مهارة القرن العشرين
0

لقد حدث شيء غريبٌ مع ظهور الإنترنت. تغيَّر شيءٌ حول كيفية فهمنا لهويتِنا ووُجُودِنا. وهذا الشَّيء هو أنّ إحسَاسَنا بالذات تمَّت ترجمتُهُ إلى عقدة مفردة في شبكةٍ عالمية من العقد تتكوّن من ذواتٍ أخرى.

بطريقةٍ ما، لا يختلف هذا عن كيفية تفاعلنا مع ثقافَاتِنا المحلية، سواءً كانت عائلاتنا أو مجتمعاتنا أو شرِكاتنا. كلّ هذه الكيانات هي ثقافاتٌ ذاتية مترابطة في شبكة تتغيَّر وتتطوَّر بالنِّسبة للأفكار والعواطف وسلوكياتِ الأفراد التي تشكّل المجموعة. تؤثِّر الثقافة علينا كما نؤثِّر نحنُ على الثقافة.

تسيرُ الأمور بشكلٍ أسرع في العَالَم الرَّقمي، وفوق كلّ ذلك فالانترنَت قريةٌ عالمية. يمتدُّ نطاق هذه الشبكة إلى كلّ ركنٍ من أركانِ العَالَم. والحقيقة اليوم هي:

مطرقة الأنبياء وحشود الأغبياء

نحن الآن مزدحِمُون بمزيدٍ من المعلُومات أكثر ممَّا كنَّا من قبل

إلى منتصف القرنِ العشرين كان الإحساسُ بالذّات يتمّ تشكيله في الغالب من خلالِ مزيج من ثقافاتك المحلية، وثقافة الإعلام الشّعبية، وتعليمك، وأيًا من تجارب الحياة التي تراكَمَت عليك في الحياة الواقعية.

أمّا اليوم، فإنّ الأمور تختلف قليلاً. لم يقُم الإنترنت بتحطيم وكسر ما نفكّر به على أنه ثقافة شعبية إلى ملايين القِطع الصغيرة فقط، ولم يعُد غير قادر على صنع وحدةٍ متماسكة فقط، ولكنّه زوَّدنا أيضًا بكلّ المعارف الإنسانية. الآن، الوصول إلى تنوُّع المعلومات والثقافات والمعرفة يمكن أن يؤدّي إلى السلطة، ولكن الكثير من المعلومات والكثير من الثقافات والكثير من المعرفة تصيبُنا بالارتباك.

تمتلكُ عقُولنا فلاتَر للتعامل مع الحملِ الزّائد للمعلومات، وتقسيم الأشياء وجعلِها أسهل بالنّسبة لنَا للاستهلاك، ولكن هذه الفلاتر ليست بالضَّرورة بمثابةِ نماذِج عقلانية صحيحة. فهي لا تقُوم بالفلترَة بين ما هو صَحيح موضوعيًا أو خطأ موضوعيًا، بل تقوم بفلترة مدى تماسك المعلومات مع التحيّز العقلي الحالي، وإحساسنا الحالي بالذات، للحفاظ على عقلتها في عالم أكثر تعقيدًا.

مواقع التواصل الاجتماعي، بوابات كبيرة

ولذلك، فتحت مواقع التواصل الاجتماعي أبواباً كثيرة لنقاشِ تجارب وأشياء كانت تُعتبَر من المسلَّمات مثل كون الأرض مسطحة أو كروية، أو مدى حقيقة وجود فيروس كورونا، وكذلك انتشار نظريات المؤامرة، والكثير الكثير، فأصبح توجيه الناس أكثر سهولة بكثير ممّا كان من قبل، لجاهزية العقل لاستقبال أي معلومة دون التحري حول صحّتها.

في الماضي، عندما نشأنا في عالمنا المحلي الشعبوي، كان لدينا نفس المرّشحات في مكانِها الصحيح بالطّبع، فوالداك قد قاما بتكييفك بطريقةٍ ما، ومعلّميك بطريقةٍ أخرى، وأصدقاؤُك أيضًا، ولكن كان هناك حدٌّ لمقدار ما يمكنهم أن يتواصلُوا معك. وهذا يعني أنه قد كان لديك الوقت والمكان للتفكير، وإذا لم يكن التكييف مفيدًا، فسيكون إحساسك بالذات في نهاية المطاف مدركًا بما يكفي ليكون لديك وقتٌ أسهل لرفضِه.

كورونا في زمن الإنترنت: كيف حوَّلت التكنولوجيا الرَسن إلى تاج وقلَّدَتْ العامة مناصب الأنبياء؟

في القرية العالمية، توجيه بالجملة

في القريةِ العالمية التي أنشأَها الإنترنت اليوم، يتمُّ قصفُك باستمرار من قبل الشبكة الأكبر، والتي يتم تشكيلها في حدّ ذاتها من خلال خوارزمياتٍ مخفية، يتم التلاعب بها في الغالب من قبل أولئك النّخبة، وتوجيه عقول الناس إلى ما يريدون، وكلُّ جهازٍ إعلامي يحاول فرض توجيهه وإيديولوجيته وأفكاره.

بالنِّسبة للشخص العادي، فإنَّ مقدار الاستهلاك يتجاوز بكثير مقدار الوقت الذي يتعين عليه فهمه بشكلٍ منطقي. وعندما لا يستطيع فهم الأمر بعقلانية، فإنه يتّخذ اختصاراتٍ عقلية، والتي تظهر بوضوحٍ في التعصّب المتفشّي والأعمَى على معظم شبكات التواصُل الاجتماعي. وبالطبع ، فإنّ أولئك الذين يرفُضُون استخدام الاختصارات غالبًا ما يُعاقَبُونَ على ذلك بحالةٍ من الارتباك المستمرّ والمحيّر الذي يشعرون به فيما يتعلّق بوجودهم في كلّ هذا، ومن هنا يبدأ الإكتئاب.

مهارة القرن الحادي والعشرين

لذلك، فإنّ أهم مهارة في القرن الحادي والعشرين ستكُون القدرة على تحسين صنع التفكير. بدلاً من اتباع المرَّشحات التلقائية والتحيُّزات الدِّماغية بشكلٍ أعمى، علينا إنشاء مرشّحات للمعلومات الخاصّة بنا. بدلاً من أن تكون مجرد عقدة في الشبكة الكبرى، عليك رؤية الشبكة من الخارج ككلّ بينما تستمر في التطوُّر.

وبدلاً من التظاهر بأنّ المعلومات التي نستهلكُها قد تمّ تصفيتها بالفعل من أجلِ الصواب والخطأ لمجرد أنّ إحساسنا بالذات مرتبط بفكرة معينة تجعلُنا نشعر بالأمان عاطفيًا، علينا السؤال عن سبب كون هذه المعلومات صواب أو خطأ بالنّسبة لوجهة نظرٍ شخص آخر.

علينا القيامُ بأمرين:

الأول هو معرفة أيّ المعلُومات التي يجب استهلاكها وأيُّها يجب التخلص منها، عن وعي، بخلاف تحيُّزاتنا الشخصية ومن الناحية المثالية، من العديد من وجهاتِ النظر المتنوعة بقدر الإمكان، والثاني هو الابتعاد عن كلّ شيءٍ فقط للتفكير في ما يتمُّ استهلاكه وكيف يرتبط بكلّ شيء.

في العالم الحديث، لدينا معلوماتٌ أكثر بكثير ممّا نحتاجُه لنَعرِف ماذا نفعل. ومع ذلك، إذا كنَّا أكثر تعمُّدًا في كيفية اختيار التفاعل مع هذه المعلومات، فيمكنُنا البدء في تجميعِ أجزاءٍ كافية منها لإلقاء نظرةٍ خاطفة على الأقل على بعضِ الأجزاء المهمة من الصُّورة الأكبر دون الحاجة إلى إكمالها بالكامِل.

رعاع الميديا: انتصار الإنسان الرويبضة

0

شاركنا رأيك حول "هذه هي المهارة التي يحتاجها الجميع في القرن الواحد والعشرين"