الحوار السليم: خمس مبادئ لفهمها يجب ترك عادات القبيلة جانبًا
1

في الواقع، لسنين طويل أكتب، حتى نسيت منذ متى بدأت. وإذا أخذت نظرة للماضي، لوجدت أن أغلب مقالاتي تعتمد على مناقشة أطروحات جدلية بشكلٍ أو بآخر. في مرة أناقش الجنس، وفي مرة الأديان، وفي مرة الوجود، حتى أنني طرحت العدمية في مرة، بل وساندتها أيضًا. لكن المثير في الأمر ليس الكتابة، بل رد الفعل الناتج عنها. فعندما يناقشني أحدهم في الذي أكتبه، غالبًا لا أصل معه إلى نهاية، نظرًا لافتقاره لمبادئ الحوار السليم.

فما هي مبادئ الحوار السليم؟ ولماذا يجب أن تتمسك بها عند الدخول في أي نقاش لأي قضية موجودة في هذه الحياة الفانية؟ هذا ما سنحاول الإجابة عليه اليوم.

ومن فضلك، اترك عادات القبيلة جانبًا (إذا كنت قَبليًّا) قبل معرفتها يا عزيزي.

الحوار المثمر يُبنى على إيجاد أرضية مشتركة

الحوار السليم - رجال يتناقشون

إذا كان الحوار مثلًا عن أحقية البازلاء في احتلال نسبة 50% من طبق حساء الخضار اليومي أم لا. لنتحدث قليلًا، ونضع بعض الافتراضات.

لنفترض أن الطرف الأول محب للبازلاء، والطرف الثاني من ألد أعدائها، فإذا اتبعنا آلية (أنا محق وأنت مُخطئ)، لن نصل لشيء. لذا هنا يجب الوصول إلى أرضية مشتركة بين كليهما، وفي هذه الحالة، نصل لنتيجة عبر اقتناع الكاره بفوائد البازلاء، واقتناع المحب بقلة فائدتها مقارنة بخضروات أخرى. ولهذا يصير لدى كل طرف قابلية لتقبل حديث الطرف الآخر، لأنه يتفق معه بشكلٍ ما.

إيجاد الأرضية المشتركة يضمن سلاسة أي حوار فعلًا. بدونها سوف تكون أطراف الحديث مجرد ديوك تصيح في وجه بعضها البعض، بينما صاحب المزرعة ينظر من الأعلى ويضحك بشدة.

الاعتماد على المصادر والمراجع الموثوقة

الحوار السليم - أوناس يتناقشون

الحوار السليم دائمًا وأبدًا يُبنى على الدليل والحُجَّة.

فإذا كنتما في خضم حوار مهم للغاية، وأتيتما فجأة على ذكر نسبة الطلاق في بلدكما الأم، هنا لنا وقفة. لا يجب ذكر أي معلومة –أيًّا كانت- دون وجود سند (موثوق) يثبت صحتها. يجب هنا ذكر مصدر نسبة الطلاق، وهل هذا المصدر عبارة عن مؤسسة حكومية متبعة لآليات الإحصاء الرسمية، أم هو مجرد كلام مُرسل من شخصٍ ما على موقع إنترنت مجهول الهوية؟

اقرأ أيضًا: نقد العقل العربي للجابري.. طرح موضوعي للعلمانية المتصالحة مع اللاهوتية

نفس القاعدة تنطبق على الحوار العلمي. فهنا مثلًا يجب الاعتماد بالكامل على المصادر العلمية فقط، وأيضًا الحرص على ذكر مصادر علمية أوليّة حتى، لا ثانوية ولا ثالثية. حيث أن المصادر الأولية لها دائمًا نسبة الموثوقية الأعلى، وهذا بالطبع يرجع لآلية مراجعة الأقران – Peer Review الشهيرة.

تشابه هيئة الاستناد

الحوار السليم - التطور

لنفترض أن الحوار مبنيّ على سؤال واحد فقط: هل التطور نظرية أم حقيقة؟

للإجابة على هذا السؤال، يجب أولًا فهم أن التطور فكرة علمية، لذلك لا يجب الحديث فيها إلا بمحور العلم فقط. وهذا ينقلنا لتفسير (تشابه هيئة الاستناد)، أي أن طرفيّ الحوار يجب أن يلتزما بالاستناد إلى مرجعية علمية بحتة في حديثهما، وإلا أصبح الأمر متروكًا للأهواء والكلام غير العلمي، الذي في النهاية لن يصل بأي أحد لأي شيء؛ لكون الكلام المبني على موروثات، غير قابل للنقد والتفنيد بالطريقة العلمية في التفكير = غير مناسب ليكون دليلًا.

في هذه الحالة لا يجب إقحام الدين في الموضوع، لأن الأديان ذاتها لا تتبع العلوم التطبيقية التي تستند عليها نظرية التطور. أفهمت ما أرمي إليه بالفعل؟ أجل، بالضبط، هنا أيضًا أرمي للوصول إلى أرضية مشتركة، والاعتماد على مصادر علمية. فإذا حققتهما، ستصل بالتبعية إلى تشابه في هيئة الاستناد ببساطة.

عدم شخصنة الأمور

الحوار السليم - رجل غاضب

هذه واحدة من أهم قواعد الحوار التي يجب أن تعرفها.

المشكلة التي تشوب أغلب الحوارات العربية، هي أخذ كل شيء وأي شيء بمحمل شخصي. وهذا ينتج عن عدم فريق الناس بين نقد الفكرة، ونقد الشخص. فإذا كان فلان يدين بالمذهب (أ)، وقمت أنا بانتقاد المذهب (أ)، هذا لا يعني أنني أكره فلان لشخصه، بل فقط أنتقد المذهب لأنه مذهب في النهاية، ولا يوجد شيء فوق المنطق.

لكن الذي يحدث هو أن فلان يعتقد انتقاد المذهب، بمثابة إهانة لشخصه، فبالتالي يثور ويعلو صوته ويرفع إصبعه في تهديد ووعيد واستنكار واستنفار. الأمر يظهر بشدة عندما تتحدث مع أحدهم في تعليقات مواقع التواصل الاجتماعي، وفي منتصف الحوار تقول: أنا أختلف معك، حيث أنني أر…….

اقرأ أيضًا: حوار مع فيروس: قصة قصيرة جداً

فجأة تجده أحال حياتك جحيمًا، وبدأ في سبِّك. ببساطة هنا هو اعتبر استنكارك من كلامه (رفضك لأيدولوجيته ومذهبه)، عبارة عن إهانة شخصية له، فبالتالي ثار عليك. لكن الأمر أبسط من ذلك، لا توجد أيدولوجيات فوق النقد، والناس عبارة عن أيدولوجيات مختلفة، والفِكر الذي تدين به، يختلف عن الذي يدين به غيرك.

احترام وجهات النظر بالرغم من الاختلاف معها

الحوار السليم - احترام الغير

هذه القاعدة الخامسة والأخيرة لخلق الحوار السليم: الاحترام المتبادل.

أنا أحترم وجهة نظرك بالرغم من اختلافي معها، وأنت كذلك تحترم وجهة نظري بالرغم من اختلافك معها، إذًا لا مشاكل بيننا إلى أنهينا الجلسة بدون الاقتناع بأي شيء على الإطلاق. هذا يجب أن تضعه في عقلك جيدًا: لا يجب إجبار الآخر على الاقتناع برأيك. نحن مختلفون كاختلاف بصمات الأصابع، لن تكون هناك حياة طبيعية إذا كنا كلنا نفس الشكل والهيئة والمعتقد والتفاصيل.

المضحك في الأمر هو أنه في العادة ما يكون أحد طرفيّ النقاش، داخلًا الجلسة وكأنه يدخل حربًا يجب عليه الانتصار فيها بأي شكل، والاستشهاد غير مقبول حتى. مما يجعل تصاعد الأحداث دراميًّا للغاية، وكأنك تشاهد فيلمًا هنديًّا يحاول فيه البطل إنقاذ حبيبته من رصاصة آتية من على بُعد 20 كيلومترًا، ويصدها بيده في النهاية، بل وترتد لتعود نفس الـ 20 كيلومترًا، لتصيب صاحبها في عضوه التناسلي.

ستكون الحياة أبسط وأهدأ فقط إذا احترمنا الاختلاف، وتقبلنا وجوده من حولنا. ماذا إذا قرر المتدين المتشدد؛ الاعتقاد بأن هناك ديانات أخرى حوله؟ بل ولها آلهة تَعِد عبادها بنفس الذي يعده به إلهه؟ ماذا إذا تيقن العالم أن غض الطرف عن الاختلاف لا يقضي عليه فعلًا، لأنه جزء من المجتمع أو ما شابه؟ فعلًا ستكون الحياة أسهل، وستقل نسب التحرش، الاعتداء الجنسي، التشويه الجسدي واللفظي، حبس الأقليات الدينية والجنسية، وأيضًا ستختفي مع الوقت كل صورة من صور التنمر والعنصرية ضد الآخرين.

1

شاركنا رأيك حول "الحوار السليم: خمسة مبادئ لفهمها يجب ترك عادات القبيلة جانبًا"