التربية الجيدة
0

«أن يخطئ المرء بطريقته الخاصة، خيرٌ له من الصواب المُلقَّن. في الحالة الأولى ستكون إنسانًا، أما في الحالة الثانية، فأنت ببغاء لا أكثر.»

فيودور دوستويفسكي، الجريمة والعقاب

ربما تكون «النية الحسنة» أخطر الكلمات المستخدمة في سياق التربية بين الآباء والأبناء (وأستعمل الآباء هنا وفي كامل المقالة للتعبير عن الأب أو الأم). يُعتبر مصطلح النية الحسنة بمثابة التبرير الجاهز وصك الغفران للآباء، ليستحلوا من خلاله أي فعل يقترفونه في حق أبنائهم، بحجة تربية هؤلاء الأبناء وحمايتهم من المخاطر التي سيواجهونها مستقبلًا. بدايةً من التحكُّم في الزي الذي سيرتديه الطفل في المدرسة، ونوعية الطعام الذي يجب عليه تفضيله، وحتى اتخاذ القرارات بشأن مستقبله الدراسي والمهني بأكمله، بل يقرر بعض الآباء لأبنائهم وبناتهم في المنطقة العربية زوج ابنته أو زوجة ابنه المستقبليين، فماذا يتبقى لهؤلاء الأبناء حقًا من حياتهم يمارسون فيه الإرادة الذاتية؟

الأبوة المفرطة أو «الأب الهليكوبتر»

صك الدكتور هايم غينوت، المعالج النفسي والمعلِّم الأبوي، مصطلح الأب الهليكوبتر، في كتابه «بين الآباء والمراهقين». يُعرَّف مصطلح الأبوة المفرطة بأنه نوع من الرعاية الأبوية (من الأب أو الأم) يفرط فيه الأب أو الأم بحماية الابن والتدخُّل في تفاصيل حياته. ويُعرِّف المصطلح قاموس كامبريدج بأنه «تدخُّل الآباء المفرط في حياة الأبناء، ومحاولة السيطرة على كل شيء يحدث للطفل». لن يكون الأمر عسيرًا لكي نجد مئات الأمثلة المتكررة على ذلك في واقعنا، بداية من غسل أسنان الأطفال في الثانية عشر من العمر بدلًا منهم بحجة أنهم لا يعلمون كيف يغسلون أسنانهم جيدًا، وحتى الذهاب إلى المدرسة أو الجامعة والحديث نيابة عن الطفل.

للوهلة الأولى، يبدو الأمر غريبًا. فكيف يكون الإشراف على الأبناء ورعايتهم شيئًا سيئًا؟ بالطبع، ليست رعاية الأبناء سيئة البتة، فإن رعاية الأبناء والإشراف عليهم يعززان الثقة بأنفسهم، ويزيدان من احتمالية نجاحهم في الحياة. ولكن ثمة خيط رفيع بين رعاية الأبناء والإفراط في حمايتهم، وتجاوز هذا الخيط يؤدي إلى المشاكل والاضطرابات. ويأتي التبرير الدائم من الآباء؛ النية الحسنة. فعلى الرغم من صحة النية، لا تشفع النية الحسنة للنتائج الكارثية على سلامة الأطفال الجسدية والنفسية من الأبوة المفرطة فضلًا عن الإيذاء النفسي والجسدي للأطفال.

في دراسة أُجريت في جامعة ماكواري في سيدني بأستراليا في عام 2012، أظهر الباحثون أن التدخُّل المفرط للأم في حياة الأبناء أدى إلى زيادة شعور القلق لديهم في الرابعة من عمرهم، وببلوغ هؤلاء الأطفال سن التاسعة زادت احتمالية تشخيصهم طبيًا بالقلق السريري. وكي نزيد الشعر بيتًا، أظهرت دراسة منشورة في دورية دراسات الطفل والعائلة في عام 2013، أن طلبة الجامعة الذين خضعوا للأبوة المفرطة كانوا أقل رضا عن حياتهم.

لا يتوقف الأمر عند هذا الحد. فإن تدخُّل الآباء في تفاصيل حياة أبنائهم، واتخاذ القرارات بدلًا منهم مرارًا وتكرارًا، بحجة أنهم خبراء في الحياة ويعرفون «الفعل الصحيح»، يؤدي إلى عجز الأبناء عن القيام بأي قرار أو سلوك ذاتي، فالرسالة التي تصلهم من آبائهم باستمرار أنهم غير قادرين على القيام بالأمور بأنفسهم. تسيطر على هؤلاء الأبناء رؤية مغلوطة عن العالم جرّاء تلك الطريقة في التربية، وعلى إثر اعتمادهم على آبائهم، يفاجأون عندما يرفض أحد الغرباء مساعدتهم في شيء ما، وأنهم مضطرون على الاعتماد على أنفسهم هذه المرة.

بين العرب والغرب، كيف ينمو الأبناء؟

وبينما ينتشر القلق في الغرب وصك المصطلحات التي تشدد على أهمية رعاية الأطفال جيدًا، نجد الوضع مختلفًا في المنطقة العربية. تصدمنا إحصاءات منظمة اليونيسيف عن العنف الموجّه ضد الأطفال، وتحديدًا التربية بالعنف أو العقاب العنيف للأطفال، فنجد أربع دول عربية في صدارة الدول التي يعاقب الآباء فيها الأطفال بالعنف. وعلى رأس دول العالم، تتصدر مصر قائمة الدول التي تستخدم العنف ضد الأطفال (بين أعمار 2-14 عامًا) في العالم، إذ تعرَّض 93% من الأطفال في مصر للعنف على الأقل مرة واحدة منذ شهر من سؤالهم في عام 2014 على المستويين الجسدي والنفسي. يبدو الأمر رجعيًا للغاية، مع هول هذا الرقم، 93% في 2014 وليس في أوائل القرن العشرين أو في عصور الظلام. وكانت الجزائر ضمن الدول المتصدرة بنسبة 86% في عام  2013، ولبنان بنسبة 82% في عام 2009، والعراق بنسبة 79% في عام 2011، والسودان بنسبة 64% في عام 2014.

تُظهر مؤشرات اليونيسيف أن العنف ضد الأطفال يتباين مع اختلاف الوضع الاقتصادي للدولة. فقد كان معدَّل العنف ضد الأطفال مرتفعًا في الدول المتدنية من حيث نصيب الفرد من الدخل القومي، بينما انحسر العنف ضد الأطفال في الدول الثرية من حيث الدخل القومي.

لا يسع قارئ هذه الأرقام سوى الشعور بالرعب من كم الأذى الجسدي والنفسي الذي يتعرَّض له الأطفال في العالم، وفي الوطن العربي تحديدًا. وعند الحديث مع الآباء عن تلك الظواهر، تأتي مبرراتهم حول تربية الطفل وتعليمه السلوك القويم إن أخطأ، أو حماية الطفل من أن يؤذي نفسه، أو كي يجتهد الطفل في دراسته ويحرز العلامات المرتفعة. ولكن النتائج النفسية والجسدية والآثار المستقبلية التي يعاني منها الأطفال كعقبات أمام الاستمتاع بحياتهم بالكامل لا تشفع مثل تلك الأفعال.

صنَّفت الرابطة الأمريكية للطب النفسي إيذاء الأطفال نفسيًا باعتباره «فعل عمدي، لفظي أو جسدي، يمارسه الآباء أو مُربو الأطفال، ويؤدي إلى أذى نفسي ملحوظ على الطفل». تشير منظمة الصحة العالمية في بحثها الواسع حول إساءة معاملة الأطفال واستخدام العنف والضبط في التربية إلى نتائج واضحة، تفيد تلك النتائج أن تعرُّض الأطفال للعنف أو حضورهم في بيئة يُمارس فيها العنف اللفظي أو الجسدي بين الأب والأم، يؤدي إلى تأخُّر نموهم العقلي بصورة ملحوظة، ويؤثر على نموهم النفسي والعقلي والإدراكي والاجتماعي في المستقبل.

الأبوة المكثفة، مفهوم حديث وإعجاب حذر

بعد انتشار مفهوم الأب الهليكوبتر الذي تناولناه آنفًا في المقال، ظهر في أوساط الدراسات الاجتماعية مفهوم جديد يُطلق عليه «الأبوة المكثفة»، كمفهوم حديث يخلط البعض بينه وبين الأبوة المفرطة. يُعرِّف الباحث باتريك إيشيزوكا من جامعة كورنيل مصطلح الأبوة المكثفة بأنه «مقاربة متمركزة حول الطفل، تستغل الوقت بصورة مكثفة في عملية رعاية الآباء للأطفال، أو تُعتبر مقاربة تستثمر في الأطفال». يرى الآباء الذين يتبعون هذه المقاربة التربوية أن التربية ليست عملية سلبية، فلن تنمو عقول الأطفال من تلقاء ذاتها، فيقوم الآباء بناءً على تلك المقاربة بالتسهيل على الأطفال للمشاركة في أنشطة أخرى غير المدرسة، وقضاء المزيد من وقتهم مع الأطفال في المنزل للعب معهم والحديث عن مشاعرهم وأفكارهم، ولا يقابلون أخطاء أطفالهم وسلوكياتهم بالتوبيخ أو العقاب مثل ما يحدث في حالة الأبوة المفرطة، ولكن يقابلونها بالنقاش والشرح والتفسير.

انتشر هذا المفهوم بغزارة في الولايات المتحدة، إذ أجرى إيشيزوكا استطلاعًا على 3600 من الآباء الممثلين لكافة التوجهات الاقتصادية والديموغرافية، ووجد أن نمط الأبوة المكثفة كان محبَّذًا بين 75% منهم. من المُقترح أن يكون انتشار هذا النمط من التربية في الولايات المتحدة راجعًا إلى أهمية التعليم والمهارات الشخصية للطفل مستقبلًا، فليس غريبًا أن نرى انتشار تلك الطريقة في التربية في دولة تقدِّس النجاح المهني على عكس دول أوروبية مثل هولندا كانت ترى الأولوية لرفاهية الطفل وسلامته على نجاحه المهني. ولكن لم تعد الولايات المتحدة متفرِّدة بهذا النمط، تُظهر دراسة أخرى أجراها الأكاديميون الأمريكيون والإيطاليون في عام 2016 على 11 دولة ثرية، قارنوا فيها سلوكيات الآباء منذ 1965 وحتى 2012، ووجدوا أن الأمهات قضين مع أولادهن ساعة في المتوسط أعلى من أمهات الماضي، وأن الآباء يقضون الآن 59 دقيقة مع أولادهم بدلًا من 16 دقيقة فقط في الماضي.

تطرح الباحثة الدكتورة شارلوت فيركلوث، الباحثة في العلوم الاجتماعية في كلية لندن الملكية، تطرح أن التغيُّر في طريقة التربية، إنما يرجع إلى تغيُّر مفهوم الآباء عن التربية عمّا مضى. تنتشر الآن فكرة بين المجتمعات المتعلِّمة مفادها أن تأثير الآباء هائل على حياة الأبناء. فبعد الأبحاث العلمية والنتائج المتزايدة في علم النفس والطب النفسي عن الأثر البالغ للسنوات الأولى للطفل على مستقبله بالكامل، تبنى الآباء نمطًا مكثفًا من الأبوة، يضمن منح الأبناء الاهتمام والحب والرعاية، ويضمن تعليم الأبناء كل ما يطمحون إليه، وتشير بعض الدلائل إلى ارتفاع الثروة اللغوية للأطفال الذين تلقوا أبوة مكثفة عن غيرهم قبل دخولهم المدرسة، ما يؤثر بصورة هائلة على قدراتهم الإدراكية وتحصيلهم في المدرسة، وبالتالي على علاماتهم الدراسية ونجاحهم المهني في ما بعد.

التعلُّق عند بولبي والنضج عند وينيكوت

وفي مقام الحديث عن علاقة الطفل بوالديه، يأتي التحليل النفسي على صدارة النظريات النفسية التي عالجت تلك المسألة. وقد رأيت لإتمام غرض المقالة مطالعة رأي علمين بارزين في التحليل النفسي للأطفال.

فلنأخذ نظرية التعلق عند المحلل النفسي البريطاني جون بولبي. طبقًا لنظرية التعلُّق، تشكِّل علاقة الطفل بآبائه في شهوره وسنواته المبكرة سائر التطورات العاطفية والاجتماعية لديه، وتؤدي الطريقة التي يتفاعل بها الآباء مع الأبناء إلى تطوير عدة أنماط من التعلُّق تحدد كيف سيشكلون علاقاتهم المستقبلية كبالغين. فإما أن يكون التعلُّق آمنًا عندما يُتيح الآباء من وقتهم للطفل ويستجيبون لاحتياجاته، حينها يشعر الطفل بالأمان وينفتح على العالم بثقة. أو يكون تعلقًا قلقًا مرتابًا عندما يغضب الآباء على الطفل بصورة متكررة، فيشعر الطفل بالريبة من الغرباء مستقبلًا. والتعلُّق التجنبي عندما لا يستجيب الآباء لرغبات الطفل، فيُظهر الطفل لامبالاة تجاههم وتجاه علاقاته المستقبلية.

في كتابه «سيرورة النضج والبيئة المساعدة» يرى المحلل النفسي دونالد وينيكوت النضج بوصفه انتقالًا من الاعتمادية الطفولية على الآباء إلى القدرة على الحياة في حالة من الاستقلال عن الآباء. في بداية الطفولة، يكون الطفل اعتماديًا على أمه جسديًا ونفسيًا، إذ لا يمكنه تناول طعام أو شراب سوى من ثديها. ومع نمو الطفل، يتخلَّص من اعتماده الجسدي عليها، ولكن الاعتماد النفسي يستمر فترة من الزمن، عليها وعلى الأب. تكمن مهمة الآباء في تلك المرحلة من العمر تأهيل الطفل لينال استقلاله، أي تزويده بالأدوات التي سيعتمد عليها في اتخاذ القرارات بحرية. فإذا أملى الآباء على الطفل ماذا يجب أن يفعل في حياته، لن ينتقل إلى الاستقلال أبدًا.

إن مسألة تربية الأطفال على قدر كبير من الأهمية، فكل فعل أو سلوك أو لفظ يتعرَّض له الطفل في مهد حياته في العالم يتعلم منه وتتشكل شخصيته. يتعلم الأطفال بالمحاكاة، فلا يؤدي توجيههم بالأمر إلا إلى مزيد من القلق والتوتر وانعدام الثقة بالنفس مستقبلًا. ليس مطلوبًا من الآباء أن يكونوا خارقين لتربية أبنائهم، يكفي أن يكونوا «جيدين بما يكفي» حسب تعبير وينيكوت، ويعلموا أطفالهم بأن يكونوا قدوة لهم فيما يريدون فعله، ويمنحوهم الحب والاهتمام غير المشروطين.

0

شاركنا رأيك حول "مخاطر النوايا الحسنة: كيف يؤثر الإفراط في حماية الأبناء بداعي التربية سلبًا على حياتهم؟"