متلازمة الكوخ: عندما تحب المنزل بشدة حتى يصير سجنك
0

في الوقت الذي يتطلع فيه الملايين من البشر إلى العودة لممارسة الحياة الطبيعية بعد انتهاء فترة العزل الاجتماعي المفروض عليهم منذ شهور للحد من انتشار فيروس كورونا، فإن على الجانب الآخر هناك من تصيبهم الهواجس من فكرة الخروج من الكهف المنزلي الآمن، هذا الاضطراب النفسي يسمي متلازمة الكوخ – Cabin Fever.

جائحة كورونا لم يكن تأثيرها سلبيّاً على الصحة والاقتصاد والحياة الاجتماعية فقط، ولكن ظلالها الكئيبة طالت الصحة النفسية للملايين أيضاً. علماء النفس أشاروا إلى أن العزل الاجتماعي والقيود التي فُرضت كإجراءات احترازية للحد من انتشار فيروس كوفيد-19 -والتي لم يتم يشهدها العالم منذ الحرب العالمية الثانية- أدت إلى ظهور اضطرابات نفسية خطيرة للملايين حول العالم.

متلازمة الكوخ واكتئاب ما بعد الصدمة

متلازمة الكوخ - عائلة في المنزل

بعد الحجر المنزلي الذي لازمنا فترة طويلة، قد تصبح العودة للحياة الطبيعية للكثيرين ثقيلة. الخروج للعمل ومقابلة الناس والتسوق وغيرها، تجعلك تفكر وأنت مضطرب: “ماذا لو خرجت وأصابتني العدوى رغم اتخاذي لكل الإجراءات الاحترازية؟ ما احتمالية إصابة أولادي لو خرجوا للحياة الطبيعية مرة أخرى؟ ماذا لو خالطت حاملًا للفيروس ممن لا تظهر عليهم الأعراض؟”. هذه الأسئلة المُقلقة تصعّب فكرة العودة للحياة الطبيعية. هذة الظاهرة الطبية تسمى متلازمة الكوخ يا رفاق، والتي تتمثل في صعوبة مغادرة الأشخاص للمنزل الذي أصبح ملجأً يحميهم من الفيروس الجديد.

اقرأ أيضًا: مكتئب بسبب كورونا؟ أهم التأثيرات النفسية للأوبئة وطرق مقاومتها

بإيطاليا، سجلت جمعية الطب النفسي الإيطالية SIP أكثر من مليوني شكوى لأشخاص يعانون بالفعل من متلازمة الكوخ، وذلك بعد تخفيف تدابير العزل المنزلي والعودة للحياة الطبيعية تدرجياً.

يشرح رئيس الجمعية ماسيمو دي جانتونيو، أن العديد من الأشخاص الآن يعيشون أوقاتاً مرهقة نفسياً خوفاً من مواجهة أسلوب حياتهم السابق، وأيضاً لفكرة مغادرة البيت الذي أصبح ملجأً يحميهم من فيروس كورونا. بل أن العودة إلى الحياة اليومية بشكل طبيعي بالنسبة للكثيرين ليست بالأمر اليسير على الإطلاق، ويتخلله الكثير من القلق والاضطراب والخوف.

إحدى السيدات المصابات بهذه المتلازمة تقول أنها دائماً ما كانت تشتكي من القولون العصبي سابقاً ولكن أعراضه اختفت تماماً منذ بداية العزل المنزلي، ولذلك فهي غير مستعدة لمواجهة العالم الخارجي مرة أخرى.

يوضح ماسيمو الأمر بقوله:

متلازمة الكوخ هي رد فعل طبيعي حتى للأشخاص المتوازنين نفسياً. لكن إذا ما استمرت هذه الأعراض لمدة تزيد عن 3 أسابيع، فإن الشخص المصاب مُعرض لخطر الإصابة بأمراض نفسية خطرة مثل نوبات الهلع والاكتئاب الحاد.

يكرر جانتونيو على أهمية عدم التساهل أو التهاون بمخاوف الشخص المصاب بالمتلازمة والتوجه إلى الأطباء النفسيين فوراً. خاصة أنها اضطراب نفسي معروف وله وصفات وأدوية طبية فعالة.

تاريخ اكتشاف متلازمة الكوخ

متلازمة الكوخ - منجم في الصحراء

تصنف متلازمة الكوخ كاضطراب نفسي تكيفي، وليس كمرض نفسي بحد ذاته. تاريخياً تعود هذه الظاهرة إلى عام 1900، عندما ظهرت أعراضها على الصيادين والمنقبين عن الذهب في الولايات المتحدة الأميركية. كانت فكرة خروجهم من الأكواخ التي عاشوا فيها فترة طويلة تصيبهم باضطرابات نفسية مثل الخوف والقلق، خاصة خلال فصل الشتاء. عندما تشتد موجة البرد ويضطر البعض للمكوث داخل البيت لأيام وأحيانًا لأسابيع.

متلازمة الكوخ والأعراض الشائعة لها

متلازمة - سيدة عند الشرفة

من أبرز أعراض متلازمة الكوخ أنها تسبب اضطراباً نفسياً يجعل الشخص يميل للعزلة حتى بعد انتهاء الأزمة التي تسببت له في صدمة كبيرة، ويصاحب ذلك أعراض نفسية عديدة مثل:

  • سرعة الانفعال والقلق والشعور بالخمول.
  • الحزن المستمر الذي يتطور إلى الاكتئاب.
  • صعوبة في التركيز.
  • قلة الصبر.
  • شراهة في الأكل.
  • قلة الشعور بمحفز للإنجاز.
  • أنماط النوم غير المنتظمة مثل النعاس أو الأرق، وصعوبة الاستيقاظ، وقيلولة متكررة.

وليس شرطاً أن يعاني الشخص من جميع هذة الأعراض معاً؛ حيث يختلف تأثر الأشخاص بالأعراض بحسب طبيعتهم وحالتهم النفسية. فإن كان الشخص في الأصل اجتماعياً وغير معتاد على التواجد بالمنزل لفترات طويلة، فربما يكون أكثر عرضة للإصابة بهذه الأعراض.

كيف نقلل من أعراض تلك المتلازمة؟

الكوخ - عائلة في المنزل

لا بد أن نعرف طريقة مواجهة متلازمة الكوخ جيداً وبشكلٍ صحيح، خاصة وأنها عارض نفسي جديد على الكثير منا، حتى أن البعض قد يصاب بها دون الشعور بذلك .هناك عدة نصائح طبية يمكن الاستعانة بها للتقليل من هذا العارض النفسي ويمكن ترتيبها كالتالي:

1- عليك اللجوء للتمارين الرياضية

فهي مفيدة للصحة عموماً سواء الصحة البدينة العقلية، فممارسة نشاط رياضي مثل المشي أو الركض بشكل منظم يومياً سيحسن كثيراً من الشعور بالتوتر والاكتئاب. وبالتالي سيقلل من أعراض متلازمة الكوخ بالتأكيد.

2- النوم

للنوم عامل كبير جداً في تحسين حالتك النفسية؛ فتنظيم ساعات النوم سواء عند الخلود للنوم أو الاستيقاظ منه يساعد بالتأكيد في التخلص من آثار القلق والاكتئاب. حاول أيضاً تقليل وقت القيلولة التي تجعل المرء غير قادر على النوم ليلاً في توقيت مناسب.

3- الاتصال والتفاعل مع الآخرين، وخاصة من تُحب

لا يقتصر التفاعل مع الآخرين على  اللقاءات والمقابلات وجهاً لوجه، فمن الممكن الاتصال بالآخرين عن طريق المكالمات الهاتفية أو عبر مواقع التواصل الاجتماعي. يشير المختصين إلى أن اتصالنا بمن نحب يقلل من الوحدة الاجتماعية ويساهم في التغلب على أعراض متلازمة الكوخ مع الوقت.

4- أشغل عقلك

حل مشكلة بسيطة سواء لنفسك أو لآخرين، فالشعور المكتسب من النجاح في حل المشاكل يفيد جداً خلال هذه الفترة.

5- القراءة

القراءة نشاط ذهني مهم وله تاثير إيجابي للغاية للحالة المزاجية للفرد. فإذا كنت ممن لا يمارسون هذة العادة الحميدة فهذه فرصتك لتبدأ. تُمكنك القراءة من خلق مغامرات جديدة للهروب من الواقع المحبط ولو قليلاً.

6- ابدأ بوضع خططك الشخصية والعملية المستقبلية

يمكنك وضع خطة كاملة لحياتك بعد انتهاء وباء الكورونا وعودة الأمور لطبيعتها. يمكنك وضع تصور للغد على المستوى الشخصي والعملي.

وختاماً

تقول الكاتبة السعودية د.زينب الخضيري، بخصوص متلازمة الكوخ والأوضاع الجارية:

إن قرار عودة الحياة إلى طبيعتها تدريجياً تجعلنا قلقين منه؛ فالعادات التي اكتسبناها خلال فترة العزل المنزلي ومواجهة أنفسنا بشكل جديد غير معتاد جعلتنا نتغير كثيراً. فتوقعاتنا تجاه الأشياء اختلفت وانخفضت بشكل كبير، فكنا نأخذ صراعاتنا في الحياة والعمل، وقلقنا على البيت والأسرة والرزق وغير ذلك من المسلمات التي لا يمكن المناقشة فيها. وفجأة يأتي اختبار كورونا ليغير معه طريقة تفكيرنا ويعيد صياغة ترتيب الأمور بشكل كامل. فكم من أعمال توقفت، وكم من رحلة عمل مهمة ألغيت وكم من أمور اجتماعية كالارتباط والزواج وغيره تأجلت إلى حين.

نقول إن متلازمة الكوخ هي ردة فعل طبيعية لا تستدعي الخوف. ولكن لأنها تؤدي إلى اضطراب الفكر عند المصاب، فإنها قد تدفعه إلى اتخاذ قرارات غير عقلانية؛ فلذا وجب الانتباه إلى أن المصابين بهذا العارض النفسي ربما يصعب عليهم الانطلاق نحو الحياة بعد الحجر المنزلي الطويل، فهم يحتاجون تطمينٍ للنفس. والتأكيد على مواصلة محاولة الاختلاط بالناس والحياة من جديد، لأن إكمال مسيرتنا في هذه الحياة أمر لا مفر منه في النهاية.

 

يمكنك الاطلاع على تطبيق توكلنا، وهو التطبيق الرسمي الذي تقدمه حكومة المملكة العربية السعودية، وهو من تطوير مركز المعلومات الوطني، ويقدم خدمات إخراج تصاريح التنقل والمشي للمواطنين والمقيمين في البلاد ويمكن من خلاله أيضاً التسجيل في منصة مدرستي للتعليم عن بعد، والتي تعتبر منصة التواصل عبر الانترنت بين الطلاب ومدرستهم.

 

0

شاركنا رأيك حول "متلازمة الكوخ وكورونا: عندما تخشى الخروج من المنزل حتى يصير سجنك"