الحب عند الفلاسفة
2

الحب جميل جداً… هو أجمل ما في الدنيا

هذا ما نقوله لذواتنا دائمًا، وما يدفعنا للاستمرار بابتسامة لطيفة ترتسم على معالمنا بينما نفكر بأنه من الرائع أن نحب وأن نكون محبوبين.

ولأن الحب أمرٌ لا يمكن التغاضي عنه في حياتنا، لا بد بداية أن نسلط الضوء على استخدامنا للفظ الحب، فهو في اللغة اسم لصفاء المودة، لأن العرب تقول لصفاء بياض الأسنان ونضارتها “حبب الأسنان”. وهو درجات أولها الموافقة، المؤانسة، المودة، الهوى، الخلة، المحبة، الشغف، التيه، الوله، العشق.

وعليه فقد اتخذ موقعاً في نظريات الفلاسفة وأقوالهم، فما هي أشهر المقولات التي كتبها الفلاسفة حول الحب والتي لم تكن في أغلبها متفائلة وإيجابية؟

ماذا قال طاغور عن الحب؟

فيلسوف وشاعر هندي، عاشق روحي متيم، استطاع أن يقدم للإنسانية فلسفة خاصة ونثراً وشعراً ورواية تلامس الروح وتعانق الجمال. يقول في العشق الإلهي:

أنت هو السماء، وأنت هو العش، أيضاً.

إنك جميل، هنالك في العش يسكن حبك الذي يلف الروح بالألوان والأصوات والغرام.

السفسطائيون

الحب عند السفسطائيين هو الرغبة في الاتحاد الجسدي، أو هو الرغبة في التواد أو ميل إلى السلوك سلوك الود تحت تأثير منظر الجمال. هنا يكتمل الحب في الاتحاد الجسدي، ولكن لكي يتم هذا لا بد أن تكون ثمة مراحل سابقة تتلخص بالتودد والرغبة.

سقراط، أن نحب لا أن نتملك

“الخطأ ينشأ من اعتبار وجود الحب متحققاً حين نُحَب وليس حين نُحِب”

مقولة تنسب لسقراط في محاورة المأدبة لأفلاطون، على اعتبار أن كل ما وصلنا عن سقراط عن طريق ما كتبه أفلاطون، وتشير هذه العبارة إلى أن الخطأ في فهم الحب يتعلق برغبتنا بالتملك، أي أننا نربط شعورنا بالحب بوجود شخص يحبنا، ونتغاضى عن اللحظة التي نشعر بها نحن بالحب، وهذا لأننا نرغب بالدرجة الأولى أن نكون محبوبين.

أنشودة الحب عند أفلاطون

هنا الخير الذي ترغب فيه كل روح، هنا السكون الذي يتطلع إليه كل شخص، هنا الحب.

في محاورتيه المأدبة وفايدروس يتحدث عن الحب فيقول في المأدبة:

الحب إله عظيم تمتد قدرته إلى كل مكان، ويطوي تحت جناحيه كل شيء، وهو ذو سلطانٍ شامل متعدد الجوانب تسمو غاياته في السماء والأرض وسلطانه فوق كل سلطان، وقوته فوق كل قوة، وهو منبع كل سعادة ومصدر كل خير”.

أرسطو

مع المعلم الأول تختلف فكرة الحب لتصير انجذاباً للمحرك الأول، ففي كتاب الطبيعة يتحدث أرسطو عن العشق للمحرك الأول (الإله):

ابتداءً العشق إنما هو ما يعقله من العلة الأولى.

من جانب آخر يناقش أرسطو العلاقة بين الحب والصداقة في كتابه “الأخلاق إلى نيقوماخوس” فيقول:

فالحب إذاً، ينشأ عن الصداقة، أكثر منه عن الشهوة الحسية، وإذا كان ينشأ على الأغلب عن الصداقة، فالصداقة إذاً هي هدف الحب.

شيشرون الروماني والحب

يتخذ الفيلسوف والمؤرخ الروماني شيشرون موقفاً سلبياً تجاه الحب ويعتبره العقاب الأشد إيلاماً للإنسان.
يقول:

إن شهوة الحب تقتل العقل في الإنسان، لهذا فالامتناع والاعتدال ضروريان في الحب أكثر منهما في شيء آخر.

ابن سينا

في رسالته “سريان قوة العشق في كل الموجودات” يقول ابن سينا:

إن لكل واحد من الموجودات المدبرة شوقاً طبيعياً وعشقاً غريزياً ويلزم ضرورياً أن يكون العشق في هذه الأشياء سبباً لوجودها”.

ابن الفارض والحب الإلهي

في الحب الإلهي كتب ابن الفارض تائيته المشهورة التي يقول فيها:

المحبة ميل إلى الجمال فانجذاب المحب إلى جمال المحبوب ليس إلا لجمال فيه.

ابن عربي

فصوص الحكم أحد أهم الكتب الفلسفية، ويناقش ابن عربي في جزء منه فكرة الحب الإلهي فيقول:

الحب هو أساس العبادة، ولولاه ما عُبد شيء، لأن العبودية تقديس والتقديس سبيله الحب.

كيف اتفق التأويل الصوفي والمعرفة العقلية عند محيي الدين بن عربي

أندرو دو شابلين ونصائحه في الحب

يقدم المفكر الفرنسي دو شابلين عام 1174 نصائح في الحب وهي:

  1. على العاشق أن يتخلى نهائياً عن أي مطمع.
  2. عليه أن يراعي العفة والحصانة تجاه من يحبها.
  3. عليه أن لا يدمر علاقات الحب للعاشقين الآخرين.
  4. عليه أن لا يلاحق تلك المرأة التي يمنعها الخجل من التواد إليه.
  5. عليه أن يتخلى عن أي زيف أو كذب.
  6. ألا ينشر أخبار حبه على نطاق واسع.
  7. أن يخضع لمحبوبته في الحب.
  8. أن يكون متواضعاً.
  9. لا ينطق بالكلام المؤذي.
  10. أن يكون محترماً ولطيفاً.
  11. وألا يتجاوز رغبات محبوبته.

مثلت هذه النصائح دستور الأخلاق الغرامية اللطيفة، وانتشرت هذه الأفكار انتشاراً واسعاً تحت مسمى فن الحب.

شكسبير

يتحفنا شكسبير دائماً بأجمل العبارات، فيقول في حلم ليلة صيفية عن الحب:

الحب قادر على العفو عن الرذيلة
وتحويل النقائض إلى مروءة
ولا يختار بعينيه بل بقلبه
وبالمقابل يصورونه أعمى.

ويقول في قصيدة أخرى:

إن الحب لا يقاتل الوقت كالمهرج
إنه يتحمل ضرباته بصبر
وحتى النهاية، ودون الخوف من الفراغ
يتمسك بحافة الهاوية.

فالحب يعطينا القوة ويمنحنا الصبر ويدفعنا لفعل المستحيل.

سبينوزا

يعرّف الفيلسوف سبينوا الحب في كتابه الأخلاق بأنه: “الحب هو لذة ناتجة عن سبب خارجي” فالحب هو نوع من أنواع الانفعال لدى الإنسان كالكراهية، والحب الأسمى هو الحب العقلي وهو حب الله، لأنه لا يتعلق بانفعال الجسد.

لايبنتز

يذهب الفيلسوف الألماني لايبنتز إلى تفسير طبيعة الحب في رسالته إلى مالبرانش قائلاً:

الحب هو الميل إلى إيجاد الرضا والسعادة في خير، وكمال، وسعادة إنسان آخر، أو الميل إلى دمج خير الآخرين بخيرنا الشخصي.

جان جاك روسو والحب

جاء الإنسان إلى الدنيا وهو يتوق إلى الحب.

هذا ما يقوله الفيلسوف جان جاك روسو، فرغم أن حياته العاطفية لم تكن كما يرغب، إلا أنه لم ينكر حقيقة وجود الحب فيقول:

الحب حيلة معدية، رجل كاد أن يموت من دون أن يعرف ذاته.

فهو قد عانى من الحب وخسر حبيبته التي تزوجت مركيزاً وتركته لوجعه، ولذلك يقول:

الحب ليس إلا وهماً، أعترف بذلك، إلا أنه يحوي حقيقة واحدة تتمثل فيما يولده فينا من شعور بالجمال الحقيقي الذي يجعلنا نحب.

سيمون دي بوفوار

قصتها مع الفيلسوف جان بول سارتر جعلتها تقول عنه بعد سنوات: “إنه أكبر إنجاز في حياتي”، هذا الإنجاز دفعها لحلم جميل:

يا لها من متعة أن يضع يده على كتفك، يداً معروفة ومعهودة، لا تكاد تحس بثقلها، ولا تحس بالوحدة بعد ذلك، ويا لها من جملة رائعة مخلوقان ومتحدان.

يدفعنا الكلام السابق إلى التفكير بضرورة التمسك بالحب، فما هو أجمل من القول بأن من نحب هو أكبر إنجاز لنا، وربما هذا ما دفع سيمون في المثقفون للقول:

ليس هناك حب، ما لم نحب في المحبوب كل شيء، وأي شيء.

إيريش فروم

في الحب يحدث أن اثنين يصبحان واحداً ومع هذا يظلان اثنين.

فالحب هو قوة فعالة في الإنسان، قدرة تقتحم الجدران وتجعله يتغلب على الشعور بالعزلة والانفصال. في فن الحب يوضح فروم كيف نتحول من كوننا متملكين لمحبوبنا إلى عيش كينونتنا مع من نحب، فالحب ليس أن نتملك وإنما أن نكون.

 فن الوجود: إريش فروم وكيف نرغب أن نعيش؟

ستاندال

في العام 1822 قال ستاندال:

أن تقع في الحب، هو أن تشعر فوراً أنك مبتهج لسبب ما، وهذا السبب لا يمكن أن يكون مبهجاً إلا لأنه يجسد شكلاً مثالياً. من دون أن يعني ذلك أن المحبوب كيان كامل مكمل.

هذا الفيض من المشاعر، قد يشعر به أي واحد منا، ولا يستطيع تفسيره بعبارة دقيقة، ونجد أنفسنا مبتهجين ومضطربين، إنه الحب.

تشيزاري بافيزي

شاعرنا الإيطالي يرى الحب من زاوية مختلفة، فالحب بالنسبة له كالمرآة التي تعرينا وفي هذا يقول:

إننا لا ننتحر بسبب الحب من أجل امرأة، بل ننتحر لأن الحب، أي حب يكشف عُرينا، وبؤسنا، يظهرنا عُزلاً وسط العدم.

أراغون وإلزا

محبوبته إلزا تملكت كل شيء فيه ودفعته ليقول:

يوم التقيت بكِ
أنت يا من شقّت يداها
الطريق الصعبة أمام جنوني
لقد ولدت حقاً من شفتيك
أنت يا من تبدأ حياتي بكِ.

هذا الكلام المفعم بالمشاعر ليس إلا غيضاً من فيض عند أراغون، فها هو يقول: “إلزا هي التي جعلت واقعي في هذا الصيف اللامتناهي، هو قضايا الإنسانية”.

بلزاك

الحب توافق بين الحاجات الحيوية والمشاعر الوجدانية.

هذه العبارة قد تختصر فعلاً ما شعر به بلزاك تجاه محبوبته التي عانى في حبها، وربما هي التي ألهمته ليكتب روايته (زنبقة في الوادي)، وليعترف قائلاً:

ما من حب من دون أن يجرح، وما من حب من دون أن نذبل فيه، وما من عشق من دون قلق يفيض من الأعين، فالمشاعر جميعها معذِبة ومعذَبة، إذاً لا بد أن نمرّ بالحب، وإذا لم نجده لا بد أن نبتكره.

أينشتاين

سيكون آخر من نكتب عنه، وربما يعود السبب إلى أنه كان عالماً، ويعتقد الكثيرون أن العلماء لا يهتمون بالعواطف، لكن هذا الاعتقاد يتصف بالنسبية، لأن المشاعر جزء من كينونة الإنسان، وأينشتاين أحب زوجته حباً جماً فكتب إليها يوماً:

الحب فعل إيجابي، والإنسان فيه ينهض ويتعثر، ويخطو ويسير، ويتعلم.

إن الحب جزء من حياتنا، هو طريقتنا لكي لا نكون وحيدين، يعزينا ويعطينا الأمل، ورغم أنه قد يكون موجعاً، إلا أن عيش لحظة حب صادق تستحق المحاولة، لربما يكون ما قاله المفكر الهندي نيسار كادتا مهراج:

إن الحياة هي الحب، والحب هو الحياة.

على حد تعبير الكاتب علي حسين، كافياً ليجعلنا نتساءل عن الحب ونبحث عنه؟

المراجع:

[1] معن زيادة وآخرون، الموسوعة الفلسفية العربية، الجزء الأول.

[2] علي حسين، سؤال الحب من تولوستوي إلى اينشتاين، دار المدى، 2018م.

[3] فياتشيسلاف شستاكوف، الإيروس والثقافة، ترجمة نزار عيون السود، دار المدى، 2010.

2

شاركنا رأيك حول "من أفلاطون حتى أينشتاين: أشهر المقولات والآراء الفلسفية عن الحب"