تختلف التسميات ولكن المفاهيم تصب في قالب واحد، حبسة أو قفلة الكاتب أو السكتة القلمية كما يحلو للبعض تسميتها، في حين أطلق عليها آخرون بالعقم الكتابي وغيرها من المسميات الموصلة لتلك الحالة التي يمر بها أغلب الكتاب.

حيث ترتمي الصفحة البيضاء كشبح أمام أعينهم، وتلازمهم فكرة نضوب الأفكار، هنا نتحدث عن أولئك الذين يواجهون فترات العقم الإبداعي بلا أي أفكار تطرقُ أبوابهم ليفاجئوا بجفاف أقلامهم وهم في انتظار الإلهام.

فهل صحيح أن هذه الظاهرة طبيعية، وأمرها حالة عادية مع كل الكُتّاب؟ أم أن هناك من يتوهّم وقوعه فيها متناسيًا ربما تقصيره أو قلة خبرته في التنقيب عن ما يثير عقله للتحرير والكتابة ؟

من هذا المنطلق جاءتني فكرة كتابة هذا المقال لأستهدف بالضبط الكتاب المبتدئين وأوضح أن هناك فرقًا شاسعًا بين ما يسمى قفلة الكاتب وعدم القدرة على ابتكار محتوى إبداعي جديد، وهنا سأذكر بعض الاستراتيجيات والطرق التي تجعل ذهنك يتدفق بالأفكار بما يضمن لك الاستمرارية في الإنتاج.

لكن قبل أن نستعرض الحلول دعونا نشخص الأسباب، تأكد عزيزي الكاتب أنه في بداياتك حتمًا ستواجهك  بعض المشاكل في الكتابة لكن لا تجعل منها عقبة تثنيك عن مواصلة مسيرتك وترمي بك لحياة مهنية خالية من الإبداع، تجعلك تتأرجح بين حافة الانسحاب والاستمرار.

هل تعاني الكاتبات في العالم العربي من قيود مجتمعية؟

الصعوبات التي يواجهها الكاتب المبتدئ

لعل أبرز الصعوبات التي تواجه الكاتب المبتدئ ما تكلمت عنها دروثي براندي بالتفصيل في كتابها لياقات الكاتب دعنا نذكرها بإيجاز:

  • صعوبة الكتابة بشكل عام: وقد يعود المشكل أساسًا إلى قلة الوعي بالذات أو سوء الفهم لعملية الكتابة مما قد ينجم عنه خيبة الأمل في حصول معجزة محركة للكاتب.
  • المؤلف لكتاب واحد: ويقع في هذه المشكلة الكتاب الذين يكتبون جزءًا كبيرًا عن سيرتهم الذاتية وبذلك يكونون قد تحرروا من الشعور بالنقمة تجاه مجتمعاتهم وهو ما يجعلهم عاجزين على استكمال سلسلة الانتصارات والعودة للكتابة بشغف.
  • الكاتب الموسمي: وهنا نتحدث عن أولئك الذين يواجهون فترات البيات الكتابي بلا أي أفكار تطرق أبواهم ليفاجئوا بجفاف أقلامهم وهم في انتظار الوهج السماوي.
  • الكاتب النيئ: ويندرج تحت هذه الحالة الكُتّاب الذين غالبًا ما يكونون قادرين على البدء بالقصة ليفاجأوا بفقدان السيطرة على بقية أجزائها وأحداثها فيما بعد.

كيف تحلق في سماء الكتاب

والآن دعنا نتحدث عن أبرز النقاط التي تساعدك في التحليق عبر سماء الإبداع في الكتابة.

قوتك الكامنة

إن المخيلة هي قوتك الكامنة في تغيير العادات ومع تغييرها ستجد أنك تجني الثمار وتحاول أن تنسى أو تتجاهل كل الصعوبات، إذ عليك أن تربط عقلك اللاوعي بيدك التي تكتب بشكل سهل وسلس حتى لا يقف شيء أمامه عندما ينساب، ولعل أفضل طريقة لذلك هو تمرين الكتابة الصباحية.

ممارسة تمرين الكتابة الصباحية

أولًا، انهض مبكرًا قبل موعد استيقاظك المعتاد بنصف ساعة أو ساعة.

ثانيًا، قبل أن تقرأ صحف الصباح أو تحادث أحدًا اشرع بالكتابة.

ثالثًا، اكتب أي شيء تستحضره، نشاطات اليوم السابق، محادثة صديقك، أو حتى حلم البارحة إن كنت لا تزال تتذكره.

إن ما تقوم به هو تدريب نفسك على الكتابة في حالة ما بين النوم والاستيقاظ، بتكرارك لهذه الطريقة ستتمكن من كتابة كم هائل من الكلمات بانسياب تام وستتعجب من عائد هذا التمرين لاحقًا.

أفرغ نفسك

اكتب حتى تشعر أنك أفرغت نفسك من الكلمات اكتب ولا تأبه لتلك الثرثرة فهذا ليس وقت الفرز والانتقاء، إنما ستعود لاحقًا ليبهرك ما كتبت إن هذا التمرين سيوفر عليك جهد وعناء جلب الكلمات أو عصر ذهنك لأنك ببساطة أصبحت تكتب بسلاسة فقط. بمجرد ما سلمت زمام قلمك للاوعي والذي سيكتب برشاقة وبشكل سليم ما دمت مصممًا وعنيدًا ورافضًا أن تقع في إحدى حيله التي تدعوك للفشل والهزيمة.

بعد ذلك ستكون قد قطعت شوطًا كبيرًا في درب الكتابة، وهنا آن لك أن تكتشف قوة ذوقك ومهاراتك الخاصة بالعودة الى قراءة وإجراء مسح كلي لكل ما كتبته.

يمكنك العودة لتعريف اللاوعي من خلال هذا المصدر: هدم العقل المفارق (إشتغالات ملكة المُعقلن قِدماً وحُدثاً )

التقط المفردات الطازجة أينما قراتها

وهو ما يعمل على دعم قاموسك وإثرائه، لتواجه الرتابة والمحاكاة المبالغ فيهما، وقتها ستختار كلماتك لتصل إلى مرحلة قراءة المنتوج بعيون جديدة كما لو كانت في طريقها للطباعة، وقتها سيكون لكلماتك ذوق آخر. ونضيف إلىى ما سبق:

  • أتقن لغة الصمت: إذا أردت أن تحفز نفسك للكتابة متع نفسك بدون كلمات، ثرثر في داخلك وقتها سيبهرك تدفق الكلمات
  • كن أنت: إبحث دائمًا عن أسلوبك الخاص وتعلم أن تضع عقلك في حالة من الهدوء والسكينة كما تضع جسمك.
  • حدد طقوسك الخاصة للعمل بعمق: ندرك جميعًا المردود الذي يصاحب العمل العميق، فلما لا تجعل هذا الأخير عادة من عاداتك اليومية وكتاب العادات الذرية لصاحبه “جيمس كلير” يعلمنا كيف نحول العادات الصغيرة إلى إنجازات كبيرة بفضل التراكم والاستمرار. إذًا عليك أولًا تحديد المكان الذي ستعمل فيه بعمق، اختر أكثر الأماكن انعزالًا وهدوءًا وأخبر من حولك أنك في جلسة عمل عميق كي لا يقاطعوك.
  • مارس التخطيط واكتب خططك: فكل دقيقة تمضيها في التخطيط سوف توفر لك 15 دقيقة أثناء الإنجاز ثم حدد المهمة التي ستعمل عليها بوضوح، وتجنب العمل على أكثر من مهمة في نفس الوقت بل ابدأ بالمهمة الأهم، كانت هذه نصائح “برايان تريسي” مؤلف كتاب ابدأ بالأهم ولو كان صعبًا.
  • اجعل لنفسك أوقات للراحة التامة لكي تعاود العمل بتركيز عالٍ: لأن عدم التزامك بأوقات راحتك سيوقعك في فخ العمل الضحل لأنه من الصعب العمل بتركيز طوال اليوم. وعندما نذكر العمل الضحل يقفز إلى الأذهان العمل العميق وقد تحدّث “كال نيوبورت” حول ذلك قائلا:

“العمل العميق هو الذي سيجعل لحياتك العملية والعلمية قيمة أكبر على عكس العمل الضحل الذي سيشعرك دائمًا أنك مشغول لكن بدون إنجاز أو تطور يشعرك بقيمة عملك وأهميته”.

كيف يمكن خلق محتوى كتابي جديد

قد تسأل الآن كيف يمكنني خلق محتوى جديد؟

هناك بعض المصادر الرائعة والتي تمثل النواة الحقيقية لخلق محتوى وأفكار إبداعية:

  • متابعة وسائل الاعلام واستخدام أداة Feedly لمتابعة الآف الأخبار التي تنشرها وسائل الإعلام.
  • القوائم البريدية للهيئات والشركات والمدونين الفاعلين تمثل مصدرًا رائعًا للمعلومات والمحتوى القيم.
  • شبكة علاقات قوية، إذ يفيدك ذلك جدًا في التنقيب والعثور على محتوى قيم.
  • طرح الأسئلة، فهناك الكثير من المجتمعات عبر الإنترنت التي تساعد على تدفق أفكار إلى ذهنك بمجرد طرح للتساؤلات عليها والحصول على إجابات الأعضاء.

في الأخير أرجو أن يكون هذا المقال مفيدًا لك ويحمل معه بعض الأفكار التي تشجعك على الإنتاج والإبداع في عالم الكتابة.

التحديات التي تواجه الكاتب في كتابة الرواية – الجزء الثامن والأخير