0

“أغوتا كريستوف” هي كاتبة مجرية راحلة تكتب بالفرنسية، ولدت في المجر وانتقلت في سن العشرين إلى سويسرا لاجئة حيث ماتت سنة 2011. روايتها التي نناقشها اليوم تدعى رواية “الدفتر الكبير“. صدرت للمرة الأولى عام 1986، وقد صدرت عن “منشورات الرمل” بترجمة “محمد آيت حنا” عام 2013 في 200 صفحة تقريبًا.

الدفتر الكبير: للتعلّم قبل التعبير

الدفتر الكبير - محمد آيت حنا
رواية “الدفتر الكبير” للكاتبة أغوتا كريستوف” بترجمة “محمد آيت حنا”.

كتبت “أغوتا كريستوف” أعمالها بالفرنسية، رغم أنها تعتبرها لغة العدو، بالإضافة إلى أنها كانت تجهل كل شيء عنها يوم وصلت إلى سويسرا للمرة الأولى. هذا الأساس يعبر عما يلاحظه القارئ في الرواية التي تبدو -في الوهلة الأولى وعند التدقيق- مسودة لعمل قيد التنفيذ.

تعترف “أغوتا كريستوف” في سيرتها الذاتية المقتضبة “الأمية” بأن كتابتها لهذه الرواية وما تلاها كانت جزءًا من عملية تعلم اللغة الفرنسية؛ العملية التي كانت من شروط تعايشها مع حياتها الجديدة. يلاحظ القارئ الجمل القصيرة وغياب الاسترسال وتجنب الوصف واللجوء للحوارات الطويلة، يلاحظ أيضًا قصر الفصول وطابع المتوالية المسيطر على النص والخالي بعض الشيء من وحدة الرواية.. إذًا نحن نعلم بعملية تشكل الأسلوب، فما الذي أدى إليه هذا التشكل؟

هوامش

الغلاف الأصلي لرواية "الدفتر الكبير" للكاتبة "أغوتا كريستوف".
الغلاف الأصلي لرواية “الدفتر الكبير” للكاتبة “أغوتا كريستوف”.

ليكن الهدف الحديث عن الحرب، ليكن المنظور هامشيًّا عامدًا إلى مراقبة التأثيرات التي تنعكس الحرب من خلالها على الحياة؛ التأثيرات التي لِخِفّة حضورها في النص تكاد تنعدم. يمكن للقارئ إزالة عامل الحرب ومراقبة قرية فقيرة بائسة تتواجد في بقع عدة من العالم، دون الحاجة إلى إضافة هتلر وستالين ومن على شاكلتهما إلى المعادلة.

من بين الأساليب التي كان يمكن تناول الأحداث من خلالها، تخيرت كاتبة “الدفتر الكبير” سرد الحكاية على لسان طفل. لا بد أنها فتّشت كثيرًا فلم تجد منظورًا أكثر تجريدًا وأبعد عن الاحتمال من منظور الطفل: الكائن الأقدر على التكيف لأنه ببساطة لم يتشكل بعد. ليس ثمة أظهر من مراقبة انعكاس حدث على طفل، فإذا كان البالغ يتأثر فالطفل، بلا مبالغة، يتكون.

بافتراض أن قارئ النص -وهذا راجح- لم يعاشر الحرب ولا خبر ويلاتها، فمنظور الطفل المذكورة صفاته هو الأكثر شبهًا بمنظور هذا القارئ. محاولة التأثير في امرئ آمن في سربه مالك لقوت يومه من خلال نقل عالم بعيد مصطخب؛ عالم وقعت أحداثه وانتهت قبل عقود، عالم أبطاله بعيدون وفي الغالب ميتون… كان هذا ليكون مباشرًا على نحو تيسر تجنبه باختيار جهة النظر الملائمة.

معظم الأحداث تدور من خلال الحوار، وهذا، بعكس السرد الطويل، والوصف الذي هو موضع استعراض الكاتب لمهاراته غالبًا (بغض النظر عن حاجة النص إليها): هذا يُبقي القارئ متصلًا بالأحداث لأنه ببساطة ليس ثمة تجميل من أي نوع، ولو بالإغراق في صب الملاحظات وعرض الأجرام.

المجال كله مفسَح للخيال: الرواية قالب بإمكان القارئ أن يصب فيه ما يشاء. ينسى الكتاب في كثير من الأحيان إشراك القارئ في عملية الإبداع، فإذا قال الكاتب كل شيء؛ إذا أولى كل تفصيلة عنايته وصب اهتمامه على كل ركن من أركان العمل، لن يبقى لقارئ النص سوى التلقي. لا أقول إن هذا سيء لكن الكاتب كثيرًا ما يغفل عن الخيارات الأخرى التي يتيحها السرد.

الدفتر الكبير: هذا لا يؤلم أبدًا

رواية الدفتر الكبير ترجمة محمد آيت حنا
المنظور التهميشي لمآسي الحرب في رواية الدفتر الكبير من ترجمة “محمد آيت حنا”.

في رواية “الدفتر الكبير”، والتي ترجمها للعربية “محمد آيت حنا” تقوم “أغوتا كريستوف”، من خلال الأسلوب الذي حللناه، ومن خلال قصر الرواية وضعف غوصها داخل الشخوص، بحثّ القارئ على المشاركة: خطّ روايته الخاصة ورسم حربه الشخصية. إن يكن تشرب مشاعر النص غير دانٍ فلأن الغرض (ربما) إنشاء نص ذهني موازٍ؛ معركة أخرى غير تلك البعيدة الباردة.

نرشح لك قراءة: النحال الحلبي: رواية للكاتبة البريطانية “كريستي لفتيري” عن سوريا بين الخراب والأمل

بيت الجدة

“سنكتب: “نأكل الكثير من البندق”، وليس “نحب البندق”، لأن الفعل “أحب” فعل غير مضبوط، فعل تعوزه الدقة والموضوعية. “أن نحب البندق”، و”أن نحب أمنا”، صيغتان لا تنطويان على المعنى نفسه. فالصيغة الأولى تقصد مذاقًا رائعًا في الفم، بينما تشير الثانية إلى إحساس. الكلمات التي تصف الأحاسيس تظل مبهمة؛ الأحرى إذًا الإعراض عنها، والانصراف إلى وصف الأشياء، ووصف الآدميين ووصف أنفسنا، لنَقُل الانصراف إلى وصف الواقع وصفًا أمينًا”.

تسوق الأم التوأم إلى بيت الجدة بعيدًا عن المدينة الكبيرة المتأثرة بالقتال. خلال صفحات الرواية نشاهد محاولاتهما المتطرفة في التكيف مع العالم الناشئ على جانبي مسار قطار الحرب. تخبرنا الكاتبة أن الطفلين اللذين نشاهد حكايتهما كانا غريبين من قبل هذا كله، ما يعني أن طريقتهما في التعايش ليست قياسية بل هي امتداد غرابتهما.

بيت الجدة يبدو للوهلة الأولى مجرد تماشٍ مع سوء الأوضاع. الطريقة التي تعامل بها المرأة حفيديها لا تعرض بديلًا خياليًا للواقع المأساوي، بل صورة مخففة نوعًا ما لعُسره. نرى الحفيدين، بقدرة الأطفال المدهشة على التواصل مع العالم وإنشاء روابط فورية بالأحوال الجديدة، يندمجان في المعيشة: يشاركان الجدة أعمالها الكثيرة المرهقة بل ويتطوعان بمزيد على غرار الصيد الذي لم تعرفه هي. الصفحات الأولى من “الدفتر الكبير” مرشوشة ببهجة خادعة لا أعلم إن كانت “أغوتا كريستوف” قصدتها أم جاءت عفوًا.

لكن أهم ما يسفر عنه تعقب حياة الصبيين هو الاطلاع على محاولاتهما المتصاعدة للتكيف مع صعوبات الحياة.

تمارين

الكاتبة "أغوتا كريستوف" صاحبة رواية "الدفتر الكبير".
الكاتبة “أغوتا كريستوف” صاحبة رواية “الدفتر الكبير”.

الجدة، مثل كثيرين، تعامل الأطفال باعتبارهم منافذ تفريغ للغضب: تضربهم وتسبهم وتسيء معاملتهم. يمكنك تفهم هذا الفعل الوضيع لأن الطفل يمثل للبالغ ذاته القديمة التي لم يطمس معالمَها العيش. هكذا يعاملهما الناس أيضًا. يبدأ الطفلان تعويد نفسيهما على الألم بالسعي إلى ذروته: يضرب أحدهما الآخر ويتبادلان الشتائم لا لشيء إلا لاكتساب القسوة.

التمارين متنوعة وإن اجتمعت في هدف كلي، هناك تمرين العمى والصمم وغرضه التكيف مع غياب الحواس، هناك تمرين التسول الذي هو أشبه بتجربة اجتماعية، هناك تمارين الصوم عن الطعام والكلام، وهناك ممارسة القسوة غير الضرورية تجاه الضعفاء مستحقِّهم وغير المستحق. القارئ يتحرك مع هذه التمارين فلا تدهشه الأحداث الواقعة عند النهاية وقربها، أنت ترى التطور بنفسك من بدايته بغض النظر عن رأيك فيه.

الملاحظ أن الصبيين يمثلان فعليًّا شخصًا واحدًا: يتكلمان معًا ولا يفترقان ولا يختلفان. كانا كذلك قبل الحرب وقد زاد الظرف الاستثائي متانة الرابط بينهما. هذا يجعل الانفصال عند النهاية مربكًا خفي المعنى، بالنسبة لي على الأقل.

في البداية كانا يكرران الكلمات الخبيثة ليتعودا عليها فلا تسبب لهما الضرر عند سماعها من الآخرين، ثم رأيا أن الكلمات الطيبة (ككلمات أمهما غير الحاضرة) يمكن أن تحقق بغيابها ضررًا أعظم. لحسن الحظ كانا يملكان السر الذي يمكن أن يقتل المعنى في أي شيء: التكرار.

“(عزيزيّ! حبيَّ! سعادتي! طفليّ المحبوبين!)، عندما نتذكر هذه الكلمات تغرق أعيننا بالدموع. علينا نسيان هذه الكلمات، لأن ما من أحد ينادينا بمثلها، ولأن الذكرى التي تحيل عليها هذه الكلمات، هي ثقل يصعب حمله. هكذا أعدنا تمريننا بشكل مغاير. كنا نقول: (عزيزيّ! حبيَّ! أحبكما… لن أتخلى عنكما أبدًا… لن أحب غيركما… إلى الأبد… أنتما حياتي كلها…). ومن فرط ما أعدناها، فقدت هذه الكلمات معناها، وانطفأ ما تحمله من ألم.”

كانا -كما قالا- يريدان قهر الألم والحر والبرد والجوع، قهر كل ما يؤلم.

العالم الجديد

كل شخصيات رواية “أغوتا كريستوف” كريهة بدرجات متفاوتة، وبعد مرور الصفحات الأولى تتوالى الفظائع واحدة بعد أخرى. في البداية يبدو وكأن بطلينا محصنان، لكنهما سرعان ما يتعرضان للأذى فلا تفلح كل القسوة المكتسبة (التي حمتهما مرارًا) في الدفاع عنهما للأبد.

عندما تطل خاتمة “الدفتر الكبير” برأسها نشاهد الأحوال تتغير: الجدة تموت والشخصيات المهمة تختفي واحدة تلو الأخرى، تعود الأم ثم يعود الأب، بل الحرب نفسها تنتهي فيتسنى لنا رؤية الواقع التفصيلي الذي لا يعرضه المنتصر (وهو كاتب التاريخ) أبدًا، ويظل الثابت بقاء الطفلين في المكان الذي تأصل انتماؤهما له؛ العالم الذي سيظل راسخًا بغض النظر عما يتلوه؛ التغيرات الحاسمة التي لن تنمحي مهما شيدت فوقها من أبنية.

اقرأ أيضًا للكاتب محمود أيمن:

0

شاركنا رأيك حول "الدفتر الكبير رواية للكاتبة أغوتا كريستوف: هذا لا يؤلم أبدًا!"