عائد إلى حيفا غسان كنفاني
0

 أتعرفين ما هو الوطن يا صفية؟ الوطن ألا يحدث ذلك كله..

غسّان كنفاني – عائدٌ إلى حيفا

عن الهوية، وكينونة الانتماء، والصراعات الأزلية بين الخير والشرّ.. عن الذين تجرّعوا طعم الغربة مرًّا علقمًا، وحملوا أمل العودة في قلوبهم، ومفتاح المنزل في صدورهم ثمّ توارثوا كل ذلك جيلًا بعد آخر..

عن السّلب، والاغتصاب، والقيود، والترحيل، والدماء.. وعن… مئةِ شيء آخر.

عائدٌ إلى حيفا“.. إهداء “غسّان” الأبديّ إلى الذين غطّى الترابُ قطعًا من قلوبهم.. من فلسطين، إلى صنعاء، إلى دمشق.. ومن المحيط إلى الخليج.. وإلى هؤلاءَ -بدوريَ المتواضع- أهدي هذا المقال!

عن الرّواية

عائد إلى حيفا

لم يكن شهيد القلم والحقيقة، الصحفيّ، والروائيّ، والأديب الموهوب غسّان كنفاني، الذي خانته السيارة المفخّخة من قبل الموساد فرحل مغادرًا في 9 يوليو 1972، قبل ثمانٍ وأربعينَ سنة، تاركًا وراءه -على عمره الصغير (36 سنة)- إرثًا خالدًا، لم يكن يعلمُ أنّ روايته الأكثر شهرة: “عائدٌ إلى حيفا”، التي كتبها سنة 1969 ستلقى رواجًا كبيرًا رغم قصرها، وستترجم إلى لغات عديدة، كالفارسية، واليابانية، وحتى الروسية، وتروى بعدسات أفلام ومسلسلات كثيرة، أشهرها: فيلم المتبقي، ومسلسل عائد إلى حيفا.

عائد إلى حيفا
فيلم المتبقي (إنتاج سنة 1995)

تُعالج الرواية مفهوم العودة، وجوهر الوطنية، وحقيقة الانتماء، وتبين كيف للإنسان أن يبقى مرتبطًا بترابه، رغمًا عن كلّ القيود..
سعيد وصفية، زوجان تم ترحيلهما عنوةً في حرب حيفا سنة 1948، مع جملة الفلسطينيين العرب الذين تمّ ترحيلهم واغتصاب منازلهم، وتوطينها بالمستوطنين اليهود من كافة الأنحاء، وتركَا وراءهما ابنهما المولود حديثًا: خلدون..

لم تنفع بعد ذلك، محاولاتهما الكثيرة المستجدّة لتقصي أخبار ابنهما، فسكتا عن اسمه، ونطقا بالأمل الصارخ في بقائه حيًا. سعيدٌ وصفيّة هما كذلك، مثالٌ حيّ عن مئات الآباء والأمهات الذين فقدوا أولادهم في الحرب. وهما تجسيد لكلّ العائلات التي اغتصبت منها منازلها، وأراضيها، فبقيت الحرقة، وبقي الألم!

كل دموع الأرض لا تستطيع أن تحمل زورقًا صغيرًا يتّسع لأبوين يبحثان عن طفلهما المفقود.

بعد عشرين سنة، يقرّران العودة إلى حيفا، مع أمل واعد، وتردّد خافت..

يستذكر سعيد في طريقه كل الأحياء، والشوارع التي احتضنته: الحليصة، ووادي النسناس، والبرج، والمدينة القديمة، ورشميا..
كي تكون الذاكرة بذلك شهادة حيّة، وتحافظ على نبضها، رغم الأيام الطويلة..

يصل إلى بيته، مع صفية، فيجده قد سُكن من طرف إيطالية يهودية، قدمت مباشرة عقب رحيلهما، والتي ترحب بهما وتسمح لهما بالدخول..

يتفاجآن معًا، بكل الأغراض التي بقيت على حالها كأنّما تركاها أمس، السجادة الشامية المعلقة، والأطر، والكراسي، وريش الطاووس، لكنّها لم تكن وحدها التي انتظرتهم، لأن خلدون…كان هناك كذلك.

طوال الطريق كان يتكلم ويتكلم، تحدث إلى زوجته عن كل شيء.. عن الحربِ وعن الهزيمة وعن بوابة مندلوم التي هدمتها الجرارات وعن العدو الذي وصل إلى النهر والقناة ومشارف دمشق خلال ساعات…

حين وصلا إلى مدخل حيفا، صمتا معًا واكتشفا في تلك اللحظة أنهما لم يتحدثا حرفًا واحدًا عن الأمر الذي جاءا من أجله.

الخلفية التاريخية

كانت مدينة حيفا ذات الموقع الاستراتيجي المطلّ على البحر الأبيض المتوسط، مأهولة بالفلسطينيين العرب، والفلسطينيين اليهود، قبل أن تبدأ الحركة الاستيطانية. ثم ما لبث عدد العرب أن بدأ في التناقص عن طريق الترحيل، تمهيدًا لاحتلالها من طرف الصهاينة.

في نهاية الانتداب البريطاني سنة 1948، كان عدد الأراضي الذي يمتلكها اليهود لا يتعدى 5.8%. قبل إعلان دولة إسرائيل، تشكّل ما يسمى بالهاغانا، وهي منظمة صهيونية تعني الدفاع، تأسست سنة 1921، وكانت تأتيها تمويلات السلاح من الاحتلال البريطاني، وتقوم بعمليات ممنهجة، لقتل العرب، والاستيلاء على الأراضي الفلسطينية، وقد لعبت دورًا سفّاحًا في التمهيد لـ “الدولة الإسرائيلية”، وارتكبت مجازر كثيرة من بينها: مجزرة حيفا، ودير ياسين.

عائد إلى حيفا
أفراد من منظمة الهاجاناه الصهيونية

وفي 21 و22 أبريل 1948، قادت هذه المنظمة حربًا في حيفا، سمّوها بالتطهير في الصفح، كانت تستهدف العرب، وتصبو إلى احتلال جميع الأحياء العربية في مدينة حيفا.

ولأجل ذلك، ذُبح المئات من الفلسطينيين العرب، في وحشية لا تصدق، وقاموا بتهجيرهم وطردهم ومصادرة أملاكهم.

عائد إلى حيفا
القيادات الصيهونية اعتبرت أن السيطرة على كل من يافا وحيفا بمواقعهما المهمة، وخلفياتهما الدينية والتاريخية، يعد نصرًا كبيرًا، وأن بقاءهما في يد العرب كارثة عظمى، تؤدي إلى إفشال مشروع الدولة الصهيونية.

الإنسان قضية ولكن أيّ قضيّة؟!

عائد إلى حيفا

إلى جانب المبادئ والأطر الكثيرة التي تطرقت إليها الرواية، على غرار الغربة، والوطنية، فإنّها طرحت تساؤلًا مهمًّا: ما هو الفقد؟! وهل الفقد، مقتصر على الموت؟!

سعيد الذي فوجئ بابنه خلدون، ناشئًا على المبادئ اليهودية، ومتطوعًا في جيش الصهاينة، ومدافعًا عن أفكاره بضراوة، راح يعيد النظر في هذا المفهوم، ويفكر في ابنه الآخر خالد الذي قام بمنعه من الالتحاق بالفدائيين الفلسطينيين.

وعاد فنظر إلى دوف وبدا له مستحيلًا أن يكون هذا الشاب من صلب تلك المرأة وحاول أن يستشف شبهًا ما بينه وبين خالد، إلا أنه لم يعثر على أيّما شبه بين الاثنين.

لقد أيقن أن فقد الولد، هو ربح الطرف الآخر له، وتنشئته وفق أفكاره الظالمة، وإطعامه إياها يومًا بعد يوم، حتّى يشبّ متشبعًا بها.
وفهم أيضًا، أنّ انضمام خالد إلى الفدائيين، وعلى الرغم من ظاهره المحتمل للموت والخسارة، إلا أنه في الحقيقة مكسب كبير للقضية العادلة.

لذلك تساءل “غسّان”: الإنسان قضية، ولكن أيّ قضية؟

الإنسان فكرة كاملة، ولكن هل سيقدر لهذه الفكرة أن تخلُد ويستمر أثرها بموت صاحبها؟ أم أنها ميتة أصلًا، ولو كان حاملها حيًّا يرزق؟!

لذلك، فإن “خلدون” هو الزوال الحتمي للظلم، مهما طال. و”خالد”، هو البقاء الأزلي للعدل مهما خَفَتَ صوته. وبينهما، كون كامل من القناعات، والبناء، والهدم، والثبات على الطريق.

أتعرف لم أسميناه خالد ولم نسمّه خلدون؟! لأنّنا توقعنا العثور عليك ولو بعد عشرين سنة ولكنّ ذلك لم يحدث، لم نعثر عليك ولا أعتقد أننا سنعثر عليك.

لعلّ طابع الخلود الذي اكتسبته الرواية كذلك، هو أنها مع حديثها عن الفلسطينيين، موجهة إلى كل الفاقدين، والمهجرين، والمسلوبين: من الشركس، إلى البوشناق، إلى الأندلسيين، والسوريين، واليمنيين..

“عائدٌ إلى حيفا”، الرواية التي لن تأخذ منك أكثر من ساعة عند قراءتها، لكنها ستأخذ منك بالمقابل، تركيزك الكامل، وتساؤلاتك، وحنينك الدائم إلى الوطن.

0

شاركنا رأيك حول "قراءة في رائعة غسّان كنفاني “عائد إلى حيفا” عن الهوية وكينونة الانتماء والصراعات الأزلية بين الخير والشر"