0

لطالما اعتبر الأدب مرآة للحضارة والتاريخ، لا يقتصر تقديهما على الكتب غير الروائية، بل يمكن أن تستر معالمها وتقدم بطريقة مميزة بين طيات الروايات. فتتناول هذه الأخيرة قصصًا ترتبط بحقب معينة أو بتراث محدد أو بشخصيات واقعية مؤثرة. بهذه الأمور تحديدًا، يقدم العالم العربي وجبة دسمة للكتاب من مختلف العالم، فما يتوفر عليه يثير فضول كل أديب ويحرك قلمه.

جيلبرت سينويه من بين هؤلاء، فإن كان حبره يسطر الكلمات باللغة الفرنسية، فإنَّ ارتباطه بالعالم العربي واضحٌ أثره في رواياته، التي تتناول لمسة عربية، كآخر رواياته التي نشرت منذ أيام، تحت عنوان “Le Faucon – الصقر”، والتي تتخذ من الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان بطلًا لها.

نرشح لك قراءة: حقائق عن الإمارات تميزها عن كل العالم (17 حقيقة)

جيلبرت سينويه بين العالمين العربي والغربي

جانب من مؤلفات جيلبرت سينويه

جيلبرت سينويه اتبع مسارًا غريبًا” بهذه العبارة، يبدأ الموقع الرسمي للكاتب في تقديم سيرته الذاتية. حيث ولد جيلبرت سينويه في مصر سنة 1947 لأب مصري ملكي وهو مسيحي شرقي من الطائفة الكاتوليكية اليونانية. ترعرع في جو متعدد الثقافات، حيث يقول عن ذلك أن “القاهرة في تلك السنوات كانت نوعًا من قرطبة أو غرناطة، حيث عاش اليهود والمسيحيون والمسلمون في وئام تعجيزي”.  الأمر الذي ساعده آنذاك في تشكيل ثقافته الذاتية المنفتحة والمتنوعة.

رواية الصفر للكاتب جيلبرت سينويه
صورة لِلكاتب جيلبرت سينويه في لقائه مع مكتبة La galerne

خلال سنواته في مصر، كان يعيش على متن قارب لوالده اشتراه من الملك فاروق وحوله إلى سفينة سياحية. هناك، يقول سينويه أنه رأى يومًا المغني البلجيكي العظيم جاك بريل Jacque Brel يغني، حينها أدرك أنه سيؤلف هو الآخر أغاني يومًا ما. وقد فعل ذلك حقًا، فبعد سفره لفرنسا لدراسة الغيتار الكلاسيكي في المدرسة العليا للموسيقى في سن التاسعة عشر، ألف الكاتب كلمات مجموعة من الأغاني لإيزابيل أوبريت، كلود فرانسوا، داليدا، جان ماريه، ماري لافوريت، جان كلود باسكال…

في سن الأربعين، غير الكاتب مسار كتاباته، فبدل تأليف الأغاني اتجه إلى تأليف الروايات وقد تميز في ذلك نظرًا لثقافته الواسعة وحُسن اختياره لمواضيع رواياته وكذا أسلوبه المميز. حصد العديد من الجوائز أهمها: جائزة Jean d’Heurs عن روايته “La Pourpre et l’olivier”، جائزة الأدب اللاتيني عن روايته “المصرية / L’Egyptienne” والجائزة الكبرى للأدب البولوسي عن روايته “صمت الآلهة / Le silence de Dieu” وغيرها.

روايات عن “الشخصية العظيمة”

مؤلف الصقر
جانب من مؤلفات جيلبرت سينويه

يهتم جيلبرت سينويه في تقديم روايات حول “الشخصيات العظيمة”، وهذا ما لوحظ في معظم أعماله الأدبية كتقديم شخصية ابن سينا في رواية “ابن سينا أو الطريق إلى أصفهان”، شخصية المسيح في رواية “أنا، المسيح”، شخصية محمد علي في “الفرعون الأخير”، شخصية جمال عبد الناصر في رواية “النسر المصري”، شخصية أخناتون في رواية “الإله الملعون”… وآخرها شخصية الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان في رواية “الصقر”.

ابن سينا أو الطريق إلى أصفهان - الصقر - جيلبرت سينويه
من مؤلفات جيلبرت سينويه رواية ابن سينا أو الطريق إلى أصفهان.

وفي ذلك، قال سينويه في أحد لقاءاته إن “شخصيات رواياته هي من تختاره وليس هو من يختارها. فتنوعه الثقافي الذي بدأ منذ صغره وكثرة قراءاته واطلاعه جعلاه يرى في كل ما يبحث عنه من مواضيع شخصية مميزة تستحق أن تصبح محور عمل أدبي كامل.

زايد بن سلطان آل نهيان شيخ عربي في رواية فرنسية

في 4 من يونيو 2020 أصدرت دار النشر الفرنسية Gallimard أحدث روايات الكاتب جيلبرت سينويه والتي تدور أحداثها حول شخصية الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان بعنوان “الصقر”. يبلغ عدد صفحات الرواية 288 صفحة، وهي متاحة ورقيًّا وإلكترونيًّا عبر المكتبات الإلكترونية.

رواية الصقر - الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان
صورة لغلاف رواية “الصقر Le faucon” للكاتب جيلبرت سينويه

“أنا هنا عند غروب حياتي. ولدت في 6 مايو 1918. أبلغ من العمر ستة وثمانين عامًا.

حقيقة واحدة مؤكدة: أملك ألف سنة من الذكريات.

في هذه الساعة التي يتضاءل فيها اليوم، جالسًا متصالبًا في الجزء العلوي من هذه الكثبان الرملية، كما كنت أفعل في شبابي وسط بدو قبيلتي، أرى تلك الذكريات تستعرض أمامي في موكب على خط الأفق.

أرى مدنًا متشابكة في شعر الزمن. مدنًا ذات طرق شاسعة تم تشييدها ها هنا، على أرضي حيث لا توجد سوى طرق الريح. أرى ناطحات السحاب والحدائق، هنا، حيث لم تنمُ سوى حديقة من الصخور. أشجار النخيل، غيوم من أشجار النخيل. مدارس، جامعات، مستشفيات، متاحف والعديد من الأحلام التي أصبحت حقيقة؛ سرابٌ أصبح من الحجر والفولاذ.

لم يكن الأمر سهلًا، ولكنه كان مبهجًا.

سحبت من أحشاء الصحراء بلد يعرف أهل الغرب اسمه : “أبو ظبي”.

اسمي قد لا يكون معروف لك.

اسمي الشيخ زايد.”

A propos – Le faucon / رواية الصقر – ترجمة أراجيك

بهذه الكلمات طرز سينويه غلاف كتابه، والذي يدور حول شخصية الشيخ زايد مؤسس أبو ظبي والحاكم الأول للإمارات العربية المتحدة والعنصر الفعال في توحيدها. حيث أن الكاتب يصرح في آخر ما كتب بطريقة غير مباشرة أن هذه الشخصية العظيمة قد لا يعرفها الكثير من الغربيين. ولذلك قدمها في روايته للعالم الغربي -وللناطقين باللغة الفرنسية بالدرجة الأولى- حتى تحظى ولو بالقليل مما تستحقه.

اختار الكاتب “الصقر” كعنوان لروايته. وقد يرجح ذلك لاعتبار أن الصقر هو الرمز الوطني لدولة الإمارات العربية المتحدة، أو لممارسة الشيخ زايد لهواية الصقارة كما هو متعارف عليه في الأوساط العربية العامة. وبالتالي، يمكن التأكيد دونما الحاجة إلى قراءة محتوى الرواية، أن الكاتب اختار عنوانًا مناسبًا لعمله الأدبي يتناسب بشكل أساسي مع الشخصية العامة التي يقدمها.

Le faucon / الصقر مقتطفات من مذكرات شخصيات متعددة

بعد صدور رواية “الصقر” بأيام، ومن أجل تقديم نبذة عن محتواها للقارئ، تم إتاحة أول 30 صفحة من نسختها الإلكترونية بالمجان. وباطلاعنا عليها، يتضح أن الرواية مقدمة بأسلوب مميز، حيث تروي الشخصيات الأحداث التي حصلت لها بأسلوب روائي مباشر. يبدأ كل فصل بمكان وتاريخ معين يؤطر الأحداث وكأنما يقدم الكاتب عمله على شكل مقتطفات لمذكرات شخصيات متعددة.

الفصل الأول يبدأ بـ  “العين، أكتوبر 2004”، حيث يروي فيه الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان بأسلوب المتكلم جزءًا من حياته، بدءًا من ولادته وشجرة عائلته، إلى عائلته وعلاقاته الأسرية بإخوته وأبنائه. يسرد أيضًا كنوع من التقديم اختلاف الوضع بين أبوظبي اليوم وما كانت عليه، وتمكنه من كسر حاجز المستحيل وتحقيقه على أرض الواقع ما كان يحلم بإنشائه.

“لقد شكلتُ أمة مثلما يشكل الخزاف الأشكال من الطين. فعلت المستحيل، ووصلت إلى الشواطئ التي قال الجميع إنه لا يمكن الوصول إليها. ليس سعيًا لمجدي، وإنما لمجدنا جميعًا. لم أكن وحدي. فقد رافقتني ذكرى آبائنا، أولئك الذين تحمّلوا بالصبر آلام الحياة القاسية، في بيئة معادية ومناخ خال من الإحسان.”

رواية “الصقر” ص. 12 – ترجمة أراجيك

من الواضح أن اختيار تاريخ الفصل لم يكن عبثًا، فلمن لم يتابع سيرة الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، فلقد توفي هذا الأخير في نونبر 2004. أي بعد شهر من “السرد” المقدم ها هنا. وبالتالي، فيتضح للقارئ أن الكاتب اختار هذا التاريخ لتقديم الرواية كنوع من المذكرات، حيث تسرد الشخصية في آخر أيامها ما واكبته من أحداث منذ ولادته، أي كنوع من استرجاع كامل للذكريات.

ينتقل الفصل الثاني إلى “واحة العين ، 15 سبتمبر 1948” بلسان المتكلم Wilfred Thesiger، وهو الكاتب البريطاني الذي يروي تفاصيل لقائه مع الشيخ زايد أول مرة والصداقة التي جمعتهما معًا بعد ذلك.

زايد بن سلطان آل نهيان
صورة للشيخ زايد يحمل صقره من التقاط المصور والكاتب Wilfred Thesiger

من الواضح أن العمل سيتضمن شخصيات فرعية متعددة كان لها علاقة مباشرة مع الشخصية الأساسية للعمل. حيث سيعتمد الكاتب -لا محالة- على تقديم الشيخ زايد من خلال علاقاته مع من حوله إلى جانب سرده على لسانه سيرته الذاتية والأحداث الكبرى التي حدثت له طيلة حياته.

وبالتالي، وفي قالب روائي مميز، وبلغة فرنسية بليغة وأسلوب في الحكي والسرد يشهد له الكثيرون منذ روايته الأولى، يقدم سينويه شخصية الشيخ زايد؛ واحد من أهم الشخصيات العربية في القرن العشرين.

0

شاركنا رأيك حول "Le faucon / الصقر: رواية جديدة للكاتب جيلبرت سينويه بطلها الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان"