التحرش في وطنٍ أعمى: رعب يطول القاصي والداني
1

تتمثل قوة مواقع التواصل الاجتماعي في تسليط الضوء على مواطن الضعف في المجتمعات. وسواء كانت تلك المجتمعات متحضرة بالمفهوم العلماني أم لا، فتوجد لها نقاط ضعف حتمًا. لكن للأسف، الوضع مأساوي في الأوطان العربية تحديدًا، دونًا عن سواها من الأوطان. وأبرز المشاكل التي طَفت على السطح مؤخرًا هي مشكلة التحرش الجنسي.

التحرش منذ عقود وهو جزء لا يتجزأ من المجتمعات العربية، فأصبح مع الوقت ضمن نسيج الوطن، وبات هو المتحكم في التراث المنقول للأجيال القادمة. إن التحرش جريمة، وهذا شيء مفروغ منه. لكن المشكلة لا تتمثل في كونه شائعًا في الأوطان العربية فقط، بل أيضًا تتمثل في وجود أشباه بشر، يبررون ذلك الفعل غير الإنساني.

اليوم سوف نتحدث عن أشباه البشر، والآلية الاستنادية التي ارتكزوا عليها لتبرير انتهاك حرمات الأجساد.

ما رأي الميديا في التحرش عمومًا؟

التحرش - المجلس القومي للمرأة

إذا تابعت الميديا جيدًا في الفترة الأخيرة -وخصوصًا المصرية- ستجد أن الشائع هو موضوع التحرش الجنسي. حيث بدأ الأمر بانتشار مجموعة من المحادثات الدائرة بين شاب، ومجموعة فتيات وفتيان آخرين. تلك المحادثات كانت تدور بشكلٍ رئيسيّ حول استدراجه إياهم إلى أماكن مغلقة، ثم التحرش بهم والاعتداء عليهم جنسيًّا. وبمجرد خروج حادثة واحدة من حوادث تحرشه إلى النور، أتت رسائل الاعتراف من كل حدبٍ وصوب. بدأ الأمر بضحية تحرش واحدة، ثم بعدها وجدنا 50 ضحية، ثم 100، حتى أصبح هناك Thread كامل على تويتر لفضح جرائمه.

لكن دائمًا تذكر، الفكرة ليست في الحَدث، بل في صداه. وهذا ما جعل الجانب الأسود للمجتمع المصري يطفو على السطح. اتضح أن هناك بعض البشر في هذا المجتمع، أشبه بالثقوب السوداء؛ يمتصون كل الضوء الساقط عليهم، حتى آخر فوتون.

اقرأ أيضًا: التحرش الجنسي.. أشكاله، آثاره وكيفية تجنبه

بالرغم من وجود مئات المنشورات التي تساند القضية وتنادي بتطبيق قوانين حقيقية تحمي الناس من التحرش الجنسي باللفظ أو الفعل، إلا أنه في المقابل توجد آلاف المنشورات التي تنادي بالعكس. اتضح أن هناك ذكور يرون المتحرش على أنه إنسان لديه غرائز يجب التعبير عنها بشكلٍ ما، وليس بالضرورة أن يُعتبر هذا التعبير فعلًا يعاقب عليه القانون. هؤلاء يرون أن الإنسان عبارة عن عضو تناسلي ليس إلا، سواء كان الذكر صاحب موضع القوة، أو المرأة صاحبة موضع الضعف. ولا تتخيل أن الأمر اقتصر فقط على الذكور، لا. فجأة ظهرت فتيات يتجنين على الفتيات الأخريات، ويطعنَّ في شرفهنّ لمجرد الخروج إلى الشارع بشعر مكشوف أو ملابس عصرية.

وهذا ينقلنا للسؤال البديهي: لماذا يتم تبرير التحرش بهذا الشكل؟

ما مبررات التحرش كما يراها أشباه البشر؟

التحرش - فتاة مرعوبة

قبل التحدث عن هذا الأمر، يجب أولًا تعريف أشباه البشر.

البشر هم أبرع ما استطاع التطور أن يصل إليه في الثدييات، والفضل كله يرجع للعقل الذي أنعمت به الطبيعة علينا. أجل، نفس العقل الذي يساعدني على كتابة هذه الكلمات الآن يا عزيزي. إذًا تطور عقلنا هو الذي يفرقنا عن الكائنات الأخرى محدودة التطور العقلي. حيث أننا صنعنا الحضارة به، بينما ما زالت الكائنات الأخرى تتعاشر في الطبيعة، دون وجود كود ممارسات جنسية يعتمد على (موافقة الطرفين)؛ كما نفعل نحن. إذًا أشباه البشر هم بشر قرروا التخلي عن الكود الحضاري للبشرية، والهبوط إلى مرتبة الحيوانات المتعاشرة في الطبيعة.

لكن السؤال الجديد هنا: لماذا قرر الإنسان النزول لتلك المرتبة من الأساس؟

الإجابة بسيطة للغاية في الواقع: وجود حائط يُستند عليه. والحائط ربما يكون في أكثر من شكل وهيئة، وهي كالآتي:

بعض رجال الدين

التحرش - رجال الدين

التحرش في بعض الأحيان يُبرر من قبل رجال الدين بطريقة غير مباشرة. فبينما الأديان كلها تُحرِّم انتهاك الأجساد بدون شك، تجد بعض الأشخاص يتعمدون وضع الخطأ كله على المرأة، بينما الذكر يقوم برد فعل بيولوجي لا دخل له فيه. بل وفي بعض الأحيان يقولون أن المرأة تنزل إلى الشارع كاشفة لشعرها ومرتدية ملابس فاتنة، فقط كي يتم التحرش بها، وأن هذا يجعلها مستمتعة بشكلٍ ما.

فبأي منطق في الحياة يريد الإنسان لجسده أن يُنتهك على غير رضاه؟ رجال الدين هؤلاء (أو أشباه رجال الدين بمعنى أصح)، ينظرون للمرأة على أنها عورة، ولا يجب أن تُكشف على الرجل. لأن الرجال في وجهة نظرهم مخلوقات لا تستطيع السيطرة على شهواتها الجنسية، فبالتالي التحرش شيء طبيعي بالنسبة لها. لكن لا، هؤلاء فهمهم قاصر لمنطقيّات الأديان للأسف، وتعتمد فتاويهم على التحقير من المرأة، بينما جوهر الدين أعزّها. حتى أن بعضهم وصل إليه الأمر بتشبيه المرأة بالسيارة. فإذا كانت مفتوحة لا يجب أن تلوم السارق، وإلا كانت مغلقة فطبِّق عليه العقوبة. أي منطق هذا يشبه الإنسان بالجماد؟ ويُسقط القوانين المدنية لحفظ الأجساد، على القوانين المدنية لحفظ الممتلكات الخاصة؟

وإذا كانت الملابس فعلًا هي سبب التحرش كما يقولون، لماذا يتم التحرش بالمنتقبات في الشوارع؟ ولماذا توجد قصص اعتراف كاملة لتحرش المعتمرين بالمعتمرات في الحرم الشريف بالمملكة العربية السعودية؟ في قلب واحد من أبرز الأماكن المقدسة في تاريخ الأديان اللاهوتية حصرًا؟ وإذا تركنا الأجساد جانبًا، لماذا يتم التحرش بالأطفال الذين لم يبلغوا حتى بعد؟

وإذا كان الزواج هو الحل، لماذا يتحرش الزوج بالآخرين ولا يكتفي بزوجته المصونة في المنزل؟ لماذا دائمًا وأبدًا يكون هناك متحرش يخرق تبريرات رجال الدين؟ لأن الأمر ببساطة ليس مقترنًا بتطبيق الأديان، بل بتطبيق الإنسان المنطق القائم على احترام الحريّات، والتصرف بآلية أخلاقية تليق بالمستوى التي وصلت إليه الحضارة الإنسانية الآن.

تأصُّل التراث الشعبي

التحرش - التراث الشعبي

ببساطة التحرش يمكن أن ينتج من التراث الشعبي المنقول من جيل لجيل. وأجل، التراث متأثر بالأديان، لكن هذه المرة سوف نسلط الضوء على العادات والتقاليد العربية التي أتت من عصر ما قبل الأديان اللاهوتية.

إذا عدنا بالماضي قليلًا إلى فترة ما قبل ظهور الأديان على العرب (هنا أقصد شبه الجزيرة العربية)، ستجد أن المرأة كانت مثل المتاع الخاص بالرجل، يتم التصرف فيها عندما يموت زوجها؛ فكانت مستضعفة. ومع مرور الزمن، واستمرار نساء كثيرات في الخضوع لأيدولوجية تمكين الرجل على المرأة، وصلنا إلى نسبة التحرش هذه في العصر الحديث. حتى أن التراث الشعبي أثر على عقول غير العرب، فأصبح أهل مصر (الذين كانوا يدينون بالقبطية من قبل الإسلام)، الآن مثل أهل شبه الجزيرة العربية في سحيق ماضيها.

اقرأ أيضًا: كيف يتم التحرش بك إلكترونيًا؟ وماذا عليك أن تفعل لتتصدى لهذا التحرش؟!

وأيضًا مؤخرًا إذا نظرت لوضع الميديا جيدًا، ستجد أن هناك بعض الأدباء الذين برروا التحرش على أنه رد فعل طبيعي، وأن الرجل الذي لا يستثار على المرأة؛ فهو ليس برجل.

دفاع النساء عن المتحرش

التحرش - دفاع النساء عن المتحرش

ربما يا عزيزي القارئ تتعجب -وبشدة- من هذه العبارة، لكنها واقع للأسف. هناك نساء يتجنين على نساء أخريات، ويبررن التحرش للرجال، بل ويدافعن عنه. الفكرة هنا في رؤية المرأة مكشوفة الشعر أو صاحبة الملابس العصرية، على أنها كافرة خالفت تعاليم المجتمع اللاهوتية والتراثية، فبالتالي وجب التحرش بها كنوع من العقاب. وإذا اعتقدت أنني أتحدث من دماغي، فقط افتح أي صفحة نسوية على فيسبوك، تحاول الحفاظ على حقوق المرأة في المجتمعات العربية، وانظر لتعليقات المنشورات. ستجد أن النساء أنفسهنّ يبررن التحرش للمُعتدي، ويتغنين أن هذا عقاب إلهي على الذي كفر.

الكوميديا السوداء في الأمر هو أن تلك النساء في البداية تقول إن التحرش جريمة والملبس لا علاقة له بالأمر، لكن في نفس الوقت يحاولن فرض أيدولوجية خاصة بهنّ على الأخريات. وهذا يعني -ضمنيًّا- أن الملبس هو سبب التحرش، وهنا يتم إلقاء اللوم على الفتاة التي ارتدت ملابس عصرية في هذا المجتمع.

وفي الغالب ما تجد تلك التعليقات من سيدات حساباتهن تحمل الأسماء الآتية: زهرة الجنة / الحياء زينتي / ثبات حتى الممات / إلخ. هؤلاء النسوة يعتقدن أن أسمائهن في حد ذاتها عورة، أليس هذا تحقيرًا للذات؟ الأمر مُحزن فعلًا.

وفي النهاية، التحرش ليس فطرة، التحرش خيار. والخيارات غير الإنسانية يُعاقب عليها القانون بالسجن والغرامة. فمهما كان المجتمع متقبلًا للمتحرش الآن، سيأتي يوم تُقام فيه دولة مدنية حقيقية تضع حدًا لهذه المهزلة.

1

شاركنا رأيك حول "التحرش في وطنٍ أعمى: رعب يطول القاصي والداني"