بنات حواء الثلاث
1

بنات حواء الثلاث” للكاتبة إليف شافاك صدر عام 2016 ويتناول فكرة الله في بعدها الشامل كما تصف المؤلفة من خلال شخصية نازبيري، الوضع الثقافي، الديني والهويتي الذي آلت إليه الجمهورية التركية منذ تأسيسها من قبل مصطفى كمال أتاتورك.

العشاء الأخير

لم يكن في علم نازبيري نالبنت أوغلو أن دعوة واحدة ستكون كفيلة بإرجاع الزمن إلى قرابة عقدين إلى الوراء حيث كانت طالبة بإحدى أشهر الجامعات العالمية، أكسفورد.

عشاء فخم جمع البورجوازية الإسطنبولية تحت سقف واحد، بكامل اختلافاتها الأيديولوجية، السياسية والدينية، مكونة بذلك لوحة فسيفسائية على صورة بلد منشطر بين اللائكية والإسلامية؛ أو بالأحرى، على صورة مدينة ساحرة لعنها التاريخ -أو اجتباها- بالأسر بين القديم والحديث.

رقي مسرف نقل نازبيري من عزلتها ليقحمها في عزلة من نوع آخر، عزلة فكرية بين الدعاة لديمقراطية تحت المراقبة والدعاة لدكتاتورية رحيمة في ظل قناعتها التامة باستحالة وجود “إله صغير”، إذ أن مجرد تقمص لدور الإله في مجتمع ما يؤدي إلى خروج الوضع عاجلًا أم آجلًا عن السيطرة.

تتعالى الأصوات، تتضارب الآراء، تتفاوت المعايير ويحتسى النبيذ لعقد صلح مؤقت. ترفع نازبيري قدحها على شرف روح غُرست في كيانها حس الواقعية والتفكير النقدي، أبيها منصور.

ما بين المسجد والحانة ومذكرة الله

هي آخر العنقود لعائلة احتضنت تناقضات عنيفة، غصن اقتطف من شجرة تهزه الرياح تارة وتغرقه الأمطار تارة أخرى في إحدى أحياء الضفة الشرقية للبوسفور، فالأم سلمى ملتزمة أشد الالتزام بالتقاليد وتعاليم الدين الإسلامي الحنيف في حين أن الأب منصور كمالي لائكي، لتنشأ نازبيري مبعثرة بين مجلدات البخاري وقصص الأنبياء ورباعيات الخيام وأبيات ناظم حكمت.

سعى الأب إلى تلقين ابنته الإيمان بالملموس أو المنطقي فقط، وبحكم تمجيده للعلم، فقد كان حريصًا على تحصيلها الدراسي وكان السبب في التحاقها فيما بعد بجامعة أكسفورد. لقد كان يرى فيها أملًا كفيلًا بإخراج البلد من الهوة الثقافية القابع بها، كفيلًا بتحرير وطن من منغصات تمنعه من مواكبة العصرنة.

تأثر نازبيري بأبيها جعلها تسهر على أن تكون في مستوى تطلعاته، فغالبًا ما كانت مثالًا عن التفوق الدراسي والدهاء، وبالرغم من صغر سنها إلا أن أسئلتها كانت جديرة بالاهتمام: “كيف يمكن أن نؤمن برب لا تدركه الحواس؟”. هكذا كانت الصياغة الأولى -في عمر الثامنة- لسؤال تمحورت حوله حياة نازبيري، سؤال كان ولا يظل محرك بحث أساسي لتيارات فلسفية عدة من المشرق إلى المغرب.

لم يملك منصور الإجابة عن سؤال ابنته وكل ما كان باستطاعته فعله هو إهداؤها مذكرة يدوية الصنع، تركوازية اللون لتكون دفتر حياة لنازبيري، تستطيع أن تملأ صفحاتها بأفكارها حول الحقيقة الإلهية: نسخ ومحي، خطأ وتصحيح لأفكار نيرة كانت أو سوداء قادرة على دفع سفينتها إلى مرسى من السلام الداخلي قبل أن تبحر من جديد.

مذكرة الله، الصفحة الأولى: “أظن أن الرب عبارة عن خليط لا متجانس من الأشكال والألوان. بإمكاني أن أشكل إله حب وتسامح أو إله غضب وعقاب. كما أنه بإمكاني أن لا أشكل شيئًا. إن الرب شيء كلعبة الليغو”.

تائهة بين المؤمنة والخطاءة

بعد الالتحاق بالجامعة بدأت نازبيري تدريجيًا توسيع دائرة أصدقائها بالموازاة مع معارفها الأكاديمية لتجمعها صداقة بناءة مع منى وشيرين، الأولى أمريكية-مصرية مسلمة وناشطة نسائية في انسجام تام مع هويتها الثقافية والدينية، الثانية إنجليزية-إيرانية منتقدة حادة لجميع العقائد الدوغماتية. ثلاثتهن طالبات أستاذ مثير للجدل من خلال طريقته البيداغوجية الفريدة ومواضيع الندوات التي يقدمها والتي تدور كلها حول فكرة الله.

ندوات كاملة من حيث المحتوى تمتد مصادرها من العصور القديمة إلى الأوقات المعاصرة وتقتبس أفكارها من الفلسفة، الشعر، التصوف، علوم اللغة والعلوم الإدراكية.

لطالما كانت لنازبيري علاقة معقدة مع موضوع الدين إلا أن غربتها أقنعتها أن الإسلام بالنسبة لها ما هو إلا عبارة عن مخزن ذكريات من الطفولة، قريب بعيد في الزمن والمكان.

ولأن أسمى نشاط للبشرية هو التعلم بغرض الفهم كما يوضحه الفيلسوف باروخ سبينوزا، فالفهم يحقق الحرية ونازبيري كانت في أمس الحاجة لفهم أمور تحررها من التناقضات التي أثقلت كاهلها حتى ذلك الوقت. “لو كان باستطاعتي أن أطلب أي شيء من الله، أريده أن يقدم اعتذاره عن الظلم الذي عايشته وعن الظلم السائد في العالم”. أجابت نازبيري على إحدى أسئلة الدرس، مداخلة شدت انتباه الأستاذ أنطوني زكرياس أزور الذي ضاعف اهتمامه بتفكير وشخصية تلميذته واللذان يوحيان بمستقبل مشرق؛ حيث وصفها فيما بعد بالتلميذة التي تحمل المكونات الثلاث للشغف حسب برترند راسل: الحاجة للحب، التعطش للمعرفة والتعاطف دون الحدود مع معاناة البشر. فشجعها على تكثيف وتنويع أبحاثها وقراءاتها، على طريقة رينيه ديكارت الذي أراد خلق علم لدراسة الله مستوحى من المنطق وجميع العلوم الأخرى، لتتجنب خطر حصر الله في البعد الديني فقط.

معظم الحوارات الفلسفية التي تسود الحقبة المعاصرة أخذت مسارًا مختلفًا عن حوارات العصور السابقة بطريقة جعلتها تتطرق إلى مواضيع كالسياسة، الدين والثقافة مع تجنب التطرق لفكرة الله فلوحظ بذلك بروز جبهات متضادة حريصة أشد الحرص على إزالة جميع الجسور التي تربطها مع الرأي الآخر: الخير والشر، اليمين واليسار، النور والظلام، الله والشيطان… إلا أن عالم أزور كان خاليًا من هذه التضادات الكلاسيكية، فقد كان بعيدًا كل البعد عن ماضي نازبيري المتكون بصورة كبيرة من خلافات سلمى ومنصور وكانت أفكاره تختلف جذريًا على المقاربات الأخرى لواحد من أكثر المواضيع حساسية. هذا ما حث نازبيري على العمل بنصائح الأستاذ لأجل تقبل كل مكونات شخصيتها المعقدة.

إذ راحت تنسج أفكارًا موضوعية، تستطيع التمعن والتشكيك فيها، من معارف مختلفة كالأدب والموسيقى والفيزياء لتحد من ما يطلق عليه أزور “مرض اليقين” وتأخذ بذلك نهجًا مبتكرًا نحو الله.

مذكرة الله: “المؤمنون يفضلون الأجوبة على الأسئلة، الوضوح على الغموض. الملحدون أيضًا، عدا بعض الاختلافات. إنه لشيء مضحك، عندما يتعلق الأمر بالله -والذي يعتبر موضوعًا محدًا لمعرفتنا- فقط قليل منا لهم الجرأة على قول لا أعلم”.

1

شاركنا رأيك حول "بنات حواء الثلاث.. اسطنبول تتجسد امرأةً في رحلة للبحث عن الله"