محي الدين بن عربي
0

لقد كنت قبل اليوم أنكر صاحبي

إذا لم يكن ديني إلى دينه داني

لقد صارَ قلبي قابلًا كلَّ صُورةٍ

فمرعىً لغزلانٍ ودَيرٌ لرُهبَانِ

وبيتٌ لأوثانٍ وكعبةُ طائفٍ

وألواحُ توراةٍ ومصحفُ قرآن

أدينُ بدينِ الحبِ أنّى توجّهتْ

ركائبهُ، فالحبُّ ديني وإيمَاني

من ديوان “ترجمان الأشواق“.

من هو محيي الدين بن عربي؟

الشيخ محيي الدين بن عربي هو محمد بن علي بن محمد بن أحمد بن عبدالله الحاتمي الطائي، تعود أصول أسرته لأشهر القبائل العربية وهي قبيلة طي، وُلد في مرسية في الأندلس عام 560 هجري، لكنه نشأ وترعرع في إشبيلية في بلاط الحاكم الموحدي أبو يوسف الأول. يعد محيي الدين بن عربي من كبار رجال التصوف، وأطلق عليه مريديه العديد من الألقاب منها الشيخ الأكبر، وسلطان العارفين، والبحر الزاخر، وإمام المحققين.

يعتبر ابن عربي من أهم رجال التصوف والحكمة، لقد تميز بغزارة الإنتاج الفكري، كما ألّف عددًا كبيرًا من الكتب أشهرها “فصوص الحكم“، و”الفتوحات المكية“، و”تفسير القرآن لابن عربي”، و”ديوان ترجمان الأشواق”.

من لغة الطبيعة المشتركة بين البشر إلى حلقات النار والمعابد.. كيف أصبحت الموسيقى جزءًا من الطقوس الروحية؟

فلسفة التأويل عند ابن عربي

إن التأويل عند ابن عربي هو معرفة مآل الشيء وحقيقته، وأصله الذي منه بدأ وإليه يعود، وهو العبور من الظاهر المادي إلى الباطن الروحي، وهو تجاوز إطار اللغة الإنسانية في محدوديتها واصطلاحاتها الضيقة، لفهم أعمق لمعنى الوجود، وفهم “اللغة الإلهية” في إطلاقها ودلالتها الذاتية، ويعتبر ابن عربي أن التأويل لا يعني أبدًا ترك الظاهر بشرائعه وتفسيراته، وإنّما يعني الانطلاق منه لفهم الباطن فهمًا روحانيًا، يجعل المؤمن يصل لمرتبة أعلى من الحقيقة والمعرفة، فالعلاقة بين الظاهر والباطن لا تقوم على التناقض والتضاد بل على التفاعل والتداخل.

التأويل أحد الطرق الباطنية الموصلة إلى الله، فالإدراك الصوفي لباطن الشريعة وحقيقة الوجود إنّما يُستمد من الحقيقة الأصلية لكل من الوجود والشريعة، إنَّ ثنائية الظاهر والباطن وعلاقتهما الجدليّة المتفاعلة، تتخذ في فكر ابن عربي أشكالًا عديدة، ومستويات عدة مختلفة، لكنها ليست متناقضة، فالنبوة بالنسبة لابن عربي بكل مظاهرها وتجلياتها تمثل المستوى الظاهر من الشريعة، أما الولاية بكل مراتبها تمثل المستوى الباطن، والمقصود بالولاية هنا مجاهدة النفس ومعرفة حقيقة الوجود، فالنبوة لدى ابن عربي موهوبة أما الولاية فهي مكتسبة وتكتسب بالعمل الصالح وزجر النفس ومعرفة الباطن.

يعتبر ابن عربي أن النبوة بجوهرها تنطوي على الولاية، والولاية لدى ابن عربي هي نوعان الولاية العامة والولاية المحمدية الخاصة، لذلك فدائرة النبوة هي نفسها دائرة الولاية العامة، فقد مثّل الأنبياء ابتداءً من آدم وانتهاءً بعيسى، حلقات متتابعة من الولاية العامة، وبالتالي فالولاية العامة لابن عربي هي التي تمثل الظاهر، وقد اكتمل الظاهر برسالة النبي محمد ومنه نستنتج أنّ النبي محمد هو خاتم الأنبياء، وبالتالي فإن الشريعة الإسلامية تكون قد ختمت دائرة الولاية العامة، وكانت بداية الولاية المحمدية الخاصة، فاختص بها العلماء والعارفين من أتباع الشريعة الإسلامية.

الولاية الخاصة لدى ابن عربي هي معرفة باطن الشريعة، والذي من خلاله يمكن أن يفهم الظاهر ويؤوّل على أساسه، أما القادر على تأويل الشريعة فهو العارف بالله والباطن، ومتبع الشريعة أي الظاهر، وقد اعتبر ابن عربي أن هذا العارف لا يخلو منه زمان، وسماه القطب أي الإنسان الكامل العارف بالظاهر والباطن، والذي يستمد معرفته وفهمه من مصدرها الأصلي من خلال معراجه الخيالي وترقيه في المقامات والأحوال المختلفة.

وقد قال ابن عربي أن الفارق بين النبوة والولاية هو فارق أساسي فالنبوة بالضرورة تتضمن الولاية، لأن الظاهر يشير للباطن ويتضمنه، أما الولاية لا تتضمن النبوة لأن الباطن لا يحتاج للظاهر، لذلك فإن الطرق إلى الله تتعدد بتعدد السالكين، لكن هذا لا يعني أن تعدد الطرق قد يؤدي لتناقضها واختلافها، إنما على العكس من ذلك فهي كلها سواء لأن التجليات الإلهية واحدة، والحقيقة واحدة، وإن اختلفت الزاوية التي ينظر إليها، فكل سالك يقف عند حدود معراجه الخاص، ويعبر عن مدى معرفته الخاصة التي تعكس المدى الذي وصل إليه في معراجه.

 القصة وراء المولوية “رقصة الدراويش” كاملة!

المعنى الصوفي للولاية

ومنه نعلم أن الولاية “بمعناها الصوفي” تعني الوصول إلى غاية المعراج الصوفي ولا تعني اكتساب النبوة، فالولاية هي العلم بالأسرار الإلهية والاطلاع على غوامضها، فهي سارية في عباد الله من رسول وولي وتابع ومتبوع، فالولاية هي معرفة الحقيقة الروحية، والوصول إلى الله، وبالتالي هي نبوة تحقيق لا تشريع، بينما النبوة تجمع بين التحقيق والتشريع أي الظاهر والباطن.

نستنتج من ذلك أن فكرة الولي أو الإنسان القطب لدى ابن عربي لا يأتي شريعة جديدة أو ينسخ أحكامًا من أحكام الشريعة المقررة أو الموجودة، بل هو يأتي بفهم جديد مستمد من المصدر الأصلي الذي استمد منه النبي ذاته، فالصوفي من يستمد فهمه من روح النبي، لقد فهم ابن عربي القرآن الكريم والأحاديث النبوية فهمًا يقينيًا قائمًا على الكشف، مسلمًا تسليمًا كاملًا بهما داعيًا للوصول إلى الله عن طريق البصيرة والبينة، معتبرًا أنَّ المتصوفة والعارفين هم ورثة الأنبياء معتمدًا على الحديث الشريف “إن العلماء هم ورثة الأنبياء”.

لقد استطاع ابن عربي أن يتجاوز في تأويله للقضايا القرآنية المعروفة في الفكر الإسلامي بشكلها الفقهي ليجد في القرآن كل شيء، ويقرأ فيه الوجود بأسره، لقد اعتبر أن القرآن هو الدال اللغوي والتعبير اللفظي عن كل مراتب ومستويات الوجود، فهو الرمز الدال والوجود هو المدلول والمرموز إليه، لقد فهم ابن عربي العلاقة بين الرمز والمرموز من خلال رحلة صوفية معراجية إلى عالم المرموزات المجردة، واستطاع أن يحل شيفرة الرمز على مستوى الوجود ومستوى النص معًا، مع ذلك فقد اعتبر ابن عربي في كتابه تفسير القرآن أن تفسيره هذا هو حد من حدود المعرفة الباطنية، بمعنى آخر أنه قد يأتي عالم صوفي آخر يمكن أن يؤوّله بحد آخر من حدود المعرفة.

لقد حاول ابن عربي من خلال أفكاره ومعتقداته الفلسفية والصوفية أن يتجاوز تناقضات الواقع وصراعاته، ساعيًا لحل كل تلك الصراعات على مستوى الفكر والعقيدة، لقد انتهى به المطاف ليصل إلى عقيدة الحب الشاملة والرحمة الإلهية التي فُتح بها الوجود، مع العلم أنَّ أفكار ابن عربي بقيت ذات طابع فكري وعقلي محض، ساعيًا للوصول لحقيقة الإيمان المطلق من خلال هذا الفكر العقلي، ليؤمن بهذه الحقيقة المطلقة إيمانًا قلبيًا صافيًا معتبرًا أن بداية الحب والعشق الإلهي تأتي عن طريق المعرفة العقلية.

 د. مصطفى محمود ورحلة كتاباته المثيرة من الشك لليقين

مصادر المقال:

فلسفة التأويل، للكاتب د. نصر حامد أبو زيد”

تفسير القرآن لابن عربي

إنشاء الدوائر لابن عربي

0

شاركنا رأيك حول "كيف اتفق التأويل الصوفي والمعرفة العقلية عند محيي الدين بن عربي"