اختيارات المثقفين
0

بالتزامن مع ذكرى اغتيال المفكِّر المصري الراحل “فرج فودة” والذي قُتِلَ على يد مجموعة من أفراد تنظيم “الجماعة الإسلامية” وذلك في 8 يونيو عام 1992؛ يتجدد الحديث دومًا عن قيمة فودة واختياراته في خريطة المثقفين والمفكرين المناهضين للدولة الدينية والدّاعين للدولة المدنية القومية المبنية على أسس علمانية غير منحازة. سنحاول في هذا المقال النظر من زاوية اختيارات المثقفين في مصر للأرض التي يخوضون فيها معاركهم الفكرية مع التيار الإسلامي؛ سواء في السياسة أو الدين وقراءة نصوصه وتأويلها. 

نرشح لك قراءة: فرج فودة ومناظرته المُدويّة – اغتيال الجسد لا يعني فناء الفكرة!

اختيارات المثقفين الثلاثة تحدد أرضية المعركة

يفترض المقال أن اختيارات المثقفين في مصر يمكن تصنيفها في ثلاثة اختيارات: (الانتشار والشعبية، أو طبقة المثقفين والقراء، أو طبقة النخبة). هذه الاختيارات هي التي تحدد الأرضية التي يدور فيها مشروع بحث ونقد المثقف والتي ستحدد أيضًا خصومه، فعلى اختلاف كل خيار ستختلف الخصوم. (المستوى الأول يمثله الدكتور فرج فودة، المستوى الثاني الدكتور نصر حامد أبو زيد، المستوى الثالث المستشار عبد الجواد ياسين).

فرج فودة: الانتشار والشعبية

اختيارات المثقف الدكتور فرج فودة.
اختيارات المثقفين – الدكتور فرج فودة الانتشار والشعبية.

كانت خطورة فرج فودة (20 أغسطس 1945- 8 يونيو 1992) الحقيقة هي اختياره لطريقة الانتشار ومخاطبة العامة أكثر من أي شيء آخر، ففي ظل محاولة التيارات الإسلامية المختلفة السيطرة على الشارع المصري والسياسة المصرية بالدعوى للدولة الإسلامية وتطبيق الشريعة كان وجود فودة المشاكس والقاسي في كلامه والحاد في سخريته من تلك التيارات خطرًا كبيرًا عليهم وعلى وجودهم وقوتهم.

ففكرة أن يجاهر المرء برفضه للدولة الدينية وطلبه اتّباع العلمانية كانت فكرة صادمة وقادرة على إحداث خلخلة في التصورات والتنظيرات الإسلاموية وقتها؛ خاصة وأنها كانت تنظيرات شعبية تعتمد على الانتشار ولغة الشارع وليس على التنظير والحديث بعمق تفصيلي عن تفاصيل الدولة الإسلامية. 

فنحن هنا أمام أرضية تدور عليها معركة أساسها الهدم والنقض للآخر لا نقده ومحاورته، معركة يشعر فيها طرف بتهديد تشويه صورته وصورة دعوته أمام العامة من الناس، وهم وقوده وهدفه الذي يسعى لضمه لجانبه؛ وبحكم أن فودة اتبع نفس النهج بمخاطبة الشارع ومحاولة الانتشار والكتابة في كل مكان يستطيع أن يكتب فيه وينشر كتبه فيه، فقد رأى مجموعة من شباب الجماعة الإسلامية ضرورة إيقاف ذلك “المرتد” الذي يرفض تطبيق الشريعة؛ مرجعين ذلك إلى رفضه مبدأ حاكمية الله في الأرض، حيث أن الحكم عندهم لو كان بغير ما أنزل الله فهو كفر، والدعوة إليه أيضًا.. ومن هنا كان المبرر لقتل الرئيس المصري الأسبق أنور السادات في 6 أكتوبر 1981، وقتل فرج فودة في 8 يونيو 1992.

كانت ردة الفعل أقسى ما يمكن تخيله؛ الاغتيال. فمعركة الانتشار والشعبية ضد الجماعة الإسلامية كانت مكلفة، وكانت تحتاج لشخص شجاع مثل فودة يخوضها ويعلم مدى شراستها وأهميتها.  

نرشح لك قراءة: فرصة لنفهم مع كتاب هادي العلوي: هل الاغتيال السياسي في الإسلام سياسي أم عقائدي؟!

نصر حامد أبو زيد: طريق المثقفين والقراء

اختيارات المثقف الدكتور نصر حامد أبو زيد.
اختيارات المثقفين – الدكتور نصر حامد أبو زيد طريق المثقفين والقراء.

كانت معركة نصر حامد أبو زيد (10 يوليو 1943 – 5 يوليو 2010) في منطقة فكرية مختلفة، فقد كانت معركته تدور فوق أرضية أكاديمية بينه وبين بعض المختلفين معه في قسم اللغة العربية بكلية الآداب جامعة القاهرة. كان نصر يدعو إلى تطبيق نظرية الهرمنيوطيقا على النص القرآني الإسلامي؛ محاولة لقرائته بشكل مختلف عن التفسير النصي الحرفي الجامد.

وتعتبر نظرية الهرمنيوطيقا أو علم التأويل مصطلح قديم بدأ استعماله في دوائر الدراسات اللاهوتية ليشير إلى مجموعة القواعد والمعايير التي يجب أن يتبعها المفسر لفهم النص الديني خصوصًا الكتاب المقدس؛ ويشير المصطلح اليوم إلى نظرية التفسير؛ والتى كان يحاول منها نصر فهم النص القرآني. 

لم تنتهِ معركته بالاغتيال المادي مثلما حدث مع فرج فودة، وإنما كان اغتيالًا معنويًا؛ حيث اتهمته لجنة الترقيات بالكلية بالكفر بسبب ما كتبه، خاصة في نقده لمبدأ الحاكمية وشركات الأموال الإسلامية التي كان أحد أعضاء اللجنة من أهم المشاركين في تلك الشركات وذلك في كتابه “نقد الخطاب الديني“. ورفع أحد المخالفين له قضية يطلب فيها تطليق زوجته منه لأنه مرتد وكافر، وقد حكمت المحكمة بتطليقه نتيجة لردته عام 1995، ولكن زوجته الدكتورة ابتهال يونس، أكملت معه المسيرة حتى وفاته في يوليو 2010. 

نقد الخطاب الديني
غلاف كتاب “نقد الخطاب الديني”.

لم يختر نصر خوض المعارك في البداية، واختار أن يكون مجال نشره وعمله في نطاق المثقفين والباحثين أمثاله، حيث منع عمق المجال الذي يكتب فيه من انتشاره بين العامة. ورغم تهديده بالقتل إلا أن غيابه عن الصدام المباشر مع الشعبويين من المخالفين له وتركيز اهتمامه للرد على الأكاديميين كان يقلل من حدة الرد عليه مثلما حدث مع فودة، رغم أن مخالفيه أخرجوا المعركة خارج حدود الجامعة سواء برفع دعوى التطليق من زوجته أو على منابر المساجد وتكفيره حتى سافر إلى هولندا منفي بشكل تطوعي، ولم يستطع العودة للعيش في مصر مرة أخرى لمدة طويلة. 

عبد الجواد ياسين: النخبوية حل مناسب

اختيارات المثقف المستشار عبد الجواد ياسين - المثقفين في مصر
اختيارات المثقفين – المستشار عبد الجواد ياسين النخبوية حل مناسب

اتّخذ، القاضي السابق، المستشار عبد الجواد ياسين مجالًا للبحث بعيد عن الشعبوية وحتى أبعد وأعمق من القراء العاديين، فالمنطقة التي يبحث فيها تحتاج إلى التخصص بنسبة ما، وبالتالي أدى ذلك لابتعاده عن المعارك المؤذية المباشرة التي يتعرض لها المثقفين المخالفين للاتجاهات ذات الأغلبية. 

تقوم نظرية ياسين على افتراض مركزي مفاده التمييز بين الدين باعتباره يعبّر عن المطلق الإلهي والفكرة الأخلاقية الكلية المفارقة للاجتماع البشري، وبين التدين باعتباره نتيجة التفاعل بين الدين والاجتماع الإنساني والموروث. واعتبار ممارسات التدين التاريخية هي ما يُنشئ في النهاية الديانات على اختلافها باعتبارها نتائج اجتماعية وتاريخية للفكرة الكلية للدين. وتتكون الديانة بحسب ياسين عبر عدة مراحل تطورية تحددها طبيعة الاجتماع الإنساني والسياق التاريخي المحيط بالديانة.

يتضح من الوصف السابق لمشروع ياسين أن مجال بحثه نخبوي وغير سائغ للعامة أو سهل تحويله لتوجيهه لهم، حتى هو شخصيًا يرى أنه يشعر براحة كبيرة كونه لا يتصادم مع العامة نتيجة أفكاره ليتجنب النتائج السيئة التي حدثت لمن هم قبله، فيؤثر أن يقتصر بحثه على الباحثين والنخبويين من المثقفين دون الاكتراث لدخول معارك مع مخالفين شعبويين. 

وأخيرًا، يتضح مما سبق أن اختيارات المثقفين في مصر لها ثمنٌ غالٍ لو كانت ضد التيار الغالب أو ضد قناعات قطاع شعبي كبير لا يؤمن بالاختلاف ولا يحترم حرية الرأي، مما يصعِّب بالتأكيد ممارسة التفكير الحر والكتابة والنشر الحر دون التخوف من الأذى. فإما أن يقتصر البحث والكتابة على موضوعات نخبوية لها جمهورها الصغير والمحدد أو أن تتحمل نتيجة رد الفعل القاسي للاختلاف. 

المثقفين في مصر
الأديب العالمي نجيب محفوظ.

ولا يقتصر الأمر فقط على المثقفين في مصر والكتاب في المجال المتعلق بالإسلاميات، فحتى المثقفين من الفنانين يواجهون نفس ردود الأفعال. والأدباء أيضًا، فمحاولة اغتيال نجيب محفوظ في أكتوبر 1995، ورفض الصلاة على نزار قباني بعد وفاته في 30 أبريل 1998. 

كل هذه المحاولات والاغتيالات تجعل المثقف المختلف رأيه عن الأغلبية في مصر والوطن العربي يفقد ثقته في أن يمر رأيه بسلام دون تعرضه لأذى، مما قد يدفع الكثيرين لاتخاذ مسلك أو طريق مختلف للنجاة بأنفسهم. 

 

0

شاركنا رأيك حول "ما بين الشعبي والنخبوي: اختيارات المثقفين تحدد أرضيّة مشروعهم الفكري"