رأسمالية السياسة والفوضى والضياع: عن الاقتصاد المقترن بفيروس كورونا .. !
1

فيروس كورونا أتى على حين غرة من أمر الناس، وفجأة أحال حالة العشوائية الصحية التي عاشها العالم لسنين وسنين، إلى حالة من التوجس والقلق الهيستيري. عمل الفيروس على جعل الناس ماكثين بمنازلهم بالقهر، خشية من الإصابة به. لكن من الناحية الأخرى، هناك تبعات واسعة النطاق لذلك الفعل غير المعهود. وللأسف، تلك التبعات ليست هينة على الإطلاق. خصوصًا إذا تناولنا الأمر من منظور رأسمالية الفوضى، وعلاقتها بعلم الاقتصاد تحديدًا.

الرأسمالية هي نظام اقتصادي، مع الوقت انتقل من حيّز الاقتصاد، إلى حيّز السياسة، وبات نظامًا اقتصاديًّا-سياسيًّا يتحكم في أغلب دول العالم الآن. ووصل مستوى التحكم من قاع الهرم الاجتماعي، وحتى قمته. لذلك رأسمالية الفوضى واحدة من العناوين التي يجب أن تظهر على الساحة في وقت الأزمات، لأن الاقتصاد في الأساس هو أول شيء يتأثر بمكوث الناس في منازلهم.

اليوم يا رفاق سوف نتحدث عن رأسمالية الفوضى، وكيف لها أن ظهرت بشدة مع فيروس كورونا المستجد.

* تنويه هام: المصطلحات المذكورة في هذا المقال هي من صياغة الكاتب بناء على تحليل شخصي للمصطلحات الأكاديمية بمنظور عربي-واقعي، وربما تتفق أو تختلف مع أكاديميات الكتب المتخصصة *

رأسمالية السياسة: مصطلح يجب أن تفهمه جيدًا

رأسمالية السياسة والفوضى والضياع: عن الاقتصاد المقترن بفيروس كورونا .. !

قبل التحدث عن رأسمالية الأزمات، يجب التحدث عن الرأسمالية نفسها يا رفاق.

ببساطة، الرأسمالية هي نظام اقتصادي يعتمد على خلق الخدمات والسلع، مقابل التربح منها. الأمر لا تدخل به العاطفة، ولا يتم تقديم السلعة لرغبة شخصية مثلًا، الأمر كله مرهون بالمال، والمال فقط. وهذا يجعل التعاملات المالية في هذا النظام، منطوية على جفاف شديد للغاية. ولذلك مع الوقت تم إدخال الدبلوماسية في الأمر، وأصبحت السياسة هي الرأسمالية، والرأسمالية هي السياسة. وبذلك باتت الرأسمالية نظام حكم، أكثر من كونها نظامًا اقتصاديًّا.

لماذا سُلطَّ الضوء على اقتران السياسة بالمال؟ هذا لأن رأسمالية الأزمات مرتبطة بالسياسة في المقام الأول. إما سياسة تتبعها الحكومات لكبت الهياج الشعبي، أو سياسة يتبعها رجال الأعمال للاستمرار في السوق بالرغم من الركود الاقتصادي.

 لماذا هوت أسعار النفط مؤخرًا ؟ وما هي التدابير التي ينبغي اتخاذها لإنقاذ الوضع؟

الأزمات: الفوضى جزء جوهري منها

هنا أخيرًا نسلط الضوء على رأسمالية الفوضى التي ينطوي عليها فيروس كورونا المستجد، والتي يندرج أسفلها أكثر من مصطلح اقتصادي، تأثر (وسيتأثر) به: التضخم.

التضخم والفوضى

رأسمالية السياسة والفوضى والضياع: عن الاقتصاد المقترن بفيروس كورونا .. !

واحد من أشهر المصطلحات في عالم المال والأعمال بدون شك، والتضخم يعني أن تنخفض القيمة الشرائية للسلعة، مقابل ارتفاع سعرها. أي أن الدولار الذي كان بالأمس يستطيع شراء قطعة بسكويت، الآن لا يستطيع شراء إلا 20% من تلك القطعة. أي أن سعر القطعة نفسه ارتفع 5 مرات في فترة زمنية معينة. والتضخم يكون مأساويًّا عندما لا تزداد مرتبات العاملين بالدولة، بالتوازي مع ارتفاع الأسعار. فتستمر الأسعار في الارتفاع، وتستمر المرتبات في الهبوط، وتزداد الفجوة بين كليهما مع الوقت.

أحد المسببات الرئيسية للتضخم هو ندرة السلع. وفي وقت الأزمات بالتحديد، لا يوجد ما هو أندر من السلع. في بداية أزمة كورونا، كانت الكمامات الطبية متوافرة بالأسواق، وكذلك المطهرات والكحول وما إلى ذلك. لكن مع تأزم الوضع، واهتمام الحكومات بالأمر فعلًا، بات هناك عجز شديد في المستلزمات الطبية، خصوصًا في البلدان العربية النامية مثل مصر وليبيا. والكمامة التي كانت بالأمس تساوي 1 جنيه مصري، اليوم تساوي 7 جنيه مصري. بينما المواطن راتبه ما زال ثابتًا، ولم يزد (سبعة أضعاف) كي يستطيع شراء الكمامات (النادرة) بأريحية. وللأسف، إذا طال الأمر المستلزمات الطبية فقط، لما وصلنا إلى تطبيق معنى (تضخم)، لكن الذي حدث هو أنه بالفعل طال كل شيء.

الأغذية كذلك أصبحت نادرة ومرتفعة في السعر، وهذا بسبب الاستهلاك الشديد أثناء فترة العزل المنزلي. ومن الناحية الأخرى، استغل التجار الوضع، وارتفعت الأسعار بشدة، والمستهلك سيشتري على كل حال، وإلا مات جوعًا. حتى نصل إلى مرحلة يصير فيها التضخم (الواقعي) أمرًا لا يمكن السكوت عنه، لكن ستظل الحكومات تقول إن كل شيء جميل ورائع، لأن الشعوب لن تفهم ماذا يعني التضخم على كل حال (والذي في بعض الأحيان، تكون نتيجته انهيار العملة، والدخول في كساد اقتصادي شامل = ثورة جياع).

كما أنه من الناحية الأخرى قد يحدث انكماش – Deflation، وتهبط أسعار السلع فجأة، حتى يصبح هناك فائض عن الحاجة، فتحتاج الدولة إما لإعدام السلع تمامًا، أو عرضها بالمجان للجمهور وتخسر فيها. أفضل مثال على ذلك هو ما حدث في عقود بترول مايو في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث كان على الحكومة بيع البترول مجانًا، وفوقه نقود أيضًا، وهذا لعدم الحاجة إليه نظرًا لمكوث الناس بمنازلهم على الدوام. وهنا الحكومة خسرت البترول، وخسرت فوقه أموالًا أيضًا.

لأول مرة في تاريخ الأسواق: النفط تحت الصفر!

الحياة للأغنياء، والموت للفقراء

رأسمالية السياسة والفوضى والضياع: عن الاقتصاد المقترن بفيروس كورونا .. !

رأسمالية الأزمات الفوضوية، تتمثل أيضًا في عدم وجود أماكن في المستشفيات، للبشر الذين يحتاجونها فعلًا.

عندما يصيب كورونا بلدًا ما، بالطبع تمتلئ أسرَّة المستشفيات على الفور، ويصير من الصعب استقبال جميع الحالات. للأسف يكون الحل الأخير هو المستشفيات الخاصة بدلًا من الحكومية، وهنا تتدخل الرأسمالية مجددًا.

في هذه الحالة، إما أن تكون معك أموال كافية تسمح لك بالمكوث هناك حتى تتعافى، أو تذهب لتعزل نفسك في المنزل. والخيار الآخر نهايته هي الموت بكل تأكيد. في وقت الأزمات، حياة البشر تكون مرهونة بالمال يا رفاق. أنا هنا لا أعيب على المستشفيات الخاصة عملها، هذه في الأساس تجارة، ورابحة على الدوام، حتى في الأوقات العادية. هنا أعيب على الحكومات عدم تعزيزها للقطاع الصحي الحكومي، فبالتالي أجبرت الفقير على الموت بالقهر نظرًا لمفهوم الاقتصاد الهشّ الذي تعتمد عليه.

في مصر مثلًا، أصيبت الفنانة الراقية رجاء الجداوي بكورونا، وبالفعل تم عزلها على الفور في مشفى خاص. هنا صاحت مواقع التواصل الاجتماعي، حتى قال البعض أن إعدامها سوف يُشفي غليل الناس. فجأة بات المريض الغني هو الشرير، بدلًا من إلقاء اللوم فعلًا على الحكومات التي لا تهتم بحياة شعبها. والذي هو نفس الشعب الذي يعمل في القطاعات الخدمية الدُنيا، والتي توفر الطبقة العاملة التي تصنع للحكومات (ثرواتها وكنوزها) التي تتغنى بها على الدوام. للأسف رأسمالية الأزمات تدوس على الفقير، وتسلبه حقه في الحياة عنوة، والحكومات تقف بالأعلى تستنشق رحيق الأزهار التي زرعتها في أحواضها الخاصة، بداخل قصورٍ عالية فوق البشر.

مرحلة الضياع: إنقاذ البشر، أو إنقاذ الاقتصاد!

الرأسمالية السياسة والفوضى والضياع: عن اقتصاد كورونا !

هذه المرحلة وصلنا إليها بالفعل، وهنا تتجلى رأسمالية الفوضى في صورتها المتوحشة: دهس البشر تمامًا.

المعادلة ببساطة هي (عمل + عمَال = مال). والمال بالمُجمل هو الذي يجعل اقتصاد البلد حيًّا، فبالتالي يحافظ على قيمة عملتها في السوق العالمية، وبدوره يحاول تقليل نسبة التضخم. لذلك إذا مكث الناس بمنازلهم لفترة طويلة، ستكون الحكومة مجبرة على صرف المرتبات لجعل حياة هؤلاء البشر مستمرة بالرغم من الأزمة الصحية. وكل هذا على حساب المخزون الاحتياطي للبلاد. وعندما يصل الأمر إلى مرحلة لا يستطيع فيها المخزون تلبية حاجات الشعب الجالس على الأريكة، سيُجبره على القفز والذهاب إلى العمل.

وهنا تكون الحكومات أمام خيارين: إنقاذ البشر، أو إنقاذ الاقتصاد. وللوصول إلى خيار، يجب الوضع في الحسبان تكلفة الخسارة في كليهما. إذا خسرت الحكومة البشر، ستنقذ الاقتصاد، لكن إذا أنقذت الاقتصاد، ستخسر البشر. وفي النهاية، إذا تدهور الاقتصاد، لكن يكون هناك قيمة للبشر من الأساس. وهنا تقرر الحكومات التضحية بجزء من البشر، مقابل أن يستطيع الجزء الآخر العيش في المستقبل، اعتمادًا على إمكانية إنقاذ الاقتصاد المتدهور عبر الاستمرار في العمل. رأسمالية النجاة هي التي تحكم هذه المرة.

هذا ظهر جليًّا هذه الأيام في المحاولات المستميتة للحكومات العربية على إشعار الناس بأهمية العمل من جديد، بل وفرض غرامات كبيرة على المتخلفين عن أداء واجبهم الوطني في العمل. وللأسف لا يمكن فعل أي شيء حيال الأمر. العالم قائم على المال، ويجب الإذعان لهذه الحقيقة.

هل يتطلّب الأمن القومي أن تخفي الحكومات الكوارث عن شعوبها؟ تشيرنوبل ليست النموذج الوحيد!

1

شاركنا رأيك حول "رأسمالية السياسة والفوضى والضياع: عن الاقتصاد المقترن بفيروس كورونا..!"