

غرداية
لباس ” الملحفة ” التقليدي

سوقها يسمى بالدلالة، أو “لالة عشوا”، امرأة قيل أنها أذنبت ذنبًا فبنت البئر كي تكفر عن ذنبها في قطعة أرض لها، تحولت إلى سوق حمل اسمها. يتم البيع فيه بالمزاد، ويغلق زوالًا، ثم يفتح من جديد بعد العصر.

المساجد عندهم لا تحتوي على أي زخرفة أو هندسة إسلامية فالأمر محرم قطعا في مذهبهم..

لديهم ما يسمى بهيئة “العزابة” وهو نظام قضائي من 12 إلى 25 شخص بين إمام ومؤذن ومسير شؤون… يتولون تسيير كل جوانب الحياة داخل القصر، ويتم اختيارهم وفق معايير عالية ومتابعتهم لمدة سنة، وسمي النظام بالعزابة، لعزوفهم -حسب رأيهم- عن ملذات الحياة.

“عندما أذهب إلى وادي ميزاب، أتأمل، وأصمت”.

المهندس الفرنسي أندريه ريفيو..

2

شاركنا رأيك حول "مدينة السبع قصور.. غرداية حاضنة الفسيفساء النادرة"