قطة شرودينغر
0

كنا قد رأينا في مقال “مفارقة EPR: أخطر سلاح تم رفعه في وجه ميكانيك الكم“، كيف حاول كل من أينشتاين وبودولسكي§ وروزن§ تبيان أن ميكانيك الكم هو نظرية غير مكتملة. وقد قام الفيزيائي النمساوي إرفين شرودينغر بعد قراءة ورقتهم العلمية، بإثارة نقطة أخرى ضد تفسير كوبنهاغن لا تقل خطورة عن سابقتها، إلا أنها تركز على مفهوم التراكب الكمومي ومشكلة القياس. سنناقش في هذا المقال ما الذي طرحه شرودينغر، وكيف رد أنصار تفسير كوبنهاغن عليه في هذا الشأن.

قطة شرودينغر

سنقتبس هنا من مقال “تفسير كوبنهاغن: محاولة لتفسير ميكانيكا الكم” لنذكّر قراءنا بما يقوله هذا التفسير عن الواقع:

يستند هذا التفسير بشكل كبير على مبدأ التتامية الذي وضعه نيلز بور، والذي ينص على أن الأشياء المادية تمتلك صفات متتامة تأتي في أزواج، ولا يمكن قياسها معاً، بحيث أنه لو امتلكت الجملة إحدى الصفتين المتتامتين، لما أمكن أن تمتلك الأخرى. بل وإن جهاز القياس هو ما يحدد أي الصفتين المتتامتين ستظهر، ولكل منهما طريقة قياسها الخاصة. إن هذا المبدأ يفسر بشكل رائع مبدأ الارتياب لهايزنبرغ، بالقول إن كلاً من الموضع وكمية الحركة هما صفتان متتامتان للجسيم وبالتالي لا يمكن قياسهما معاً. وإن ارتباط الصفة التي ستظهر، بالقياس الذي نقوم به على الجملة، يعني بأن جهاز القياس هو عنصر أساسي كي تظهر هذه الصفة في الطبيعة. وبالتالي فما نعرفه من صفات للمادة في الطبيعة، هي صفات لها معنى فقط بعد إجراء القياس، أما قبل القياس، فكل ما يمكن الحديث عنه هو احتمالات ما سنحصل عليه بعد القياس، ولا يمكن لنا وضع أي تصور عن الحالة قبل القياس بدلالة المفاهيم التي نعرفها في الفيزياء الكلاسيكية لأنها بمعنى من المعاني صفات لها معنى فقط بعد إجراء القياسات التي تعرّفها، وكل ما سبق يؤدي إلى أنه لا يمكن لنا أن نقوم بقياس على الجمل الكمومية دون جعل حالتها تتغير بشكل دراماتيكي!

بهذا المعنى فتفسير كوبنهاغن يعتبر أن الدالة الموجية تزودنا بكل ما نستطيع قوله عن الجملة قبل القياس، ولا يوجد متغيرات خفية كلاسيكية يمكن أن نلصقها بالجملة تصف حالتها قبل القياس.

ويعتبر تفسير كوبنهاغن أن سلوك الجمل المكونة من عدد كبير من الجسيمات سيؤول للسلوك الكلاسيكي المألوف على الرغم من أن كل جسيم من هذه الجسيمات سيوصف وفق ميكانيك الكم.

وعليه، وبما أن جهاز القياس مكون من عدد كبير من الذرات، فهو سيعطي دوماً نتيجة كلاسيكية محددة تماماً (كأن يمر الإلكترون من شق محدد تماماً في تجربة الشق المزدوج بعد وضع جهاز القياس) وليس حالة غريبة هي عبارة عن مزيج من النتائج الممكنة.

إذاً، فتفسير عدم رؤيتنا لظاهرة غريبة كالتراكب الكمومي، الذي هو عبارة عن مزيج من الحالات الممكنة بعد القياس، وفقاً لتفسير كوبنهاغن، يكمن في أننا نتعامل مع جمل تتكون من عدد كبير من الذرات.

وهنا بالضبط تكمن أهمية قطة شرودينغر§. فلقد تصور شرودينغر في تجربة ذهنية أننا وضعنا قطة في صندوق فولاذي مع القليل من مادة مشعة، والتي يتحلل منها ذرة وسطياً كل ساعة مثلاً. وعند تحلل الذرة، سيلتقط أحد نواتج تحللها مكشاف للإشعاع يدعى عداد غايغر، موصول بدارة كهربائية، بحيث أنه عندما يتحسس عداد غايغر تحلل الذرة، تقوم الدارة بإطلاق السم وقتل القطة. بينما لو لم تتحلل الذرة، فلن ينطلق السم وتبقى القطة على قيد الحياة. وقمنا بعزل الصندوق.

بالتالي ما سنحصل عليه هنا هو تشابك بين حالة القطة مع جهاز إطلاق السم ككل ومع الذرة المشعة، فوفقاً لميكانيك الكم ستصبح الجملة المركبة قبل القياس عبارة عن مزيج من حالتين: (ذرة تحللت / جهاز أطلق السم / قطة ميتة) مع (ذرة لم تتحلل / جهاز لم يطلق السم / قطة حية). ونلاحظ أننا لم نقل إن القطة تكون في حالة تراكب من قطة ميتة / قطة حية فهذا خطأ شائع، والسبب هو أنه بسبب التشابك المذكور، لا يمكن الحديث عن المادة المشعة أو جهاز إطلاق السم أو القطة كجمل منفصلة، بل وفقاً لميكانيك الكم هم جملة واحدة ومن الهراء الحديث عن أي منهم بشكل منفصل قبل القياس.

إن عبقرية هذه التجربة تكمن في أن شرودينغر، بجعله القطة وجهاز إطلاق السم في حالة تشابك مع الذرة المشعة (التي هي جملة لا بد من وصفها بميكانيك الكم)، قد نجح في نقل التراكب الكمومي ليصبح أمراً يطبق على أجسام مكونة من عدد كبير من الذرات (كالقطة وجهاز إطلاق السم)! وبهذا فقد أصاب تفسير كوبنهاغن في مقتل. فهل كانت مكونات الصندوق حقاً قبل فتحه في هذه الحالة الضبابية المعبر عنها بالتراكب السابق، حتى يقوم أحدهم بفتح الصندوق فتنهار الدالة الموجية ونجد إما ذرة تحللت /جهاز أطلق السم / قطة ميتة أو ذرة لم تتحلل / جهاز لم يطلق السم / قطة حية وليس مزيجاً من الحالتين معاً؟ لقد استنتج شرودينغر أن هذه نتيجة سخيفة، وبالتالي لا بد من أن تفسير كوبنهاغن لميكانيك الكم ليس تفسيراً صحيحاً!

التشابك الكمومي، أو ما دعاه أينشتاين بالتأثير الشبحي عن بعد: هل يمثل انتهاكاً للنظرية النسبية؟

رد تفسير كوبنهاغن

في الواقع، كان هذا الأمر بالفعل سيشكل ضربة في مقتل لتفسير كوبنهاغن فيما لو كان القصد بالراصد أنه المراقب الواعي الذي يفتح الصندوق، وأن هذا الراصد الواعي سيسبب انهياراً في دالة موجية لها وجود حقيقي فيزيائي، وذلك لحظة القياس. إلا أن نيلز بور، أحد واضعي تفسير كوبنهاغن لم يكن يعتبر أن عملية القياس هي عملية قياس تتم عبر مراقب واعٍ، بل أنه يكفي تفاعل الجملة مع جهاز القياس لجعل الدالة الموجية تنهار، حيث أن الدالة الموجية هي ليست شيئاً له وجود فيزيائي حقيقي بل مجرد أداة احتمالية لمعرفة نتائج القياس الممكنة. وبالتالي، سيكون التراكب قد زال بمجرد تفاعل نواتج تحلل الذرة المشعة مع عداد غايغر، وبالتالي قبل فتح الصندوق بوقت طويل. وبذلك فلا تشكل إذاً تجربة قطة شرودينغر أي تهديد لتفسير كوبنهاغن.

خاتمة

رغم كل هذه النجاحات لتفسير كوبنهاغن، إلا أن العديد من الفيزيائيين استمروا في تحديه بشتى الطرق. وسنتعرف في مقالتنا القادمة على تجربة ذهنية هي عبارة عن تطوير لتجربة قطة شرودينغر قدمها الفيزيائي الهنغاري-الأمريكي يوجين فغنر، والتي فتحت الباب واسعاً لنقاش مواضيع تتجاوز ميكانيك الكم نفسه وتصل إلى مناقشة طبيعة الوعي ذاته!

التجربة التي حسمت النقاش بين نيلز بور وألبرت أينشتاين حول معنى ميكانيك الكم

0

شاركنا رأيك حول "قطة شرودينغر: مسألة أعمق بكثير مما قد سمعته عنها على الأرجح"