سربرنيتسا
1

نمضي معًا إلى “البوسنة والهرسك“، يزورنا عبق تاريخ عريق حافل بالأحداث، ولوحة تشكلها عرقيات مختلفة ومنعرجات كثيرة، ودماء!

نتوقف عند سربرنيتسا أو “مدينة الفضة”، تلك المدينة الجبلية الصغيرة، الواقعة شرق البلاد الشهيرة بتصنيع الملح والمعادن.
نتأمل تلالها الخضراء، مليًّا، كي نستذكر تفاصيل الرواية حين كانت سربرنيتسا مسرحًا للمذبحة الشهيرة التي وقعت في 11 يوليو 1995.§

سربرنيتسا ، مدينة الفضة
سربرنيتسا، مدينة الفضة

ما القصة وراء مذبحة سربرينتسا؟ ولماذا اعتبرت أكبر مجزرة بعد الحرب العالمية الثانية؟

دعونا نرى..

علي عزت بيجوفيتش في ذكرى وفاته.. قراءة في حياة الرئيس البوسني والمفكر الراحل – الجزء الأول

كرونولوجيا الأحداث قبل مذبحة سربرنيتسا

سقط الاتحاد السوفيتي سنة 1990، فانهار المعسكر الشرقي بعد عقود من أحداث حافلة، وتزعزعت معه الدول التي كانت منضمة إليه، بعد أن بانت تأملات الشعوب وتطلعاتها من أجل نيل الاستقلال.

اتضح ذلك جليًّا في الاتحاد اليوغسلافي الذي كان يضم كلا من: كرواتيا وسلوفينيا ومقدونيا والجبل الأسود والبوسنة والهرسك وكوسوفو.

فبعد سنوات من الهيمنة الصربية، أخذت كل من كرواتيا ويوغسلافيا استقلالهما قبل نهاية 1990، الأمر الذي شجع باقي العرقيات على الاستقلال، على غرار مقدونيا والبوسنة والهرسك.

الاتحاد اليوغسلافي سابقا
الاتحاد اليوغسلافي سابقًا

أعلنت صربيا حربها على البوسنة والهرسك في أبريل 1992 مباشرة بعد أن تم الاعتراف رسميًا بها كدولة من طرف المجتمع الأوروبي، والولايات المتحدة الأمريكية. عُرف ذلك بحرب البلقان، وتبعه صراع عنيف أعقب الهجوم على الأراضي البوسنية، من أجل تأميم الأراضي الصربية بدعم من الحكومة والجيش اليوغسلافي الشعبي.

رافق ذلك تطهير عرقي للسكان غير الصرب، نظرًا لاحتواء البوسنة على شعوب من خلفيات مختلفة: البوشناق المسلمين (%44) و الصرب الأرثوذكس (%31) والكروات الكاثوليك (%17).

السيناريو

كانت مدينة سربرنيتسا في غضون ذلك بؤرة لجوء لأكثر من 30 ألف بوشناقي مسلم بعد هروبهم إليها من المناطق المجاورة، التي أحكم الصرب سيطرتهم عليها خوفًا من عمليات التطهير الواسعة.

حاصرت القوات الصربية جبال المدينة وقد استعانت بوحدات دعم قادمة من كرواتيا. بالمقابل، تطوع مسلمو المدينة من القرويين والحرفيين والشباب للدفاع عنها بأسلحة بسيطة كبنادق الصيد. غير أن الصرب أحكموا قبضتهم على المدينة، وأتموا حصارها بعد 10 أيام، من الاقتتال بين الطرفين.

ونظرًا لكون المدينة “منطقة لجوء”، تم إعلانها منطقةً آمنة من قبل الأمم المتحدة في أبريل 1993، وخُصصت لها كتيبة دفاع هولندية مكونة من 400 فرد، مقابل تسليم سكان المدينة لأسلحتهم.

انقسم سكان المدينة إلى فريقين: فريق من المدنيين الذين لجأوا إلى مقر الأمم المتحدة في بوتوتشاري، وفريق آخر رفض أفراده الاستسلام وتسليم الأسلحة و اختار الخروج عبر الغابات المحيطة بسربرنيتسا وصولاً إلى أقرب مدينة يسيطر عليها الجيش البوشناقي وهي توزلا.

يستذكر البوسنيون البوشناق تلك الغابات فيطلقون عليها اسم “طريق الموت”، لأن القوات الصربية كانت تنصب فيها الكمائن لإبادتهم، ويعتبرونها وحشًا لا يقل ضررًا عن أسلحة الصرب الفتاكة.

أما الفريق الآخر، الذي اختار اللجوء إلى الأمم المتحدة، فقد كان عدد أفراده من 25 إلى 30 ألفًا، غير أن القوات الهولندية استقبلت خمسة آلاف فرد فقط وطردت البقية، الذين اختاروا التجمع في مصنع للبطاريات أمام المقر.

هناك، بدأت عمليات الفصل بين الرجال والنساء والأطفال والشيوخ. وتمت تصفية كل الذكور ما بين 14 و50 عامًا، حيث اقتيدوا في شاحنات خاصة إلى ملعب رياضي في شمال سربرنيتسا ثم وضعوا في حقل وتمت إبادتهم عن بكرة أبيهم. بلغ عددهم حوالي الألفين. أما النساء، فقد اغتصبن وفق عمليات ممنهجة ثم قتلن وشُرد أطفالهن.

كل ذلك حدث على مرأى ومسمع من القوات الهولندية التي كان من المفترض بها أن تحمي المدنيين، لكن لم يحدث أي تدخل للدفاع عنهم.

بلغ عدد القتلى أكثر من 8000 قتيل، وسميت المذبحة بالإبادة الجماعية، واعتبرت أبشع مجزرة بعد الحرب العالمية الثانية.

شهادات حية لناجين من مذبحة سربرنيتسا

ليس بمقدور من عايشوا أحداث رهيبة كتلك وفقدوا أحد أفراد عائلتهم على الأقل أن ينسوا تفاصيلها. في نهاية المطاف، الذاكرة شهادة حية.

الدكتور إيلياز بيلاف أحد الذين عايشوا تلك الأحداث قال في تصريح له: “إن كانت الحياة في سربرنيتسا وسط الحصار جهنمًا، فالمسير في الغابات نحو النجاة كان الحفرة التاسعة في جهنم”.

أما الممرض “جاكانوفيتش” الذي كان في ميدان الحرب معالجًا للمرضى ومسعفًا لهم، رغم عدم توفر المواد الطبية، قال في حديث له مع الأناضول: “مررت على مجموعات من الأشخاص كانوا في وضع يرثى له.. كانوا جوعى وعلى وشك الهلاك، خصوصًا وأنهم تعرضوا لحملة تجويع (من قبل الصرب) طيلة 3 سنوات. بعضهم لم يعد يقوى حتى على الوقوف، فارتمى على جانبي الطريق، فيما ترتفع حشرجة آخر محتضرًا وسط عجز جميع المحيطين عن القيام بأي شي لإنقاذه”.

وعن هذه التجربة الأليمة صرح زولفو صالحوفيتش: “حاصرونا في الغابة، وانهمرت القذائف علينا، ولم يكن للبعض من مهرب إلا الاستسلام لهم، البعض بدأ بالانتحار لهول ما عانوه”.

ناجٍ آخر روى بألم كبير وفاة كل أفراد عائلته أثناء المأساة الإنسانية، واعتبره وصوله إلى بر الأمان وخروجه من سربرنيتشا معجزة ربانية.

شاهدة عيان رابعة قالت: ” كانوا يجمعون الرجال النائمين، يأخذونهم إلى الخارج، يسود الصمت قليلاً، ثم نسمع صوت نباح الكلاب، ثم صوت إطلاق النار، ويتكرر الأمر”.

تمت إدانة رادوفان كاراديتش الزعيم السياسي لصرب البوسنة، وحُكم على الجنرال العسكري راتكو ملاديتش بالسجن المؤبد في 2017، بعد أن صرح قاضي المحكمة في لاهاي بأن “الجرائم التي ارتُكبت تعد الأسوأ في تاريخ البشرية”§

الجنرال العسكري راتكو ملاديتش
الجنرال العسكري راتكو ملاديتش

لا يزال البوشناق يدفنون رفات موتاهم إلى يومنا هذا! ويحيون في الحادي عشر من يوليو من كل عام ذكرى المجزرة التي يسير فيها بعض الناجين والمتطوعين في “طريق الموت”، وأطلقوا عليه اسم “طريق الحرية” تجسيدًا لذكرى مأساة سوداء.

1

شاركنا رأيك حول "ماذا حدث في سربرنيتسا؟ القصة الكاملة لمذبحة كان مخرجها الوحيد “طريق الموت”"