أدب الاعتراف: تابوهات البوح المحرمة بين نبش السرية ومداعبة هواجس الحرية!

أدب الاعتراف
2

جنس أدبي معروف في الغرب. يدرّس في الجامعات منذ عقود. يحظى بمتابعة واهتمام كبير من جانب القرّاء والنقّاد على حد سواء. حاول -في عالمنا العربي- بعض كبار الأدباء الاقتراب من ذاتيته الخاصة لكن بحذر شديد لاعتباراتٍ تتعلّق بالتقاليد و”تابوهات البوح المحرمة”. إنه أدب الاعتراف الذي نسلط عليه القليل من الضوء في محاولة لفهم ماهيته التي تم الاختلاف عليها كثيرًا.

خلفية تاريخية: نشأة أدب الاعتراف

يرجع مصطلح الاعتراف إلى الدين المسيحي الذي يعتبره شرطًا أساسيًا للتطهّر من الخطايا. فالتوبة عند المسيحيين لا تتم إلا من خلال الاعتراف أمام القس حيث كان الاعتراف أحد أسرار الكنيسة السبعة وتم تداوله لآلاف السنين من الكنيسة الكاثوليكية.

ظل الاعتراف من أسرار الكنيسة ويتضمّن الذهاب للكاهن أو القس الذي بدوره يكون على قدرٍ كبيرٍ من الروحانية والإرشاد النفسي والخبرة في الكهنوت، كل ذلك يساعد المعترف على الاعتراف بخطاياه وفضح الشيطان، وبعد الانتهاء من الاعتراف يعطي الكاهن للمُعترف إرشاداتٍ روحانية ويطمئنه بأن الرب غفر خطيئته.

وفي سؤال الكاتب “باهر عادل” نوّه لمجلة أراجيك العربية أن هناك اعتقادًا خاطئًا عند البعض بأن المُعترف يذهب للكاهن ليغفر له، وهذا ليس من الإنجيل في شيء، وليس في الإيمان المسيحي من الأساس؛ لأن الرب هو غافر الخطايا والكاهن هو مجرّد شاهد على عملية الاعتراف، مؤكدًا للمعترف بتمام الغفران هذا وفقًا لكلام الرب في الإنجيل.

اعترافات أوغسطينوس
تابوهات البوح المحرمة في اعترافات أوغسطينوس.

تجلى الاعتراف ظاهرًا في اعترافات أوغسطينوس (354- 430) حيث قدم النموذج الأول لأدب الاعتراف، ولم تظهر أي محاولات بعد القرن الخامس الميلادي إلا عندما جاءت اعترافات جان جاك روسو في كتابه “اعترافات جان جاك روسو“، والذي نُشر بعد وفاته بين عامي 1782- 1789، والذي بدأه بتلك العبارة “أنا اليوم قادم على أمر لم يسبقني إليه سابق، ولن يلحق به لاحق، أنا مزمع على أن أجلو لإخواني بني الإنسان إنسانًا على حقيقته وفي صميم طينته وهذا الإنسان هو أنا”، رسالة طويلة يخاطب فيها الله ليعترف بذنوبه ليتطهر منها.

من الأعماق

يجد القارئ في اعترافات جان جاك روسو صراحة جلية في سرد الأحداث وواقعيةٍ شديدة في تقديم الشخصيات والتصريح بالأسماء الحقيقية والحديث بضمير المتكلم من أول الكلام لنهايته. صراحة وجرأة روسو في اعترافاته وصلت للحد الذي تطرّق فيها إلى سرقته وهو طفل صغير، ومعيشته على إعانة الآخرين، وإلقاء أطفاله بملجأ اللقطاء. من هذا الوقت صارت الاعترافات كتابة إنسانية وثقافية. وتجلى هذا أيضاً في القرنين التاسع عشر والعشرين، حيث كتب فرانسو دو شاتو بريان 1848، كتاباً بين المذاكرات والاعترافات عنوانه “مذكرات ما وراء القبر”، ثم كتب ألفرد دوموسيه 1857 “اعترافات فتى العصر“، وسجّل أوسكار وايلد تجربته 1900 حيث كان مسجوناً لمدة عامين في كتاب “من الأعماق“، وجاء أندريه جيد 1951 بكتاب “لو لم تمت الحبة”.

نرشح لك قراءة: انتحار كاتب: عندما لا تنقذنا الكتابة!

نماذج عربية كتبت أدب الاعتراف

واستكمالاً لتناول نماذج غربية كتبت الاعتراف في الغرب. حاول عدد من النقاد إدارج مجموعة من الأعمال العربية ضمن أدب الاعتراف. يأتي على رأسها رواية “الخبز الحافي” للأديب المغربي محمد شكري، حيث عرّى نفسه بالكامل معترفًا بخطاياه المُخجلة بكل شجاعة ودون تردد، لكن كل الذين كتبوا أو حاولوا الاقتراب من تلك المنطقة اكتفوا بسرد بعض الحقائق والوقائع عن حياتهم، بينما أخفوا أجزاء أخرى رأوها مشينة، أو أنها تهدم الصورة المرسومة لهم في أذهان قرائهم وأحبائهم.

الخبز الحافي -أدب الاعتراف

لا ننسى أيضاً اعترافات الكاتب لويس عوض في كتاب “أوراق العمر: سنوات التكوين“. صدرت عام 1989، وصنّفها عديد من النقاد بانتمائها لأدب الاعتراف، إلا أنه تم مصادرة النسخ الأخيرة منها عقب وفاة لويس عوض عام 1990م؛ لما جاء فيها من بوح عظيم أزعج الآخرين، كان في مقدمتهم الناقد رمسيس عوض (شقيق لويس عوض)، الذي خاض حملةً إعلاميةً مضادة لما تضمنته الاعترافات، حيث أطلق عليها فضائح تشهير بأسرته.

الفتاة الأخيرة - أدب الاعتراف

أيضاً نادية مراد في كتابها “الفتاة الأخيرة – قصتي مع الأسر ومعركتي ضد تنظيم داعش” المذكرات التي كتبت مقدمتها المحامية البريطانية ذات الأصول اللبنانية أمل علم الدين، التي تولت قضية نادية مراد ومقاضاة “داعش”، وترجمته إلى العربية نادين نصر الله. وننوّه أيضاً عن كتاب “أيام معه” للكاتبة كوليت خوري التي كشفت فيه عن علاقتها بالشاعر نزار قباني.

تابوهات البوح المحرمة وندرة أدب الاعتراف

وفي سؤالها عن ندرة أدب الاعتراف في الوطن العربي صرحت الروائية والناقدة الكبيرة سلوى بكر لموقع أراجيك بما يلي: “أود في البداية أن استبدل مصطلح أدب الاعتراف بأدب الحقيقة عن الذات، فمن الملاحظ أن معظم من كتبوا السيرة الذاتية كتبوا وقائع تتعلّق بحياتهم من أجل تجميل الذات؛ لتبدو في أفضل صورها، حتى عندما كتبوا عن خطاياهم قدموا مبررات لهذه الخطايا. أما التمحور حول الذات وتقديم الحقائق سواء سلبية أو إيجابية فلم يوفره الأدب العربي، وذلك لأن الأوضاع في الوطن العربي ومنظومة القيم السائدة التي تحكم رؤيتنا لذواتنا والعالم والآخرين رؤى محظورة في مجملها، فهناك محظورات في الدين، السياسة، الجنس”.

ثم تابعت: “لذلك يندر أدب الاعتراف وما يُكتب فيه يكون عبر دهاليز وطرائق سردية لا تكشف عن هوية كاتبها. فنجيب محفوظ مثلاً كان له علاقات نسائية قبل الزواج لكن قلّما نجد أنه كتب عن ذلك في مذكراته، وأيضاً إحسان عبد القدوس الذي كتب أدباً كاشفاً جريئاً في سياقه الزمني من خلال شخصيات رواياته، لكنه لم يكتب ممارسته الذاتية وتجاربه في هذا المجال، رغم علاقته بكاتبة لبنانية شهيرة في زمانه”.

إذاً منظومة القيم في الوطن العربي هي السبب، ولكن هناك كاتبة جريئة وشجاعة، هي الشاعرة جليلة رضا، شاعرة عمودية كتبت مذكرتها وصدرت عن دار الهلال. كتبت فيها عن أمها الجارية وعن حب صباها في عمر الثالثة عشر، حيث أحبت شاباً في العشرينات، كما أنها اعترفت بحملها لمشاعر جنسية تجاه راهبات مدرستها الداخلية في ذلك الوقت، ولنكون أكثر انصافاً فمنظومة القيم المتخلفة التي تعوق أدب الاعتراف لا تتواجد فقط في الوطن العربي، فأنا أتذكر مثلاً كاتبة سويسرية كتبت عن علاقاتها بأسرتها الفقيرة وعن إنفاقها على عدد كبير من أخوتها تعرّضت لنقد وهجوم شديدين، ولاحظوا أني هنا أتكلم على سويسرا، البلد الأوروبي المتقدم وليس الوطن العربي. كما أرى سبباً آخر لإحجام الكُتّاب عن هذا النوع؛ لتعامل بعض القراء -في عصرنا- مع أدب الاعتراف على أنه أدب التلصص على الآخرين، أو التربص بالفضائح.

تابوهات البوح المحرمة
الروائية والناقدة الكبيرة سلوى بكر تتحدث عن تابوهات البوح المحرمة.

التباس السيرة الذاتية بأدب الاعتراف

وفي رأيها عن التباس السيرة الذاتية بأدب الاعتراف صرحت الروائية سلوى بكر لمجلة أراجيك العربية، أن السيرة الذاتية تتناول كل وقائع الحياة منذ ميلاد الكاتب حتى نهاية عمره، أما الاعتراف فمُتعلق بجزئية ما تسلّط الضوء على موضوع محدد، وليكن النزوات الجنسية. يسرد الكاتب عن تلك الجزئية بتعرٍ تام دون تجمل، فمثلا أندريه جيد كتب عن نفسه أنه كان لصاً، عرف الكثير من اللصوص. بالضبط كما ذكر محمد شكري في الخبز الحافي.

الأيام - تابوهات البوح المحرمة

ونقلاً عن الكاتبة والصحفية نوال مصطفى، السيرة الذاتية تعد تأريخاً لحياة الإنسان، خصوصاً هؤلاء الذين لهم أدوار مؤثرة في المجتمع. ويجد الناس متعة في معرفة بداياتهم ومشوار حياتهم، أما أدب الاعتراف فيقوم على البوح والإفصاح والمكاشفة من جانب الكاتب الذي يتصدّى له. فنجد الأديب طه حسين يكتب سيرته الذاتية في كتابه “الأيام“، لكنه لا يكشف خلالها أسراراً من الصعب أن تروى. كذلك فعل العقاد في كتابه “أنا” وتوفيق الحكيم في كتاب “سجن العمر“.

أنا - أدب الاعتراف - تابوهات البوح المحرمة

المصادر:

  • أدب الاعتراف العربي بين البوح والقبول المجتمعي. الآء عثمان.
  • هل تتحمل ثقافتنا أدب الاعتراف؟ علي حسن الفواز.
  • هل هناك أدب اعتراف في الثقافة العربية. عامر درويش.
  • أدب الاعتراف: مقاربة في النشأة والتطور مجلة كلية دار العلوم. إيهاب النجدي.
  • أين نحن من أدب الاعتراف. نوال مصطفى.
2

شاركنا رأيك حول "أدب الاعتراف: تابوهات البوح المحرمة بين نبش السرية ومداعبة هواجس الحرية!"