المدن المستدامة
0

لقد شهدت البشرية خلال القرن الأخير تطورًا تقنيًّا وصناعيًّا لم تشهده منذ وجود الإنسان على سطح الأرض، أدى هذا التطور لحدوث طفرة رفاه في عدد من دول العالم وخاصة الموجودة في القسم الشمالي من الكرة الأرضية، أي الدول ذات النمو الاقتصادي المتسارع والتي حققت لأغلب مواطنيها وضعًا معيشيًّا جيدًا جدًا مقارنةً بدول أخرى في العالم الثالث، والتي تمتلك في الحقيقة موارد طبيعية ولكن لا تستغلها بشكل يخدم مواطنيها.

مع ذلك فقد توسعت المدن بشكل كبير لدى الدول الغنية والفقيرة، وبأغلب الأحيان بشكل عشوائي وغير مدروس، بحيث استنزفت موارد الطبيعة من خلال التعدي على الغابات والأراضي البرية البكر وتلويث الأنهار والبحار واستنزاف المياه الجوفية، مما انعكس على البيئة بهذه الدول بشكل خاص وبيئة الكوكب بشكل عام.

منذ خمسينات القرن الماضي ازدادت أعداد سكان المدن خمسة أضعاف مقارنةً بالأرياف، فالمدن مسؤولة عن 70% من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري، وذلك بسبب تمركز أغلب الصناعات فيها، بالإضافة للحركة المرورية وإنتاج النفايات، وتستهلك المدن من 60-80% من الطاقة، وبناءً عليه يتوجب على أصحاب القرار سواء في المدن الغنية أو الفقيرة العمل على اتخاذ قرارات تتمثل بوضع خطط حاسمة، لبناء مدن مستقبلية توفر جميع الخدمات لسكانها دون الإضرار بالبيئة المحيطة، والحفاظ على الموارد الطبيعية، وتعمل على تخفيض انبعاث غازات الاحتباس الحراري، وتوفر بيئة صحية وسليمة لقاطنيها، أي باختصار إنشاء مدن مستدامة أو ما يعرف بالمدن الخضراء.

خطوات نحو المدن المستدامة

يتم إنشاء المدن المستدامة من خلال إعادة النظر بالسياسات الاقتصادية والعمرانية، وإعادة النظر بالعلاقة ما بين المدينة ومحيطها، والتأسيس لأنظمة خدمية متطورة، تكون بمجملها صديقة للبيئة، كأنظمة الصرف الصحي وأنظمة النقل وطريقة معالجة النفايات، وتصميم الحدائق والمتنزهات، وضبط استهلاك الطاقة، بالإضافة لتعزيز تكافؤ الفرص لتحقيق منافع اقتصادية واجتماعية وبيئية أكبر.

وبناءً عليه اتخذ عدد من الشركات ومصممي المدن في العديد من الدول خطوات وبرامج متكاملة لإطلاق ما يعرف بالتنمية الحضرية المستدامة، من خلال الترويج للمدن كأماكن طبيعية تعمل على دمج المجتمعات البشرية القاطنة فيها مع الأنظمة الطبيعية والبيئية المحيطة، من خلال إدارة وتطوير الثروة المائية، وإقامة محطات لتكرير المياه العادمة سواء الناتجة عن استهلاك المنازل أو المصانع.

بالإضافة إلى العمل على المحافظة على الغابات وزيادة المساحات الخضراء سواء داخل المدن أو خارجها، مع مراعاة التنوع البيئي والنباتي في هذه المساحات وذلك لتعزيز الدورة البيئية فيها، وتطوير ما يعرف بالزراعة الحضرية أو شبه الحضرية، كعناصر للبنية التحتية الخضراء في المدن أو حولها، كتصميم ما يعرف بالأبنية الخضراء حيث تُستغل الأسطح بالزراعة ويستفاد من النفايات الغذائية الناتجة عن سكان الأبنية كسماد للتربة.

بالإضافة للاستثمار في مجال الطاقة البديلة كطاقة الرياح أو الطاقة الشمسية وذلك لتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري، ويساهم في ذلك أيضًا تصميم وسائل النقل التي تعتمد على الكهرباء كمترو الأنفاق والقطارات السريعة، وإنشاء الطرقات السريعة وطرق للدراجات الهوائية، وتكون مرافقة لزيادة وعي المواطن باستخدام وسائل نقل صديقة للبيئة.

أبرز المدن التي وضعت خططًا لتكون في قائمة المدن المستدامة

سنغافورة

المدن المستدامة

تعتبر أكثر المدن خضرةً في آسيا، من خلال تطويرها خططًا للتنمية المستدامة، ووضعت أهدافًا وجب تحقيقها حتى عام 2030، ومن هذه الأهداف توفير الطاقة بنسبة 35%، واعتماد المباني الخضراء بنسبة 80%، والاعتماد على محطات القطار كإحدى أهم وسائل التنقل في المدينة، وحدّت من ملكية السيارات بين قاطني سنغافورة، كما تبنت أنظمة نقل متطورة وفعالة، واعتماد ركوب الدرجات من قبل المواطنين.

كوبنهاغن في الدنمارك

تعتبر واحدة من أكثر المدن خضرةً على مستوى العالم، وذلك من خلال تركيزها على تقليل انبعاث الكربون بنسبة عالية بحلول عام 2025، حيث وضعت خطة عام 2009 واستطاعت في عام 2015 أن تقلل انبعاث الكربون بنسبة 20%، اعتمدت هذه الخطة على عدة مجالات، ومنها الحد من استهلاك الطاقة بما فيها تلك التي تستخدم للتدفئة وكان ذلك باعتماد نظام تدفئة مركزي يتصل بأغلب المنازل الموجودة في المدينة، ويعمل هذا النظام على توفير استهلاك الطاقة، واعتماد نظام تبريد متطور يوفر حوالي 70% من الطاقة مقارنةً بأنظمة التبريد التقليدية.

عملت أيضًا على تحسين وسائل النقل والطرق، حيث بنت الطرق السريعة وممرات للدرجات الهوائية في جميع أنحاء المدينة بحيث يتمكن 45% من السكان من التنقل على الدرجات الهوائية.

فانكوفر في كندا

المدن المستدامة

تعتبر من أولى المدن في أمريكا الشمالية التي اتبعت نظامًا حضريًا لمعالجة أزمة المناخ، ففي عام 2012، وضعت خطة لما يعرف بالمدينة الخضراء تتضمن هذه الخطة عشرة أهداف يجب تحقيقها بحلول عام 2020، بما فيها الحد من انبعاث غازات الاحتباس الحراري بكل مسبباتها، وتوسيع ما يعرف بالمباني الخضراء حول المدينة، وزيادة المساحات الخضراء فيها، كما اعتمدت نظامًا يسمح لها بالاعتماد 100% على الطاقة البديلة وذلك حتى عام 2050، مع الاستمرار بوضع خطط لتطوير المدينة الخضراء بحيث تصبح أكثر نجاحًا، من خلال سماحها للشركات والأفراد بالاستثمار بهذا المجال.

ستوكهولم في السويد

المدن المستدامة

تسعى ستوكهولم لتكون مدينة خالية من انبعاثات الوقود الأحفوري بحلول عام 2050، ووضعت خططًا لذلك منها إنشاء أنظمة تدفئة تكون هذه الأنظمة مركزية المصدر لتدفئة المباني أي الاعتماد على محطات توليد الكهرباء للتبريد والتدفئة، بحيث تكون هذه المحطات أكثر كفاءة لتقليل انبعاثات غازات الاحتباس الحراري.

سان فرانسيسكو في كاليفورنيا

عملت هذه المدينة على أن تكون مدينة رائدة في مجال الاستدامة والطاقة النظيفة، وذلك من خلال تحسين كفاءة مصادر الطاقة وتطوير نظام النقل العام في المدينة، باعتماد وسائل النقل الكهربائية والهجينة، وعملت على تخفيف استهلاك المياه بشكل كبير، بالإضافة لوضع خطط للحفاظ على البيئة، واعتماد أنظمة لإنتاج الغذاء المستدام وإعادة تدوير النفايات، بحيث يصبح إنتاج مدينة سان فرانسيسكو منها صفرًا بحلول عام 2020.

وأخيرًا يعتبر إنشاء المدن الخضراء أو المستدامة ضرورة ملحة وذلك لإنقاذ الكوكب والحد من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري، ولا يتم ذلك إلا من خلال وضع خطط واستخدام تقنيات متطورة تعمل على توفير الطاقة وتنقية المياه وتكريرها وإعادة تدوير النفايات، واستخدام الطاقة البديلة، والأهم من ذلك خلق ثقافة جديدة حول البيئة ومخاطر التلوث على الإنسان وعلى الكوكب بشكل عام.

0

شاركنا رأيك حول "المدن المستدامة: أفضل الحلول للعيش في مدنٍ خضراء وكوكب متعافي 🌏"