الاحتمالات وميكانيكا الكم
1

كنا قد رأينا في مقال “في عالم ميكانيك الكم الأغرب من الخيال.. من الحتمية إلى الاحتمالات!” أن قوانين ميكانيك الكم تصاغ بدلالة الاحتمالات، لذلك علينا الآن أن نغوص عميقاً في مفهوم الاحتمال، كي نستطيع فهم الاختلافات بين التفسيرات المختلفة لميكانيك الكم بعمق.

ما معنى الاحتمال؟

لو وجهت لك السؤال التالي: ما هو احتمال أن أحصل عند رمي قطعة نقود متناظرة تماماً على صورة أو كتابة؟ عندها سيأتي جوابك غالباً أن هذا الاحتمال هو 50% للصورة ومثلها للكتابة. ولكن ما معنى هذا الرقم؟ هل يعني ذلك أنه لو رمينا قطعة النقود 100 مرة، ففي 50 مرةً من بينها سنحصل على صورة، وفي 50 مرة سنحصل على كتابة؟ بالطبع لا، فمن الممكن أن نحصل في جميع الرميات على صورة أو أن نحصل على 63 صورة و37 كتابة مثلاً أو …إلخ.

ولو أجبت بأنه يعبر عن إمكانية حصولنا على صورة أو كتابة، فأستطيع عندها أن أطلب منك أن تعرف هذه الإمكانية وتخبرني كيف قمت بقياسها، وهذا سيوقعك في مشكلة كبيرة. إذاً، ماذا يعني هذا الرقم؟

 لماذا تبدو ميكانيكا الكم غريبة 🤷‍♀️

الاحتمال في كون كلاسيكي

كما ذكرنا في مقال “في عالم ميكانيك الكم الأغرب من الخيال.. من الحتمية إلى الاحتمالات!”، فإن الفيزياء الكلاسيكية توصف الكون من خلال قوانين حتمية. ومعنى ذلك، هو أنه لو كررنا نفس التجربة ضمن نفس الظروف تماماً، فسنحصل على نفس النتائج. لنفرض أن القوانين التي توصف الكون هي قوانين الفيزياء النيوتونية (أي كما وصفها نيوتن)، عندئذٍ لو كنا نعلم كل شيء عن تفاصيل قطعة النقود من كتلتها ونعومة سطحها و… إلخ، كما كنا نعلم كثافة الهواء وسرعة الرياح والسرعة التي رمينا بها قطعة النقود وتسارع الجاذبية الأرضية وكافة الظروف المحيطة بعملية رمي قطعة النقود، عندها سنستطيع التنبؤ بدقة مطلقة بنتيجة الرمية سواء كانت صورة أم كتابة، وإذا كان التنبؤ عندها صورة وسألتك ما هو احتمال أنني لو رميت قطعة النقود وفق هذه الشروط فسأحصل على صورة، لقلت لي طبعاً أن الاحتمال هو 100%!

وهنا يظهر معنى الاحتمال جلياً، فهو وقبل كل شيء، يتعلق بمدى ما نملكه من معلومات حول الظاهرة التي نحاول التنبؤ بنتيجتها، ويتغير وفقاً لهذه المعرفة. معنى ذلك هو أن الاحتمال يجب أن يكون رقماً يكون إرفاقه بكل نتيجة لتجربة ما يعبر عن توقعي لظهور هذه النتيجة في ضوء المعلومات التي أملكها والتي قد تكون منقوصة في الحالة العامة. وبالتالي دعونا نحاول إعطاء تعريف للاحتمال يحقق ما سبق، بغض النظر إذا ما كان الكون كلاسيكياً أم لا.

نحو تعريف دقيق للاحتمال

دعونا نحاول أن نصوغ تعريفاً دقيقاً للاحتمال من خلال طرح بعض الأمثلة.

لنفرض أنني أقوم برمي قطعة نقود متناظرة، وأريد أن أعطي احتمالاً لظهور صورة أو كتابة. وما نقصده بتناظر قطعة النقود هنا هو أنه لا توجد لدي معلومات أستطيع من خلالها ترجيح إحدى نتيجتي الرمية على الأخرى. عندها لا بد وأن أعطي النتيجتين الممكنتين احتمالين متساويين، وهذا يعبر عن حالة جهل تام لدي. وهنا أستطيع القول أن احتمال ظهور صورة هو ½ لأنها نتيجة من أصل نتيجتين ولا تفضيل لدي لإحداهما على الأخرى، ونفس الأمر ينطبق على احتمال ظهور كتابة، أي أنه ½.

ولو نظرت في تجربة أخرى، ألا وهي رمي حجر نرد متناظر (وما نعنيه هنا بالتناظر هو أنه لا يوجد سبب لدينا يجعلنا نفضل إحدى نتائج الرمية على الأخرى) فلا بد أن أعطي لكل نتيجة من النتائج الستة الممكنة نفس الاحتمال أيضاً تعبيراً مني عن جهلي التام. وهنا نقول أن احتمال كل منها هو 1/6 لأن كلاً منها يمثل نتيجة من أصل 6 نتائج لا تفضيل لدي لإحداها عن الأخرى.

ولو سألت عما هو احتمال أن أحصل على عدد زوجي من بين النتائج الممكنة في حالة رمي حجر النرد السابق، أي ما هو احتمال أن أحصل على 2 أو 4 أو 6 من بين الأرقام 1، 2، 3، 4، 5، 6 فسأجد أن نصف النتائج الممكنة ستحقق لي حدث ظهور رقم زوجي، ما يعني أن الاحتمال هنا هو ½ أيضاً. وهي حالة مماثلة لحالة ظهور صورة مثلاً لدى رمي قطعة نقود، إذ أن الصورة تمثل نصف النتائج الممكنة في حالة رمي قطعة النقود. وحالتا جهلي هنا سواء في تجربة رمي حجر النرد أو تجربة رمي قطعة النقود، متماثلتان. مما يوجب أن يساوي احتمال ظهور عدد زوجي لدى رمي حجر النرد احتمال ظهور صورة لدى رمي قطعة النقود، وهو بالفعل ما حصل!

 ميكانيكا الكم من البداية وحتى اليوم

ما المغزى من ذلك؟

من خلال صياغة الأمثلة السابقة وما شابهها بلغة الرياضيات المحكمة، نستطيع بناء نظرية قوية وصلبة لحساب الاحتمالات.

وفي الواقع، إنها نظرية في غاية الأهمية، لدرجة أنه لا يخلو من استخدامها مجال في العلم الحديث.

قد يقول قائل، على الرغم من أن حالة التجارب التي لا نعطي أفضلية لإحدى نتائجها عن الأخرى يمكن تفهمها تماماً بالطريقة المشروحة في الأعلى، إلا أنه يحصل في بعض الأحيان أن يكون لدينا توقع أكبر لظهور بعض النتائج من غيرها، فماذا نفعل هنا؟

على سبيل المثال، ماذا لو كانت قطعة النقود غير متناظرة؟ هل تستطيع نظرية الاحتمالات التعامل مع هكذا حالات؟ والجواب هو، نعم بكل تأكيد. ولكن السؤال المحق الذي سيطرح نفسه هنا هو أنه ماذا يصبح معنى أن نقول مثلاً أنه لدينا قطعة نقود غير متناظرة، واحتمال ظهور صورة فيها هو 70% في حين أن احتمال ظهور كتابة هو 30%؟ إن ما يقوله هذا ببساطة هو أن رهاننا على ظهور صورة في هذه الحالة لدى رمي قطعة النقود هو مماثل مثلاً لرهاننا على سحب كرة حمراء بشكل عشوائي من كيس يحوي 100 كرة بينها 70 كرة حمراء و30 كرة بيضاء! بهذه البساطة! أي أن فرصتنا في كسب الرهان في الحالتين هي نفسها!

هل هناك من تفسيرات أخرى للاحتمال؟

أجل بالطبع، هناك العديد من التفسيرات. وأحد أشهرها يقول مثلاً إنه عندما نقول إن احتمال ظهور صورة لدى رمي قطعة نقود متناظرة هو ½ فذلك يعني أنه لو رمينا قطعة النقود عدداً كبيراً من المرات، فستكون نسبة عدد المرات التي ظهرت فيها صورة إلى عدد الرميات الكلي قريبة من ½ وتزيد اقتراباً كلما كان عدد الرميات أكبر.§

ولكنني ركزت على التفسير المتعلق بمعرفتنا وجهلنا لأنه أحد أكثر التفسيرات شيوعاً واستعمالاً للاحتمال.

ماذا بعد؟

والآن، بعد أن أصبح لدينا هذا الفهم للاحتمال، نستطيع الغوص في تفسيرات ميكانيك الكم المختلفة والاختلافات الفلسفية بينها. فاستعدوا لرحلة لعوالم أغرب من الخيال في المرات القادمة!

كتب علمية، عربية، وغنية بالمعرفة .. للمبتـدئين

1

شاركنا رأيك حول "مدخل إلى الاحتمالات.. عالم ميكانيكا الكم حيث لا شيء يقيني"