رواية "نسخة معيبة" للكاتبة "سارة كوتنر".
0

تعتبر “سارة كوتنر” مذيعة ألمانية ومقدمة برامج حوارية وصحفية ذات عمود ثابت في جريدة ألمانية معروفة، وتعد رواية “نسخة معيبة” هي روايتها الأدبية الأولى، والتي تناقش فيها مرض الاكتئاب وأسبابه وتعامل البطلة “كارو” معه، في أسلوب قريب من الفكاهة غالبًا.

صدرت رواية “نسخة معيبة” سنة 2009 فحازت الاهتمام واعتلت قائمة الكتب الأكثر مبيعًا، وقد نقلها “المركز القومي للترجمة” للعربية سنة 2013 بترجمة “ناهد الديب”.

نسخة معيبة والعالم الجديد المسيطر

“الاكتئاب حدث سخيف” هي الجملة الأولى في رواية “نسخة معيبة”. يجعلك هذا تفكر، ويحملك على النظر بشكل خاص لمجتمعنا هذا. لا يبدو أن الناس يفهمون كلمة الاكتئاب فضلًا عن امتلاك قدرة على التعامل السليم معه. هذا شديد السوء في الحقيقة لكنه مفهوم في سياقه، فإن الحديث عن الاكتئاب والأمراض النفسية يتطلب رفاهية يصعب توفرها في مجتمع يحتوي هذه النسبة من الفقر والجهل.

أكون أحيانًا في حافلة الهيئة وأشاهد من النافذة بعض الناس ينتقون الطعام والأغراض الصالحة لإعادة الاستعمال من أكوام القمامة. أتوبيسات النقل العام ليست أنسب الأماكن للتأمل، لكن إن تيسر هذا فإن الفكرة الأولى تكون عن البون الشاسع بين هذا الواقع والقضايا “الخرافية” التي تطرحها هذه النوعية من الكتب.

الجهل مسؤول بطبيعة الحال، لكن المشكلة الأكبر القابعة خلف هذا الإنكار المجتمعي للأمراض النفسية هي مشكلة الخوف: الخوف من فتح أبواب جديدة وراءها كتلات من المسؤوليات؛ الخوف الذي تعرضه “سارة كوتنر” على لسان “كارو” بطلة “نسخة معيبة”: الخوف من التصنيف، من الأطباء، من الخروج من سواد الأصحاء إلى خانة المرضى المنبوذين، من فكرة المرض المزمن المفزعة، ومن خاطر لا يفتأ يخبرك بأنك لو كنت قويًّا ذكيًّا كالجميع لما اضطررت إلى طلب مزيد عما يطلبون (لهذا يجد المريض عزاء في العادة في مجموعات الدعم ونحوها).

في حالة الجهل يتوفر التبسيط، فيمكنك إخبار ابنك الذي يعاني من اكتئاب أو اضطراب ثنائي القطب أو شخصية حدية بأوامر مختزلة على غرار: اخرج لشم بعض الهواء، حسّن علاقتك بربك، انشغل بوظيفة، اخشوشن.

الاكتئاب والصورة المقرَّبة منزوعة الرومانسية

رواية "نسخة معيبة" للكاتبة "سارة كوتنر".

النظر إلى التاريخ يطرح سؤالًا مهمًّا آخر: هل كانت هذه الأمراض موجودة بالأمس؟ لا أشك في أن كثيرًا من المشاكل استحدثها الإنسان المعاصر فيما استحدث، لكننا نقطع بالتأكيد بأن كثيرًا من الحالات العقلية اليوم كانت متوافرة بالماضي مضمومة تحت اسم جامع هو الجنون.

كان الناس يموتون بسبب غياب البنسلين والتطعيمات، وكانوا يستبعدون من المجتمعات ويعيشون في شقاء لغياب أدوية الأمراض العقلية مع انعدام التصور لوجودها أصلًا. لا بد أن العيش خارج هذا الأمان المميز لعصرنا، ومحاطًا بكل الأخطار التي عالجها التقدم الحضاري، لعب دورًا تشتيتيًّا ممتازًا عن كثير من الحالات التي يمكن أن تنتج من الرفاهة الحديثة.

ولأن الناس مغرمون بالمبالغة ويذهبون بكل شيء إلى أقصى طرفيه، فإن المقابل لهذا التجاهل الجمعي للأمراض النفسية، وعيب المهتمين بها والسخرية من الساعين لعلاجها، المقابل لهذا هو الإغراق في تفاصيل وتضاعيف الحالات، وانغماس المعالج النفسي في الحياة العامة لمريضه بحيث يفقد المرء القدرة على التصرف من دون إرشاد مصطلحات علم النفس.

أذكر هذا لأنه جزء من انسياب أفكاري لكنه بالتأكيد لا يشغل مجتمعًا بحالة مجتمعنا الشاعر بالتهديد أبدًا إزاء العلم، المغذِّي لكثير من الأمراض النفسية كالوسواس القهري بالمفاهيم الدينية والعقلية الخاطئة.

على هامش الوعي

الكاتبة الألمانية "سارة كوتنر" صاحبة رواية "نسخة معيبة".
الكاتبة الألمانية “سارة كوتنر” صاحبة رواية “نسخة معيبة” التي تناقش فيها الاكتئاب وتداعياته.

“نسخة معيبة” للكاتبة الألمانية “سارة كوتنر” ليست رواية ممتعة، ليست مسلية حتى مع مجهود الكاتبة في إضافة السخرية والفكاهة للنص. واكبت المترجمة هذا بقدر المستطاع مستخدمةً عبارات عامية من نوعية “تمام التمام” و”في المشمش” ونحوها. الحقيقة -لاحظ أننا في تقييمنا للرواية المترجمة نقيم الأصل والترجمة على السواء- أن هذا زاد تقريبًا عن حده في نصف الرواية الثاني، وكثر جدًّا في الحوارات، ولست أدرى إن كانت الحوارات في الأصل بالعامية فدعت المترجمة إلى نقلها بما يلائمها. هذا ما أتمناه على كل حال، وإن كنت متأكدًا من أن عبارات مشوهة هجينة مثل “احنا سوف نحب بعض والا إيه؟” ليس لها ما يبررها.

مشكلة الروايات التعليمية أن القضية نادرًا ما تسمح بالإخلاص للفن نفسه. لو كانت “سارة كوتنر” لا ترى البطلة “كارو” إلا من خلال كونها وسيلة لعرض الأفكار، ونشر الوعي عن مرض الاكتئاب، وتفصيل حالة يستطيع كثير من القراء الاتصال بها والشعور بالقرب منها، لو كان هذا صحيحًا فنحن لا نتكلم عن رواية بالمعنى الكامل، بل حكاية وعظية تحذيرية كالتي يخبرها الآباء للأطفال.

لهذا، وبرغم تتابع الصفحات الغاصة بتفاصيل إنسانية تبدو صادقة، ترتكب الرواية أشياء تؤكد ما قلت، مثل حقيقة أن الشخصيات تظهر من العدم وتستقر فورًا في موضع محوري من الرواية، ومثل طابع اليوميات فاقدة الدافع السردي الذي وضع النهاية والبداية في نفس مستوى بقية النص.

لكن “نسخة معيبة” تفيدنا بما هو أكثر من نشر الوعي، فهي تعرض الصورة التي يحدث عليها اندماج أولئك الذي كف المجتمع عن رفضهم، وصعوبات هذا الاندماج الذي يجري بشكل متدرج. “كارو” بطلة الرواية محظوظة بعدد من الأصدقاء المخلصين، بالإضافة إلى الأسرة الداعمة التي كانت جزءًا كبير الأهمية في عملية تعافيها.

البطلة القريبة

“أنا مؤمنة بأن العلاج النفسي ليس عارًا لكي نخفيه، فأنا أعلم أن كل واحد من بين عشرة مواطنين يعاني من الاكتئاب أو من مرض نفسي آخر، وأعلم كذلك أن الروح تمرض، تمامًا كما تمرض المعدة أو الأوعية الدموية، كما أعرف جيدًا أن الشخص لا بد أن يكون على استعداد كامل لأن يكون واضحًا وصريحًا كي يتلقى المساعدة”.

مزية استخدام بطل القصة ليحكيها أن كل ما في النص من سطور يزيدك إدراكًا لطباعه وتعمقًا في فهمه: وصفه للآخرين، تفسيره لتصرفاتهم ودوافعهم، اللحظات الجادة وتلك التي يلجأ فيها للسخرية، والمشاعر المباشرة غير المنمقة من قبل راو خارجي منفصل يجيد التجميل. الكاتب الذي يحيط بهذه المسألة يحسن عرض شخصيته وربطها بالقارئ، وهذا شائع في الروايات التي تعلق شخصياتها الرئيسية بالأذهان ويقرر كل قارئ لها أنها وإن لم تعبر عنه فهو على الأقل يفهمها ويشعر بالانجذاب نحوها. السرد في “نسخة معيبة” بسيط يخلو من كل ما قد يعيق القارئ عن التماهي مع الشخصية.

في الصفحات الأولى نعلم من “كارو” أنها تعرضت في صغرها للاعتداء البدني بالضرب، والاعتداء الجنسي، والحرمان من الحنان، والخذلان، ومع ذلك فمدخل الرواية هو جهلها بسبب شقائها. نعرف مع مرور الوقت أن المشكلة الأكبر من هذه عجز بطلة “نسخة معيبة” عن الشكوى للآخرين، وحرصها على كتمان مشاعرها خوفًا من تنفير الآخرين، والنتيجة أن هذا يستحيل مع الوقت سخطًا يغادرها لا إراديًّا في صورة انفجارات صغيرة متقاربة.

التفكيك

“ستة شهور جمعت فيها حصيلة من المعلومات عن نفسي وتحدثت فيها مع الزملاء والأصدقاء حول ذات الموضوع. كل هذا بدون أي جدوى، فأنا غير قادرة على توظيف هذه المعلومات التوظيف الصحيح. يبدو كل شيء أثناء الجلسات منطقيًّا، ولكن عندما أخرج إلى الشارع وسط الناس أقول لنفسي: ما المطلوب مني الآن بالضبط حتى أعود إلى حالتي الطبيعية؟”.

الغلاف الأصلي لرواية "نسخة معيبة" للكاتبة "سارة كوتنر" - الاكتئاب
الغلاف الأصلي لرواية “نسخة معيبة” للكاتبة “سارة كوتنر”.

المفاهيم تأتي في حُزَم، وما دمنا لم نعد في العصر الذي يبجل الحزن، بل صرنا نطلق عليه أسماء عملية من قبيل الاكتئاب، فإننا فيما يظهر لم نعد أيضًا في العصر الذي يقدس الحب ويضعه فوق المساءلة والتحليل. العالم الحديث يتقدم بسرعة وهو حريص على قرن كل الأحداث بأسمائها، مولع بالتصنيفات والأحكام والتفكيك. القصص الأسطورية التي تحكي عن رجل أبصر امرأة فسحره جمالها فألجمه عشقها للأبد، لا تناسب هذا العالم.

لأجل هذا ترى في “نسخة معيبة” ثلاث علاقات لـ”كارو” تحدث على هامش تعاملها مع الاكتئاب وتخلو من أي محورية. حتى العلاقة المسممة التي بدأت هذا الانهيار ودفعتها دفعًا إلى رحلة العلاج، حتى هذه العلاقة لا أجدها إلا مبررًا تشبث به عقلها المحتاج أساسًا إلى الإصلاح.

هذه العلاقة الأولى بالتحديد، وطرفها الآخر يدعى “فيليب”، تريك مأساة أشد من غياب الأحلام وامتناع تحققها: مأساة الأحلام الناقصة التي لا بقيت عدمًا ولا باتت واقعًا مشبعًا. الرواية تغوص تحت معنى الحب الرفيع المهيب المتعالى عن السفاسف، تجره إلى أرضنا أرض الفانين وتخضعه للفحص، وإذ تفعل ذلك فإنه يخرج معيبًا مليئًا بالنواقص.

يريك هذا التعديد للعلاقات المتنوعة الفارق بين ما يحتاج إليه المحب وبين ما يظن -من خلال التأثير الإعلامي- أنه يريده، يحلل لك ما يسميه الناس حبًّا إلى عوامله الأولية فتراه مكونًا من قبائح هي الخوف من الوحدة ونحوها من تجليات الأنفس السقيمة.

لكن أهم ما في النص عندي عرض عيوب عملية العلاج التي يبالغ الناس في تصويرها باعتبارها كاملة مضمونة النتائج. ففي هذا التحرك الوئيد للصفحات نرى أن المسألة أعقد من مجرد تناول حبة تحسن مزاجك وتزيل عنك العلل.

نشاهد في رواية “نسخة معيبة” مراحل العلاج وتطور تعامل البطلة مع المعالجة وتغير تصورها الأول عن المرض مع استمرار التعايش معه.

0

شاركنا رأيك حول "رواية نسخة معيبة لسارة كوتنر: عن الاكتئاب والصورة المقرَّبة منزوعة الرومانسية"