التشابك الكمومي
0

كنت قد ذكرت في مقالتي السابقة في هذه السلسلة، أنني سأبدأ بعرض التحديات التي تعرّض لها تفسير كوبنهاغن لميكانيكا الكم. إلا أنني وجدت أنني كنت مضطراً لشرح التشابك الكمومي § بإيجاز من أجل نقاش تلك التحديات، وبذلك لا أكون قد أعطيته حقه من الشرح الوافي كي تصل فكرته للقارئ بعمق. ولهذا، فقد ارتأيت أن أفرد لكم هذا المقال الكامل عن التشابك الكمومي، هذه الظاهرة التي تجسّد أغرب ما في ميكانيكا الكم بحق، وأكثر ما فيه إدهاشاً، كي ننطلق فيما بعد وعلى أرضية صلبة ومتينة، لنقاش تفسيرات ميكانيكا الكم المختلفة والتحديات التي تواجهها.

تثبيت الأساسيات

كنا قد ذكرنا في مقال “في عالم ميكانيك الكم الأغرب من الخيال.. من الحتمية إلى الاحتمالات!” أن حالة الجملة تمثل بموجة احتمال (دالة موجية)، وأنها قبل القياس، تكون عبارة عن مزيج من الحالات الممكنة بعد القياس وبنسب مختلفة.

لنأخذ خاصية محددة للإلكترون على سبيل المثال، ألا وهي السبين §. وكي لا ندخل في مصطلحات ومفاهيم تخصصية، يكفي لأغراضنا هنا تصور السبين كشعاع صغير مرتبط بالإلكترون (أي مثل سهم صغير) لا غير. ونقوم بقياس سبين الإلكترون من خلال معرفة توجّهه بالنسبة لحقل مغناطيسي: فإما أن نجد عند القياس أن سبين الإلكترون هو بجهة شعاع الحقل المغناطيسي أو بعكسه، ولا خيار آخر (إذا ما أردنا توخي الدقة، فما نقيسه هنا هو مركّبة السبين على شعاع الحقل المغناطيسي، ولكن هذا التمييز لا يعنينا كثيراً في مقال مبسّط كهذا).

ولذلك فحالة الإلكترون قبل القياس على أي اتجاه (وكما قلنا يتم القياس على اتجاه محدد بوضع الإلكترون في حقل مغناطيسي وفق ذلك الاتجاه) تكون عبارة عن مزيج بنسب مختلفة من الحالتين الممكنتين بعد القياس، كأن يكون الإلكترون في حالة يكون فيها احتمال أن نجد بعد القياس على اتجاه محدد أن السبين بجهة الحقل هو 70% في حين أن احتمال أن نجد أنه بعكس الحقل 30% مثلاً. ووفق ميكانيكا الكم، وكما كنا قد ذكرنا سابقاً في هذه السلسلة، فالحالة قبل القياس هي مختلفة جذرياً عن الحالتين الممكنتين بعد القياس في الحالة العامة.

مدخل إلى الاحتمالات.. عالم ميكانيكا الكم حيث لا شيء يقيني

التشابك الكمومي

والآن، ماذا لو كانت الجملة التي ندرسها مكونة من إلكترونين وليس من إلكترون واحد؟ في هذه الحالة يكون لدينا أربعة حالات ممكنة بعد القياس:

إما أن نجد أن كلاً من سبين الإلكترون الأول وسبين الإلكترون الثاني هما بجهة الحقل، أو أن نجد أن سبين الإلكترون الأول هو بجهة الحقل في حين أن سبين الإلكترون الثاني معاكس للحقل، أو أن نجد أن سبين الإلكترون الأول هو بعكس الحقل في حين أن سبين الإلكترون الثاني هو بجهة الحقل، وأخيراً أن يكون كل من سبين الإلكترون الأول وسبين الإلكترون الثاني هما بعكس جهة الحقل.

ووفقاً لقواعد ميكانيكا الكم التي ذكرناها، فيمكن للحالة قبل القياس أن تكون أي مزيج من الحالات الأربعة السابقة.

لذلك، دعونا نأخذ الحالة الغريبة التالية: لنتصور أن حالة الإلكترونين قبل القياس كانت مزيجاً من الحالات السابقة بحيث يكون احتمال أن نجد بعد القياس أن كلاً من سبين الإلكترون الأول وسبين الإلكترون الثاني بجهة الحقل معاً أو يعاكسانه معاً هو احتمال معدوم، في حين أن احتمال أن نجد بعد القياس أن سبين الإلكترون الأول بجهة الحقل وسبين الإلكترون الثاني بعكس جهة الحقل هو 50%، واحتمال أن نجد بعد القياس أن سبين الإلكترون الأول هو بعكس جهة الحقل في حين أن سبين الإلكترون الثاني هو بجهة الحقل، هو 50%.

لماذا تعد الحالة السابقة غريبة؟ لننتبه إلى ما تعنيه هذه الحالة: عند إجراء قياس على الإلكترونين، فسنجد فقط إحدى نتيجتين: الأولى هي: سبين الإلكترون الأول هو بجهة الحقل وسبين الإلكترون الثاني هو بعكس الحقل، أو أن سبين الإلكترون الأول هو بعكس الحقل، وسبين الإلكترون الثاني هو بجهة الحقل، واحتمال كل من الحالتين هو 50%.

والمهم هنا أن اتجاه السبين لأي من الإلكترونين لم يكن كذلك قبل القياس فالحالة قبل القياس هنا تختلف جذرياً عن الحالة بعد القياس.

والآن، لنتصور أننا قبل أن نقوم بقياس على جملة الإلكترونين، قمنا بإبعادهما عن بعضهما، بحيث تركنا أحدهما على الأرض، وأبعدنا الآخر إلى مجرة أخرى. عندها ما يقوله ميكانيك الكم هنا هو أنه لو أجرينا قياساً على أحد الإلكترونين باتجاه ما ووجدنا أن جهة السبين هي بجهة الحقل المغناطيسي، عندها فحتماً وفي نفس اللحظة ستصبح جهة سبين الإلكترون الآخر هي بعكس جهة الحقل المغناطيسي، فكيف يمكن ذلك؟!!!

والغريب في الأمر، هو أنه قد تم تأكيد وجود التشابك تجريبياً حقاً §، فيا له من عالم غريب هذا الذي نعيش فيه!

في الواقع، لقد وصف أينشتاين التشابك بأنه “تأثير شبحي عن بعد“، وسوف نناقش أسباب امتعاضه منه بالتفصيل في المرة القادمة.

خاتمة

في الختام، قد يخطر ببال أحدنا السؤال التالي: هل يمكن استغلال التشابك الكمومي، لنقل المعلومات أسرع من الضوء؟ والجواب في الواقع، هو لا، لا يمكننا ذلك. والسبب هو أنه لا يمكن لنا أن نعلم سلفاً ما هي النتيجة التي سنحصل عليها بعد القياس بل ستظهر بشكل عشوائي تماماً، وبذلك فالتشابك لا يمثل انتهاكاً للنظرية النسبية §.

وفي المرة المقبلة، سنرى أن أينشتاين وبودولسكي وروزن قد حاولوا إثبات أن ميكانيك الكم هو نظرية غير مكتملة، وذلك باستخدام التشابك نفسه. فهل نجحوا في ذلك يا ترى؟ هذا ما سنناقشه بالتفصيل في المرة المقبلة.

 ليست مجرد أرقام وحسابات ولا حتى مساحات، النظريات الرياضية جزء من حياتنا!

0

شاركنا رأيك حول "التشابك الكمومي، أو ما دعاه أينشتاين بالتأثير الشبحي عن بعد: هل يمثل انتهاكاً للنظرية النسبية؟"