الجمرة الخبيثة: عندما كبست الإنسانية على زر التدمير الذاتي..
0

بهذه العبارة لخّص الفيلسوف الإنجليزي توماس هوبز رأيه عن النفس البشرية قائلًا: “الإنسان ذئب لأخيه الإنسان”. وربما يكون جزء من هذا الكلام واقعيًّا. فإذا عُدنا للعصر الحجري القديم ومررنا بالعصور المختلفة وصولًا إلى يومنا هذا، سنرى أن جُلّ اهتمام الإنسان هو التخطيط والتجهيز والترصُّد لإيذاء نظيره في مملكة أخرى أو مدينة أخرى أو حتى أخيه في المنزل نفسه. لكن ما علاقة هذا الكلام بمرض الجمرة الخبيثة يا رفاق؟ مهلًا، دعونا نُكمل.

بكلامي السابق حاولت -وضمن إطار المحاولة- الإجابة عن سؤال قد يخطر في ذهن الجميع، لماذا يلجأ الإنسان إلى صناعة الأسلحة بل ويتفنن بها؟ ولماذا يحوّل كل ما يخترعه لسلاح؟ من الحربة التي صنعها الإنسان البدائي بغرض صيد، إلى الرصاص واليورانيوم، وصولًا لزمنٍ باتت تُشكِّل فيه الجراثيم والفيروسات وكل العوامل الدقيقة التي اكتشفها الإنسان بعد جهد وعمل مديد سلاحًا تُهدد به الدول “المتقدمة”.

مهما حاولت يائسًا فلن أجد تبريرًا أوضح مِمّا بدأت به، لكن موضوع مقالنا بعيد عن هذه التساؤلات، فحديثنا اليوم عن الجمرة الخبيثة ودورها كسلاح بيولوجي.

ما هي هذه الأسلحة البيولوجية؟

هو استخدام الكائنات الحيّة الدقيقة (كالجراثيم أو الفيروسات أو الفطريات وغيرها) الموجودة في الطبيعة أو ذَيفَانها (سم حيوي بروتيني، تصنعه بعض الكائنات الحيّة الدقيقة)، لقتل أو الإيذاء المتعمَّد للإنسان أو الحيوانات أو النباتات. وتُعتبَر هذه الأسلحة من أسلحة الدمار الشامل، التي تندرج ضمنها الأسلحة الكيميائية والنووية والإشعاعية.

ماذا عن تاريخ الأسلحة البيولوجية

الجمرة الخبيثة - حرب بيولوجية

قد تعتقد بأن ظهور الأسلحة البيولوجية ترافق مع التقدم والتطور العلمي، ولكن عند التقليب في صفحات التاريخ سنجد عدة أمثلة عن هذه الأسلحة قبل هذا التطور وقبل اكتشاف هذه العوامل أصلًا. فمثلًا كان الرماة السكوثنين يتعمّدون غرز رماحهم في الجثث المتعفنة أو التراب قبل رميها على الأعداء، وكان ذلك في عام 400 قبل الميلاد. كما نجد في الأدب الفارسي واليوناني والروماني العديد من الأمثلة المشابهة، ففي الحروب كانت تُستخدم جثث الحيوانات الميّتة لتلويث الآبار ومصادر المياه للأعداء.

وفي معركة يوريميدون – The Eurymedon البحرية في عام 190 قبل الميلاد، فاز هانبيال على الملك يومينس الثاني بإطلاقه سفنًا ترابية مليئة بالثعابين السامة باتِّجاه سفن العدو. وفي القرن الثاني عشر الميلادي لا بدّ أن نقف عند معركة تورتونا التي قام فيها بربروسا بتسميم مياه العدو، وذلك برمي الجثث المتعفنة للجنود والضحايا ضمن الآبار الساقية. متى تأتي الجمرة الخبيثة إذًا؟ لا تتعجل، لنُكمل.

وخلال القرن الرابع عشر مع انتشار المغول في جميع أنحاء أوروبا وأسيا، نشروا وباءً شكّل أهم مرض في التاريخ الطبي، ألا وهو الطاعون أو ما يُعرف بالموت الأسود. علاوةً عن نشر المرض، كانت القوات المغولية تلجأ لرمي جثث المصابين بالطاعون في المدينة التي يحاصروها؛ ليقوموا بنشر الوباء بالمدن المُحاصرة مثل حصار كافا. وحدث أمر مشابه لما فعله المغول ولكن الجُناة هنا هم القوات الروسيّة التي ألقت جثث الميتيّن بالطاعون على القوات السويديّة المُحاصرة في إستونيا.

اقرأ أيضًا: هل يكون فيروس كورونا أحد أشكال الأسلحة البيولوجية المستخدمة في حرب يُراد لها أن تكون بالأوبئة؟!

في القرن الثامن عشر وخلال الحرب الفرنسية والهندية، قامت القوات البريطانية بتوزيع بطانيات لرؤوس بعض القبائل الهندية كهدية. ولم تكن هذه الحركة عن حسن نيّة؛ فالبطانيات هذه كانت مليئة بفيروس الجدري، الذي فتك بالهنود الحمر في أمريكا.

ذكرنا بعض الأمثلة عن هذه الأسلحة، والتي تعتبر الأقدم تاريخيًا، بعيدًا عن أسلحة المستخدمة في القرن العشرين وحروبه العالميّة. لنبدأ الآن بلُب موضوعنا وهو الجمرة الخبيثة يا رفاق.

الجمرة الخبيثة

الجمرة الخبيثة - تحليل إيجابي

الجمرة الخبيثة هي عدوى جرثومية خطيرة، والجراثيم المُسببة تدعى العصوية الجمريّة – Anthrax  bacterium. تنتقل هذه العوامل الممرضة عبر عدة طرق، كالجلد والتنفس (الأكثر فتكًا) والهضم في حالات نادرة، وتنتشر عادةً بين الحيوانات والبشر المُعرضين. ونتيجة لبنيتها المقاومة وسهولة انتشارها في البيئة وشدة فتكها العالية، اعتُبِرَت الجمرة الخبيثة أكثر عوامل الإرهاب البيولوجي خطورة. فخلال القرن الماضي، تطورت الجمرة الخبيثة من مرض طبيعي محدود، إلى تهديد عالمي مُحتمل إذا استُخدم كسلاح بيولوجي. وذلك بسبب الأبحاث التي لا تزال تقام حولها.

لماذا قد تستخدم الجمرة الخبيثة كسلاح بيولوجي؟

  • إمكانية إنتاجها مخبريًا، وبكميات مهولة.
  • يمكن أن تستمر خطورتها لمدة طويلة.
  • إمكانية انتشارها على نطاق واسع.
  • لا تُرى بالعين ولا تُكشف بأي تقنية.
  • يمكن تصنعيها بعدة أشكال.

تاريخها كسلاح بيولوجي

بدأ الاهتمام العسكري باستخدام الجمرة الخبيثة كسلاح في الحرب العالمية الأولى، فقد استخدمها الألمان لتلويث عَلْف الماشية.

يُقال إن أول استخدام للجمرة الخبيثة كسلاح قد حدث خلال الاحتلال الياباني للصين من عام 1932 إلى عام 1945، ويُزعَم أن اليابانيين أجرَوا تجارب حول الجمرة الخبيثة والأسلحة البيولوجية الأخرى على معتقلين في منشوريا. ووصل عدد الضحايا حسب بعض التقديرات إلى 10000 شخص لقوا حتفهم نتيجة هذا التجارب.

الحرب العالمية الثانية

في حربٍ استُخدمت بها كل أنواع الأسلحة، ليس من الغريب وجود السلاح البيولوجي، حيث كان يُعتقد أن الجيش الألماني شنَّ بعض الهجمات البيولوجية. وحسب مزاعم الحلفاء آنذاك، الجيش لبريطاني اكتشف أبواغ لجراثيم الجمرة الخبيثة قبالة الساحل الاسكتلندي في جزيرة غرينيرد – Gruinard، وظلّت هذه المنطقة خطرة وقادرة نظريًا على العدوى لعدة عقود بعد ذلك. وفي عام 1979 بدأت عملية التطهير وانتهت في عام 1987، استُهلِكَ خلالها 280 طنًا من الفورمالديهايد و 2000 طن من مياه البحر لتنظيف الجزيرة.

الحرب الباردة

بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وبروز جبهتين للعالم: الاتحاد السوفييتيّ وأمريكا، واصل كل من الفريقين الأبحاث المُتعلقة بالأسلحة البيولوجية في الخمسينات. وفي أمريكا توصل خبراء من جامعة ولاية أيوا إلى سلالة خبيثة تدعى سلالة أميس، وهي واحدة من 89 سلالة معروفة من بكتيريا الجمرة الخبيثة المعروفة، والتي بيعت بدورها لاحقًا إلى عدة دول حول العالم. وفي عام 1970 أمر رئيس البلاد آنذاك، السيد ريتشارد نيسكون، بإيقاف تطوير الأسلحة البيولوجية في الولايات المتحدة الأمريكية. واقتصرت الأبحاث -حسب المزاعم الأمريكيّة- على تطوير وسائل الدفاع ضد أي هجوم بيولوجي.

في أبريل من عام 1979، في منطقة سفردلوفسك في الاتحاد السوفيتي، انتشر وباء للجمرة الخبيثة. وكان السبب فيه حسب الولايات المتحدة، هو إطلاق بطريق الخطأ لبعض قدرات الأسلحة البيولوجية من منشأة عسكرية بالقرب من سفيردلوفسك. وتسبب ذلك بـ 68 حالة وفاة حسب التقارير السوفيتيّة، وتتهم المصادر الأمريكية أيضًا الاتحاد السوفيتي باستخدامه لهذه القدرات في حربه مع افغنستان. ورغم كل الحقيقات والأخبار آنذاك، لم يتم التوصل إلى دليل ملموس حول هذا الاتِّهام.

حرب الخليج الثانية

عند وقوع حرب الخليج الثانية عام 1991، وبدء الهجمات العسكرية العراقية على دولة الكويت، صرحت الولايات المتحدة الأمريكية بوجود معامل تنتج أسلحة بيولوجية متطورة في العراق. وكشفت أن في ثمانيات القرن الماضي باعت الولايات المتحدة سلالات من جراثيم الجمرة الخبيثة لدولة العراق. العراق التي قامت بتطوير القدرة على استخدامها في الرؤوس الحربيّة والهجمات الجويّة حسب المصادر الأمريكية.

اقرأ أيضًا: أخطر 5 أمراض قد تخطئ وتظنها إنفلونزا!

نتيجة لذلك بات يوجد نقاش حول إمكانية استخدام العراق الجمرة الخبيثة كسلاح بيولوجي. وبعد انتهاء الحرب، قامت لجنة الأمم المتحدة الخاصة في العراق – UNSCOM بتدمير ما تبقى من مرافق الإنتاج والتخزين للأسلحة البيولوجية. حينها صرّح المفتش السابق للأمم المتحدة سكوت ريتر لقناة البي بي سي – BBC News، قائلًا:

بحلول عام 1998، لن تصبح لدى العراق القدرة على إنتاج أسلحة بيولوجية.

هجمات الجمرة الخبيثة بعام 2001

هجمات الجمرة الخبيثة بعام 2001

عقب انتهاء مأساة أحداث 11 من أيلول 2001، دبّ الرعب في أذهان المواطنين الأمريكيين عند وصول خبر وفاة خمسة أمريكيين وإصابة 17 آخرين بالجمرة الخبيثة نتيجة هجمات بيولوجية مُحكَمة. وأعقب ذلك تحقيقات موسّعة من قبل مكتب التحقيقات الفدرالي وشركائه الذي أطلق عليه اسم (أميريتراكس)، وفي الواقع إنها واحدة من أكبر التحقيقات وأكثرها تعقيدًا في تاريخ الولايات المتحدة.

بالبحث المطوّل اتضح أنه قبل ظهور حالات الإصابة، وصلت رسائل من مجهول مكتوبة بخط غير مفهوم ومليئة بغبار يحوي ملايين جراثيم الجمرة الخبيثة ومُرسلة لأشخاص معينين في فلوريدا ونيويورك ومبنى مكاتب الكونغرس في واشنطن.

من بين الضحايا الخمسة الذين ماتوا اثنان من عمال البريد، والضحايا الثلاثة الآخرون هم امرأة مسنة من ريف كونيتيكت، وعاملة في مستشفى مانهاتن، وموظفة في مجلة في فلوريدا ربما تكون قد أصيبت بالجمرة الخبيثة بالعدوى من أحدهم.

بعد أكثر من 9100 عملية استجواب و 6000 أمر استدعاء وجوائز بالملايين لمن يصل للمجرم، واتهامات للقاعدة والعراق وغيرها الكثير، أعلن مسؤولو وزارة العدل ومكتب التحقيقات الفدرالي في أغسطس من عام 2008 أن أصابع التُهم وجِهت نحو الدكتور بروس إيفينز، الذي انتحر قبل أسبوع من ذلك. وبالتالي هو المسؤول الوحيد عن هجمات الرسائل البريدية المسممة. اختتمت وزارة العدل ومكتب التحقيقات الفيدرالي وخدمة التفتيش البريدي الأمريكية التحقيق رسميًا في عام 2001 وأصدرت ملخصًا استقصائيًا بالأمر.

0

شاركنا رأيك حول "الجمرة الخبيثة: عندما ضغطت الإنسانية على زر التدمير الذاتي.."