الطاعون الدبلي
1

لم ينتهِ العالم بعد من مشكلة تفشّي جائحة فيروس كورونا (Covid-19) الذي انتشر من الصين إلى جميع أنحاء العالم، حتّى عادت الصين نفسها لتبلّغ عن حالة في منطقة منغوليا الداخليّة مصابة بمرض الطاعون الذي أودى بحياة الملايين عندما انتشر في الماضي معلنةً بذلك حالة الطوارئ.

فما هو هذا المرض بالضبط؟ وكيف ينتقل؟ وهل علينا القلق حيال انتشاره ليصبح فاجعة أخرى يشهدها العالم خصوصًا قبل تعافيه من فيروس كورونا؟ هذا هو محتوى مقالنا اليوم، ففيه نناقش تاريخ هذا المرض منذ تسجيل أوّل حالة حتّى يومنا هذا.

ما هو الطاعون

الطاعون (Plague) هو مرض جرثومي خطير تسبّبه جرثومة (يرسينيا الطاعونيّة Yersinia Pestis) الموجودة في القوارض وهي بذلك تنتقل بشكلٍ أساسيٍّ عن طريق البراغيث. أكثر ما تتواجد هذه القوارض في أرياف إفريقيا، وآسيا، والولايات المتحدة الأمريكيّة. تنتقل العدوى إلى الإنسان في حال تعامله مع أحد القوارض والحيوانات المُصابة أو تناوله لها، ويبقى السبب الأكثر شيوعًا لإصابة الإنسان بالطاعون هو التعرّض للدغات البراغيث التي كانت على مقربةٍ من أحد الحيوانات المُصابة كالفئران، والسناجب، والأرانب وغيرها.

غرفة مثالية لرجل مريض”: الأشياء في ظل الموت الأسود!

أنواع الطاعون

يوجد ثلاثة أنواعٍ من المرض تختلف بحسب المنطقة المُصابة وتتميّز كلًا منها بأعراضٍ وعلاماتٍ خاصة. وبهذا نميّز الأنواع التالية:

الطاعون الرئوي Pneumonic plague

وهو النوع الأقل شيوعًا ومع هذا فهو الأخطر كونه ينتقل من شخصٍ لآخر عن طريق الرذاذ المنطلق عند السعال، بالإضافة لتطوره السريع مسببًا مشاكل تنفّسية وفشل وحتّى صدمة وذلك كلّه خلال أول يومين من بدء المرض. يحتاج المُصاب بهذا النوع إلى تلقّي العلاج المناسب بالصادات الحيوية (Antibiotics) فور ظهور الأعراض وإلا فاحتمال الوفاة عالٍ. تبدأ أعراض هذا النوع بعد ساعاتٍ قليلة من العدوى، وتتضمّن:

  • سعال مدمّى وبلغم.
  • صعوبة في التنفس.
  • غثيان وإقياء.
  • ارتفاع حرارة وحمّى.
  • صداع ووهن عام.
  • ألم صدري.

طاعون إنتان الدم Septicemic plague

يحدث عندما تدخل الجرثومة المسببة لمجرى الدم. تتضمن الأعراض:

  • قشعريرة وحمّى.
  • ضعف جسدي شديد.
  • إقياء وإسهال وألم بطني.
  • صدمة.
  • نزف أنفي (رُعاف) أو فموي أو شرجي، كما يمكن أن يحدث النزف تحت الجلد.
  • اسوداد وتموّت أنسجة الأطراف (غرغرينا) وخاصةً الأنف وأصابع اليدين والقدمين.

الطاعون الدبلي Bubonic plague

وهو النمط الأكثر انتشارًا، يحدث خلال الأسبوع الأول من العدوى توذّمًا وتضخّمًا في العقد اللمفية مما يعطيها شكل الدّبل. عادةً ما تتوضع هذه الدبل (Buboes) في الفخذ أو الإبط أو العنق، يقترب حجمها من حجم بيضة الدجاجة، مؤلمة عند للمس وثابتة. أما عن الأعراض:

  • حمّى فجائية.
  • صدمة.
  • تعب وشعور بالضيق.
  • ألم في العضلات.

حتّى الآن يبدو الطاعون كغيره من الأمراض، اذًا ما الذي جعل منه مرضًا خطيرًا سريع الانتشار حتّى بات واحدًا من أقسى الأوبئة التي أصابت الإنسان وأكثرها دمويّةً؟ لفهم ذلك علينا السفر في الزمن عدّة قرونٍ للوراء.

تاريخ الطاعون الدبلي

لعلّ أهم ما يميّز هذا المرض هو تطوّره السريع، يبدأ بالشكلي الدبلي حيث يتظاهر على شكل خراجاتٍ قيحيّة كبيرة من العقد اللمفية، تنتقل الجراثيم بعدها إلى الدم مسببةً تجرثمه وبالتالي أورامًا دمويّةً وتموتًا في الجلد وينتهي بالوفاة، وفي حال وصول الإنتان إلى الرئتين عن طريق الدم يصبح المرض في أخطر أشكاله وينتشر حينها بسهولةٍ من شخصٍ لآخر.

تسبّب مرض الطاعون بحدوث وباءٍ عالميٍّ تكرر ثلاثة مرّاتٍ في السنين 541، 1347، 1894 أودت كلّا منها بحياة ملايين الحيوانات والبشر في جميع الدول والقارات وتسبّب بتغييراتٍ اقتصاديّةٍ واجتماعيّة لا رجعة فيها.

الوباء الأول

بدأ عام 541 في إثيوبيا في أفريقيا الوسطى وانتقل منها إلى مصر ودول البحر المتوسط. وخلال عام واحد فقط من بدء هذا الوباء وصل متوسط عدد الوفيّات يوميًّا إلى 5000 ومنها إلى 10000 حتّى اكتظّت المقابر بالجثث لدرجةٍ لم تعد تتسع للمزيد. بعد ثلاثة أعوامٍ وصل الوباء إلى إيطاليا وفرنسا وانتشر شمالًا حتى وصل الدنمارك غربًا حتى إيرلندا. وهكذا وخلال 4 أعوامٍ من تفشي الطاعون الدبلي وصل عدد الوفيات إلى ما يزيد عن 100 مليون وفاة.

الوباء الثاني

بدأت عام 1347 في أوروبا أول موجة تفشّي للوباء للمرة الثانية والتي امتدّت من القرن الرابع عشر حتّى القرن الثامن عشر وبشكلٍ متقطّع. سُمّي الوباء الثاني بالموت الأسود (Black Death) وكان أسوء من الوباء الأول بمراحل. وهُنا تكمن واحدة من أكثر القصص انعدامًا للإنسانية، فقد انتشر الوباء بعد أن عمدت جيوش التتار إلى قذف جثث أناسٍ توفّوا بالطاعون فوق أسوار مدينة كافا (الآن منطقة في أوكرانيا) بعد فشلهم في محاصرتها، مما تسبب بإصابة السكان وهرب التجار الذين بدورهم ساهموا في نشر المرض إلى أوروبا ومنها إلى جميع انحاء العالم.

يصعب حصر الخسائر الناجمة عن هذا الوباء، ففي الفترة الممتدة من 1347-1350 لقي ربع سكان أوروبا حتفهم وهو ما يقارب 25 مليون وفاة، وذات الرقم في افريقيا وآسيا، عائلاتٍ بكامل أفرادها ماتت بسبب المرض وقرىً بأكملها هُجرت حتى بدأت السلطات برمي الجثث فوق بعضها في حفرٍ كبيرة، أما عن الناس الذين توفّوا في منازلهم أو في الشوارع فكانت جثثهم تُترك في مكانها حتّى تتعفن. تقلّصت حركات السفر والتجارة، كما عانت جميع القطاعات من نقصٍ في الأيدي العاملة وبالتالي قلّت صناعات الأغذية أيضًا.

عاود الموت الأسود الظهور في عام 1374 وخاصةً في فنيسيا، أوروبا. سارعت السلطات إلى عزل المنطقة ومنع جميع السفن التي تحمل على متنها أحد المصابين من أن ترسو في الموانئ، كما فرضت مدّة 40 يوم من الحجر على من يشتبه بإصابتهم.

موجة أخرى من الوباء ظهرت في 1665 وتحديدًا في لندن، راح ضحيتها خمس سكان المدينة بمتوسط وفيات بلغ 7000 وفاة أسبوعيًّا. ولعلّ أكثر ما ساعد على انتهاء هذه الفاجعة هي حدوث فاجعة أخرى وهي الحريق الكبير الذي نشب في المدينة في العام نفسه مسببًا حرق مواطن عديدة للفئران ومنقصًا بذلك من عددهم ومن شدّة انتشار المرض.

الوباء الثالث

بدأ في الصين ومنها إلى جميع دول العالم في 1894. ومع بداية 1900 كانت أستراليا تعاني من التفشي الأول من نوعه في مدينة سيدني واستمرت بشكلٍ متقطع وعلى امتداد 25 عام. لم ينتهِ هذا الوباء إلا بعد انقضاء 5 عقودٍ من الزمن أي عام 1959 مخلّفاً وراءه 15 مليون ضحية معظمهم في الهند.

كيف انتهت أبرز الأوبئة التي هددت البشرية عبر التاريخ

هل علينا القلق من وباءٍ جديدٍ للطاعون؟

كجوابٍ مختصر، لا. فقد شهد العالم عددًا لا يُحصى من أوبئة الطاعون عبر التاريخ. فحتّى بعد انتهاء الوباء الثالث، عاود المرض الظهور مجددًا في الصين وتنزانيا عام 1983، وفي الهند وموزمبيق 1994 وحتّى يومنا هذا يُسجل العالم قرابة 2000 حالة من الطاعون سنويًّا، معظمها في افريقيا، وآسيا، وجنوب أمريكا بمعدّل وفيات 5-15%.

بالطبع لا يمكننا تجاهل الحالة التي أبلغت عنها السلطات الصينية لراعٍ في الخامس من يوليو معلنةً بذلك مستوى الخطر الثالث لتفشي الطاعون الدبلي، ولكن علينا دائمًا أن نطمئن ونتجنب الهلع وذلك لتوفّر العلاج المُناسب بالصادات الحيوية كون العامل الممرض هنا هو جرثومة وليس فيروسًا كما الحال في كورونا، بالإضافة لمعرفتنا الدقيقة بطرق انتشاره وبالتالي كلّ ما علينا فعله هو تجنّب التعامل مع أيٍّ من الحيوانات المريضة أو الميّتة وكذلك الأمر تجنّب صيدها وتناولها.

تشير منظمة الصحة العالميّة (WHO) أن هذه الحالة تحت الرعاية اللازمة وتتجاوب مع العلاج وبالتالي تتماثل للشفاء، كما وحسب المنظمة فإن الأمور تحت السيطرة ولا يوجد أي خوفٍ من انتشار الوباء من جديد خاصةً أنها ليست الحالة الأولى التي تظهر فكما ذكرنا سابقًا فإن المرض معنا وسيبقى معنا لقرونٍ قادمة. ما يهم هو الالتزام بإجراءات الوقاية والابتعاد عن الحيوانات المشكوك بأمرها.

يكون خطر الإصابة بالطاعون أقل في المدن وأكثر منه في المناطق الريفية وخاصةً حيث تعيش القوارض، فهناك نجد من يؤمن سكنًا ومأوى للسناجب أو الجرذان في منازلهم. كما تجدر الإشارة إلى عدم توفر لقاح ضد الطاعون حتى الآن ولكنّه قيد التطوير.

الموت الأسود: الوباء الأشد فتكاً بتاريخ البشرية

حول كورونا:

قدمت الحكومة الالكترونية في المملكة العربية السعودية بالتعاون بين وزارتي الداخلية والصحة تطبيق خاص للحد من انتشار فيروس كورونا COVID-19 وهو تطبيق توكلنا Tawakkalna، حيث يمكن من خلال التطبيق أن يتمكن المواطن أو أي مقيم من إخراج تصريح تنقل أو سير أو مشي خلال فترة حظر التجول، وكذلك قدمت الحكومة الالكترونية منصة مدرستي الالكترونية للتعليم عن بُعد، حيث يمكن للأب أن يسجل أولاده في المنصة وذلك باستخدام تطبيق توكلنا.

1

شاركنا رأيك حول "في ظل تفشي كوفيد-19، الطاعون الدبلي إصدار جديد من الصين إلى العالم"