فلسفة اللاعنف… ضرورة أم ترف فلسفي؟

اللاعنف
0

هل تساءلتم يوماً ما حول إمكانية التفكير بنمط جديد لعلاقاتنا؟

ما هي الإمكانية المتاحة في زمن الحروب لتأسيس علاقات إيجابية تقوم على التواصل التفاعلي والمحبة والإخاء بدلاً من العنف والصراع والاقتتال؟

هل ثمة ضرورة لفلسفة لا عنفية أم أنها لا تعدو عن كونها مجرد ترف يحاول من خلاله البعض التخفيف من آثار الحروب الدامية عبر التاريخ؟

كل هذه التساؤلات وغيرها من الأسئلة اليومية التي باتت متداولة في عصرنا الراهن، وفتحت المجال للفلاسفة والباحثين الاجتماعيين للبحث عن نموذج يؤسس لمفهوم العلاقة مع الآخر بأشكالها المتعددة.
لنحاول بداية أن نحلل التساؤل الآتي:

هل ثمة عنف مشروع؟

تشير أغلبية النتاجات الفكرية التي قدمتها الإنسانية عبر التاريخ إلى أن العلاقة مع الآخر اتخذت أشكالاً متعددة وصوراً مختلفة، تراوحت بين القبول والاعتراف تارة، وبين الصراع والتنافر تارة أخرى، لتتحول في بعض الأحيان لحربٍ باردةٍ، واقتناصٍ للفرص وقتلٍ للإنسان فينا، لا بل قد تتفاقم الأمور ليتحول لقاء الآخر إلى نوع من الاقتتال النفسي والبدني والذي يفضي لعنف يشكل حلقة مغلقة لا يمكن الخروج منها.

قد يبدو للوهلة الأولى أن الصور السابقة هي الوحيدة في تشكيل العلاقة مع الآخر، إذ يبرز واقعنا الإنساني أشد الصور عنفية في العلاقة معه، وأكثر صيغ التصنيف القائم على الفرز العنصري وغير الإنساني تعقيداً، مع تأييد ودعم لهذه الصورة من قبل أهم أعلام الفلسفة وعلم الاجتماع عبر التاريخ، الذين تعاملوا مع العنف بوصفه ضرورة ووضعوا مبررات قد يبدو من أبرزها:

  •  القلق الوجودي

يدفع القلق الوجودي كثيراً من البشر إلى البحث عن طريقة لتحقيق استمرارية في العيش دون الخوف من وطأة الموت، فيعتقدون أن استخدام الأسلوب العنيف في التعامل مع بعضهم، هو الطريقة الوحيدة في خلق القدرة لديهم على العيش إلى الأبد، والتمتع بترياق السيطرة الأبدية، وكأن القتل سيجعل من كينونة من يقتل أو يعنف تنتقل لتحل في جسد القاتل فيكتسب وجوداً أبدياً بقتله للآخر.

وقد يكون قتل الفيلسوف اليوناني سقراط الذي حاول الدفاع عن أحقية العقل في اتخاذ القرار، وتشويه هيباتيا الفيلسوفة الاسكندرانية، وصولاً للنزعة التوسعية للإسكندر المقدوني ونابليون بونابرت وأدولف هتلر وغيرهم كثر، ممن كانوا سبباً للاستنزاف اليومي للإنسان في حروب صنعوها بأنفسهم، دليلاً كافياً على مقدار العنف المكنون في أولئك الذين يرغبون فعلاً بتحقيق الأبدية.

  • العنف فطرة

يعيدنا هذا إلى الفيلسوف الإنكليزي توماس هوبز الذي أكد على أن (الإنسان ذئب لأخيه الإنسان)، وأن العنف سمة أساسية وفطرية عند الإنسان تدفع كل واحد فينا لاستخدام العنف في سبيل إفساح المجال للتقدم.

  • العنف اصطفاء… والحرب ضرورة

هنا يبرز العنف بوصفه حلاً منطقياً وضرورياً للإبقاء على الأفراد المفيدين والتخلص من أولئك الطفيليين الذين يستنزفون الموارد باستمرار، وهذا ما جاء به عالم الاجتماعي مالتوس في كتابه “بحث في مبدأ السكان” حول أن الحروب هي الحل المنطقي للتخفيف من التزايد السكاني، فالفرد الذي لا يستطيع أن يجد له عملاً في المجتمع، لا يجب أن يكون له نصيب من الغذاء، فهو عضو زائد.

هذه الصورة العنيفة قد تذكرنا أيضاً بما فعله هتلر مع المرضى والمصابين بالإعاقات، على اعتبار أن التخلص منهم ضرورة، تفسح المجال لتطور المجتمع.

في مقابل كل ما سبق حاول الكثير من الفلاسفة والباحثين التفكير بإمكانية بناء علاقات من نوع جديد في مجتمعاتنا وفق أسس تؤكد إمكانية التشاركية بيننا من جهة، وتحترم فرديتنا دون أن يعني ذلك المهادنة التي تخفي تحتها جملة من المواقف السلبية تجاه الآخر.

إدموند هسرل… وآلية الانفتاح على العالم

حاول الفيلسوف الألماني هسرل أن يطور الأنا لتعي العالم، مما أعاد الاعتبار للذات وحررها من عزلتها، فالأنا لا توجد وحيدة في العالم وإنما هناك إنيات أخرى تشاركني العالم وتعيش معي، وهذا مثّل الآلية الحقيقية للانفتاح على العالم، هذا الانفتاح الذي عبر عنه عن طريق المشاركة.

إيمانويل ليفيانس… من الانشغال بالذات إلى لقاء الآخر

ناقش الفيلسوف الفرنسي ليفيانس سؤال الوجود في بداية بحثه الفلسفي، مبيناً في إحدى مقابلاته التلفزيونية قبوله لفكرة أن الوجود هو مصدر البهجة والسعادة في الحياة وأن تقليل الوجود يخلق الحزن، ولذلك يبدو ضرورياً أن ينتقل الإنسان من الانشغال في الذات ليبدأ العمل لتحقيق فكرة الإنسانية من خلال لقاء الآخر، هنا تبرز فكرة جديدة لدى ليفيانس مفادها أن الآخر هو شرط لهوية الذات.

باعتقادنا تأثر ليفياس بما مر به في حياته من أسى وسوء معاملة خلال الحرب العالمية الثانية، إضافة إلى الخسارة التي عانى منها بموت بعض أفراد عائلته، مما دفعه ليعيد النظر في علم الوجود، في محاولة لحل مشكلة القلق الوجودي في المواجهة الحقيقية التي تجعل لقائي مع الآخر وجهاً لوجه.

الوجه يتكلم، عبارة تختصر فكرة مقابلة الآخر وجهاً لوجه، وهذه المواجهة لن تكون مجرد رؤية مادية، نتعرف من خلالها على ما نشاهده على وجه الآخر والذي غالباً ما يكون قناعاً ارتداه الآخر ليخفي الحقيقة خلفه، فلقاء الآخر وجهاً لوجه لا يعني رؤيتنا للصورة التي يقدمها الآخر من خلال وجهه، وإنما يتطلب منا الغوص إلى عمق الوجه بصورته الحقيقة لا بصورته المزيفة وهذا هو “عريّ الوجه وهو الاستئصال من سياق العالم”.

فمقابلة الآخر يجب أن تكون دون أحكام مسبقة، وغير مبنية على معايير اعتاد الإنسان أن يضعها ويتصرف بناءً عليها، فإذا استقبلنا الآخر بقوة، والقوة هنا لا تعني العنف أو الرفض وإنما تعني المواجهة بقوة دون تأثر بأي آراء مسبقة ودون الاعتقاد بأن الآخر هو عدو يتربص بي، في هذه اللحظة سنكون قادرين على بناء علاقة مع الآخر.

اللاعنف بديلاً عن العنف

لربما يؤسس ما سبق لعلاقة لفلسفة لا عنفية مع الآخر، بعيداً عن الفلسفات التي عززت السلبية في العلاقة معه، خاصة وأن الآخر ظهر من خلالها عدواً ينتظر اقتناص الفرصة ليحارب، وفي محاولة لمقاربة هذه الفكرة سنقوم بمقارنة بسيطة بين ما قدمه الفيلسوف الفرنسي سارتر حول طبيعة العلاقة مع الآخر وكان على النقيض من ليفيانس، خاصة وأن سارتر اعتبر أن الآخر هو الجحيم.

ينطلق سارتر في تفسيره للعلاقة مع الآخر من نقطة مفادها أن الآخر يراقبني ويسلب حريتي، ويحولني بذلك إلى موضوع لذاته “فالغير لا يؤلفني موضوعاً لذاتي، بل له هو”، ولذلك فهو يقول صراحة بأن الآخر يترصدني وهذا الترصد يعيق تحركي، فالآخر ليس ذلك الشريك المقابل لي في الحياة، وليس هو من يعايش تجاربي ويساندني مساندة إيجابية، إنه المراقب لتحركاتي وأفعالي، والمترصد لي والذي ينظر إليّ نظرة المحاسب، ولذلك فأنا أسيرٌ له أشعر بالخجل”.

هذه الرؤية ستؤدي إلى علاقة قوامها العنف، لأني والآخر سندخل في صراع لا قانون له، هدفه أن يسيطر أحدنا على الآخر، وأن يتحول أحد الطرفين إلى مجرد موضوع يفقد فيه تحققه الإنساني، وهذا الصراع في أغلبه سيكون عنيفاً لأحد الطرفين، ومسيئاً لحقيقتنا الإنسانية، ولذلك يرفض ليفيناس فكرة الصراع والاقتتال التي جعل منهما سارتر ضرورة للقاء الآخر، ويتخذ من قراءته للمسيحية وربما الفلسفات البوذية، إضافة إلى تأثره بغاندي فيلسوف اللاعنف سبيلاً لإنهاء حالة الحرب المستمرة بيني وبين الآخر، بهدف القضاء على العنف الذي أصبح بداخلنا.

هنا تماماً تظهر المسؤولية تجاه الآخر، لأن الأمر لا يتوقف عند الامتناع عن فعل القتل فحسب، وإنما أتحمل مسؤولية رعاية الآخر بترك العنف واستبداله بأسلوب إنساني وأخلاقي فـ “أساس المسؤولية منبعث من شعور الخشية على الآخر من عنف الموت، من رحيله وفقدانه”.

وعليه فإن أسلوب التعاطي والتواصل مع الآخر هو الذي يؤسس لطبيعة العلاقة معه، واللغة الجارحة التي نستخدمها واللقاء السلبي مع الآخر يؤدي إلى فشل العلاقة، والدخول في حيز العنف والخوف والكراهية، وعندما نتخذ قرار البدء بحوار حقيقي واستخدام لغة إيجابية فإننا نكون قد أعلنا رفضنا للقتل والعنف.

ولأجلنا جميعاً تبدو المسؤولية أساسية وهامة في بناء العلاقة مع الآخر، لأنها تجعل علاقتي معه مبنية على المحبة والتسامح وبعيدة عن الاقتتال والعنف، وهي بمثابة اتخاذ قرار بالمواجهة التي تجعلني أتعاطف حقيقة مع الآخر وأعيش معه ولذلك فإن “ما يؤسس ويصوغ هيكلية الإنسان إنما هي المسؤولية تجاه الإنسان الآخر، وهذه المسؤولية هي التي تعطي معنىً ووقاراً وعظمةً للوجود البشري”.

وهنا طبعاً علينا أن نبين أن العلاقة المبنية على أساس المحبة والتسامح لا تعني أبداً أن هناك اتحاد بيني وبين الآخر، وإنما علينا أن نعرف أن ثمة حدود بيني وبينه وهذه الحدود تحفظ العلاقة، لأن لكل منا مكانه ومجاله الذي يجب أن يحتفظ به وينطبق ذلك حتى في علاقات الحب.

عندما نواجه الآخر بقوة بعيداً عن مخاوفنا نتحول من كوننا في صراع معه إلى أن نكون مسؤولين عنه، إلى المحبة التي تميز إنسانيتنا، وتجعلنا نعيش مع الآخر عبر علاقة قوامها الأخلاق، وبناؤها اللاعنف، هذه المسؤولية التي ستحول العالم إذا ما طبقناها إلى عالم أساسه فهم الآخر وقبوله، وربما يكون كل ما سبق مبرراً كافياً ليجعلنا نقدم مقاربة تميز بين طبيب قد يبذل روحه لينقذ إنسان، وآخر قد يتخذ قراراً بالهرب من ممارسة مهنته تحت طائل الخوف من وباء قد يصيبه.

مراجع:

  1.  ليفيناس ايمانويل، 2014 – الزمان والآخر. ترجمة د.جلال بدلة. معابر للنشر والتوزيع، دمشق.
  2. هسّرل ادموند، 1958 – تأملات ديكارتية. ترجمة تيسير شيخ الأرض، دار بيروت، لبن.
  3. مقابلة مع الفيلسوف ايمانويل ليفيناس:
  4. سارتر جان بول، 1966- الوجود والعدم. ترجمة تيسير شيخ الأرض، دار الآداب، بيروت.
0

شاركنا رأيك حول "فلسفة اللاعنف… ضرورة أم ترف فلسفي؟"