الاختلاف عن مجتمعك: غربة في قلب الوطن
0

هناك العديد من الأشياء التي تجعل الإنسان حزينًا في هذه الحياة، والاختلاف هو أبرزها بدون شك. الحياة أقصر من أن نقصرها، لكن البشر يتفننون كل يوم في وسائل تقصيرها أكثر وأكثر. عدم احترام الاختلاف هو أصل كل الشرور. تخيل أن تترك غيرك يفعل ما يشاء طالما لم يسبّك أو يضربك؟ طالما كانت أفعاله سلمية تمامًا ومحصورة في نطاق حياته هو فقط، لماذا لا تتركه وشأنه؟ أستتصدع السماوات إذا فعلت ذلك مثلًا!

المشكلة هي أن التغيير صعب في الأوطان العربية، وذلك نظرًا للأيدولوجية المتوارثة جيلًا خلف جيل، والتي تنص على أن الاختلاف جريمة، وأن معيارية (التصرف الطبيعي) هي عادات المجتمع. والتي في الأساس تختلف بدورها من مجتمع إلى مجتمع. عادات مصر تختلف عن عادات لبنان مثلًا، وعادات المغرب تختلف عن عادات الجزائر، ما المرجعية الثابتة التي يحتكم إليها الناس لتعريف (التصرف الطبيعي)؟ الدين مثلًا؟ الأديان في حد ذاتها متغيرة من شخصٍ لآخر، وبداخل كل دين توجد مذاهب ومذاهب. وهذا يدفعني مجددًا للسؤال، هل توجد مرجعية ثابتة في الأساس؟

الإجابة هي لا، وستظل لا. لأننا بشر، والبشر مختلفون باختلاف بصمات الأصابع ذاتها. كل واحد فينا عبارة عن تركيبة فريدة، ومختلفة تمامًا عن الآخر. كل واحد فينا عبارة عن كوكبة من الخبرات والمواقف والأيدولوجيات التي تشكله، وستظل عاملة على تشكيله لسنين وسنين ستأتي. الإيمان القطعي باختلاف البشر، هو الذي يجعل الحياة دائرة بالتأكيد. لكن المحاورة بشأن الاختلاف بهمجية وعنف، هي التي تُحيل الحياة من رحلة جميلة، إلى تجربة قاسية. النبذ المجتمعي والظلم والقهر، كلها أشياء تجعل الأقليات في أي مجتمع تعاني من الحزن والبؤس، وتجعل أغلب أفرادها ينتحرون في النهاية. لأن الواقع أثبت لهم أن نهاية النفق مظلمة على كل حال.

تعرف على الديانة السامرية أقل الأقليات في العالم ..

الاختلاف عن مجتمعك: غربة في قلب الوطن

لكن لماذا؟

لماذا المختلف دائمًا هو المظلوم؟

في هذا المقال لا أحاول إيجاد إجابة، لأنها معروفة بالفعل، وواضحة كالشمس للكفيف حتى: التزمت.

أجل، أن تتزمت لرأيك هو الشيء الوحيد الذي يعمل على إيهامك بالعظمة المطلقة. هو الشيء الوحيد القادر على جعلك الإله الجالس على عرشٍ مهول فوق البشر كلهم. وربما في بعض الأحيان، يجعلك تتخيل أنك رسول الإله في أرض الخراب، وأن لديك تصريحًا موقعًا منه شخصيًّا بتوزيع صكوك الغفران على البشر، ومن يروق لأيدولوجيتك يدخل الجنة، ومن لم يرق يدخل النار. أنت أصبحت فجأة الوحيد الذي يستطيع تعريف الاختلاف من العدم.

لكن الكل ينسى أن الأديان في الأساس قائمة على التسامح، كل الأديان قائمة على التسامح، بلا استثناء. والبشر الذين يقولون الآن أن المختلف يجب أن يُقتل/يُحرق/يُرجم، هم نفس الناس الذين يقولون أن دينهم لم ينتشر بحد السيف. إذا كنت تتغنى يا عزيزي بكَون دينك سلميًّا تمامًا، كيف تُبرر قتل الناس بنفس نصوص الدين السلمي؟ إما أنك فهمت دينك بشكلٍ خاطئ، أو أن الدين نفسه خاطئ. وأنا أؤمن أن الأديان جوهرها الأساسي هو التسامح، إذًا فهمك الخاطئ للدين هو الذي حولك من إنسان مفطور على الحب، إلى وَحش مجبور على الكراهية.

خائفون..

الاختلاف حولنا في كل مكان. لكن للأسف، لا نشعر بوجود المختلفين لأنهم خائفون. يعيشون حياتهم في رعب من الأهوال التي سيتعرضون لها إذا باحوا بما يجول في خاطرهم، للآخرين. يرون حولهم أن أبناء الفِكر الواحد يتصارعون، فماذا سيحدث إذا أظهروا للناس أنهم يتبعون فكرًا آخر؟ الأمر مأساويّ بكل المقاييس فعلًا. لذلك أرجوك، حاول أن تُشعر صديقك بالأمان إذا اعترف إليك في يومٍ ما باختلافه، المختلف دائمًا يحتاج الدعم. وإذا لم تتقبله، هذا حقك، لكن لا تزيد حياته ألمًا فوق ألم. لقد ائتمنك على سره لأنك بالنسبة له شخص مميز، شخص من دائرته المقربة، وشخص قادر على إشعاره بالأمان. فإذا شرعت في تدميره، لا تحزن إذا انتحر في يومٍ ما.

الاختلاف عن مجتمعك: غربة في قلب الوطن

السبب الرئيسي الذي يدفع الناس للهجوم على المختلف، هو أن وهمهم المُطلق بامتلاك مفاتيح الجنة، منعهم من وضع نفسهم في محل الطرف الآخر. ماذا إذا كنت أنت المختلف يا صديقي؟ ماذا إذا كنت أنت الذي مع الوقت بات تفكيره مختلفًا عن سائر البشر، وفجأة اكتشف أن هذا الاختلاف قادر على تحويل حياتك إلى جحيمٍ حقيقيّ؟ الأمر محزن للغاية فعلًا. ولذلك في السطور القادمة سوف أخذ بيدك، وأصطحبك في جولة بداخل عقل الشخص المختلف. لنتعرف سويًّا على الهواجس التي يعاني منها، وقدر الأهوال التي تؤرِّق حياته، ساعة بعد ساعة.

 معضلة الأقليات .. كيف تخفي مشاكلك وتبررها دون أن تواجه نفسك بالحقيقة

ماذا يعني الاختلاف

الاختلاف عمومًا هو أن تكون هناك نقطة ما في حياتك، تبدأ فيها خطوطك بالحيود عن توازيها مع خطوط الأسرة والمجتمع. وقتها ستُدرك أن هناك شيئًا ما غير مريح يحدث، وأول شيء ستفعله هو التفكير في أي شيء آخر، إلا الشيء المختلف هذا. ومع الوقت، سيصبح الشيء المختلف هو محور حياتك، حتى تتجرأ في مرة، وتبحث عن الأمر، وتقرأ فيه أكثر وأكثر. تلك القراءة المستفيضة في الأمر، ومع الغَوص في بحور المعرفة المتاحة على الإنترنت مجانًا لأي شخص، ستشرع في إعادة تشكيل المفهوم القديم عن المبادئ والحياة. وفي النهاية ستصير لديك توليفة فكرية جديدة تمامًا، بها نسبة حيود ملحوظة عن التوليفة السابقة. تلك التوليفة هي الأيدولوجية، وبمجرد تغيير نقطة فيها، ستتبعها عشرات النقاط. لذلك المختلف لا يختلف مع المجتمع في نقطة فقط، بل في نقاط عديدة كلها مربوطة ببعضها البعض كحبّات العقد.

الاختلاف عن مجتمعك: غربة في قلب الوطن

لكن المشكلة ليست في الاختلاف ذاته، بل في تدارك هذا الاختلاف، وتقبله. هنا نحن نتحدث عن رحلة مجاهدة طويلة جدًا مع الذات. في الأساس، الإنسان يولد في بيئة، وتلك البيئة هي المسؤولة عن تشكيل الأيدولوجية الأولى له. وبما أنها الأولى، فهي تنطوي على الأفكار والمبادئ المغروسة غرسًا في العقل. مهما كانت تلك الأفكار عدائية أو سلمية، هي التي ستشكل المرجعية المستقبلية للإنسان. وعند وصوله لنقطة الانحراف عنها، تبدأ الهواجس في التربص به على الفور. هل أنا مُخطئ؟ هل أنا غير طبيعي؟ هل أستحق هذا العقاب؟ هل أستحق النبذ الأسري والوَصم المجتمعي؟ هل أنا مريض؟ هل هناك علاج لي؟ وإذا كنت مريضًا بالفعل، لماذا يعاملي المجتمع على أنني مُجبر على ما أفعل؟ لماذا أُعامل كحشرة يجب سحقها؟

كل تلك الأسئلة تغزو العقل باستمرار، وكلها تدفع الإنسان لنبذ اختلافه، وكلها تحاول جعل خط الفرد مِنا، موازيًا مرة أخرى لخطوط المجتمع. التخبط بين الأيدولوجية الجديدة والأيدولوجية القديمة، هو الذي يجعل حياة الاختلاف قاسية للغاية. الاختلاف في مجتمع لا يقبل الاختلاف، قادر على جعل العَيش ذاته، تجربة لا يمكن التعامل معها بأي شكل من الأشكال. تخيل أن يحدث لك كل هذا وأنت مراهق؟ ذلك السن الذي تحتاج فيه إلى دعم الأهل أكثر من أي شيء آخر، بينما تخاف من البَوح للأهل بمكنون قلبك حتى لا ينبذوك. الأمر ليس مرهونًا بتقبل الاختلاف، بس مرهون بإشعار الفرد الآخر أن الاختلاف هو عِماد الحياة على هذا الكوكب.

المختلف عن مجتمعك: غربة في قلب الوطن

لكن لا يمكن الاستمرار في الاسترسال هكذا بدون وجود دليل دامغ على قولي، وهنا أنتقل للجزء الأخير من مقال اليوم. مثالي هنا لن يكون كبيرًا كتلك الأمثلة التي تُغرق وسائل التواصل الاجتماعي، والتي بسببها تُقام حروب إلكترونية تتهشم على إثرها لوحات المفاتيح. بل مثالي سيكون بسيطًا للغاية، أبسط من البساطة حتى في الواقع: صباغة الشعر.

لنتخيل أنك الآن إنسان مكتئب، وللتوّ خرجت من تجربة عاطفية سيئة جدًا، وتريد الترويح عن نفسك وبدء حياة جديدة، وأول شيء قررت تغييره هو شعرك. أردت صبغه بالفضيّ (لوني المفضل بالمناسبة)، وبالفعل صبغته، وهبطت إلى الشارع. والآن يبدأ سيرك الأحزان!

  • ارجع إلى منزلك وأعِد شعرك إلى سواده، الاختلاف ليس من شيمنا النبيلة!
  • هل أنت أنثى كي تصبغ شعرك؟ لعن الإله المتشبهين بالنساء!
  • اليوم تصبغ شعرك، وبالغد توشم ذراعك، مهزلة!
  • متى أعلنت إلحادك؟ كنت مؤمنًا بالأمس!

والكثير من عبارات الكراهية ستُقذف في وجهك على الفور. كل هذا لمجرد (صباغة) شعرك. كل هذا لمجرد تغيير لون أحد مشتقات الجلد، والتي يسهل إزالتها بمقص صدئ حتى. أتداركت هَول الموقف؟ لننقل الحديث الآن إلى شيء أعمق مثل الآراء المرتبطة بحرية العقيدة، الميول الجنسية، السياسة، إلخ. وقتها ستُدرك أنك في قلب مستنقع، ولا تستطيع الهرب.

المختلف لا يريد منك سوى أن تتركه وشأنه. إذا لم ترد قبوله، التعاطف معه، أو حتى تقديم الدعم له، فقط اتركه وشأنه. لا تُنظِّر عليه، لا تسبه، لا تضربه، والأهم: لا تُشعره بالدونية. كلنا بشر يا عزيزي، كلنا أتينا من نفس الحَيوان المنوي المتحرك، والبويضة الساكنة. كلنا أتينا من نفس سوائل (النجاسة) التي يتبرأ منها البعض، وهي جالسة في أعضائه التناسلية، ومرافقه له كظله على الدوام.

وفي النهاية..

أنا أرجوك..

كن إنسانًا..

الأقليات العرقية في العالم العربي

0

شاركنا رأيك حول "الاختلاف عن مجتمعك: غربة في قلب الوطن"