فيغنر
0

تمثل التجربة الذهنية المدعوّة بصديق فيغنر§، توسيعاً لتجربة قطة شرودينغر، التي تحدثنا عنها في مقال “قطة شرودينغر: مسألة أعمق بكثير مما قد سمعته عنها على الأرجح“، وقد طرحها الفيزيائي الهنغاري -الأمريكي يوجين فيغنر§. وإنها بالفعل لتجربة ذهنية مثيرة للاهتمام، وينبغي التوقف عندها.

تجربة صديق فيغنر

هنا سنضع الصندوق الذي يحوي القطة والمادة المشعة وجهاز إطلاق السم، في مختبر يعمل فيه صديق فيغنر، ونغلق الصندوق ونعزله عن الوسط الخارجي. في حين أن فيغنر نفسه سيكون موجوداً خارج المختبر.

والآن، فقبل أن يجري صديق فيغنر القياس على الجملة بداخل الصندوق، ستكون الجملة بالنسبة له في حالة تراكب هي مزيج من (ذرة تحللت/ جهاز أطلق السم/ قطة ميتة) مع (ذرة لم تتحلل/ جهاز لم يطلق السم/ قطة حية). وفقط عندما يجري القياس على الجملة داخل الصندوق ستأخذ إحدى الحالتين السابقتين فقط.

من جهة أخرى، فإن فيغنر الذي ينتظر خارج المختبر، يعلم بأن صديقه سيحصل عند القياس على إحدى الحالتين السابقتين. ولذلك، بالنسبة لفيغنر، فجملة المختبر ككل (الحاوية على صديقه بالإضافة للجملة داخل الصندوق) ستوصف قبل أن يجري قياساً عليها بحالة تراكب هي مزيج من الحالتين التاليتين: (ذرة تحللت/ جهاز أطلق السم/ قطة ميتة/ صديق فيغنر وجد القطة ميتة) مع (ذرة لم تتحلل/ جهاز لم يطلق السم/ قطة حية/ صديق فيغنر وجد القطة حية).

والآن، فقط عندما يسأل فيغنر صديقه، عم رأى عندما قام بقياس على الجملة داخل الصندوق، ويخبره صديقه بالنتيجة، فسيعلم فيغنر بنتيجة القياس وتنهار الدالة الموجية لديه والتي تمثل جملة المختبر ويختفي التراكب وتبقى إحدى الإمكانيتين المذكورتين فقط.

ولكن، بما أن فيغنر لا يمثل بأي شكل من الأشكال راصداً مفضلاً على صديقه، لذلك فبالنسبة لصديقه فالانهيار قد حدث أبكر بكثير وقبل أن يسأله فيغنر عن النتيجة، وبالتحديد، فقد حصل بمجرد إجرائه (أي الصديق) للقياس على الجملة داخل الصندوق. وهنا نكون قد وقعنا في أزمة كبيرة: فمتى حصل انهيار الدالة الموجية بالضبط؟ هل حصل لحظة إجراء صديق فيغنر للقياس، أم أنه حصل لحظة دخول المعلومات عن نتيجة القياس التي أجراها صديق فيغنر لدماغ فيغنر؟

استنتاج فيغنر

سوف نسهب في الحديث عن رأي فيغنر لدى حديثنا عن تفسير§ فيغنر و جون فون نيومان§ لميكانيك الكم لاحقاً، ولذلك سنكتفي بالحديث هنا بشكل مقتضب.

لقد رأى فيغنر أن هذه التجربة توضح الحاجة إلى إدراج الوعي في عملية القياس في ميكانيك الكم، وكانت محاججته في ذلك كالتالي: لقد رأينا أن فيغنر سيصف جملة المختبر ككل قبل أن يخبره صديقه عن نتيجة القياس بحالة تراكب من الشكل (ذرة تحللت/ جهاز أطلق السم/ قطة ميتة/ صديق فيغنر وجد القطة ميتة) مع (ذرة لم تتحلل/ جهاز لم يطلق السم/ قطة حية/ صديق فيغنر وجد القطة حية) أي أن الجملة المركبة بالنسبة له ستكون في حالة تراكب، في حين أنه بالنسبة لصديقه، فقد انهار التراكب من اللحظة التي أجرى فيها القياس على محتويات الصندوق، وبالتالي فالجملة ليست في حالة تراكب، وهذا تناقض واضح.

في حين أننا لن نقع بهذه المشكلة فيما لو استبدلنا صديق فيغنر بجهاز قياس غير حي لأنه وفق هذا الرأي لا يعد راصداً ولن يتسبب في الانهيار، وفي هذه الحالة فقط فيغنر هو من سيؤدي للانهيار. معنى ذلك أن إدخال المراقبين الواعين ضمن تراكبات محكومة بقوانين ميكانيك الكم سيكون أمراً خاطئاً تماماً، والوعي بالتالي لن يخضع لقوانين ميكانيك الكم كما تفعل المادة غير الحية، بل سيكون له دور مختلف تماماً في هذه النظرية! 

رد تفسير كوبنهاغن

في الواقع إن الحل لمعضلة صديق فيغنر يكمن وفق تفسير كوبنهاغن في أين سنختار وضع فاصل هايزنبرغ الذي تحدثنا عنه في مقال “تفسير كوبنهاغن: محاولة لتفسير ميكانيكا الكم“، ومكان هذا الفاصل هو أمر اعتباطي كما ذكرنا سابقاً. فلو تم وضع صديق فيغنر في نفس الجهة من الفاصل والتي نضع فيها فيغنر، عندها أصبح كل منهما جزءاً من جهاز القياس، وبالتالي فقياس صديق فيغنر للجملة داخل الصندوق سيتسبب بانهيار الدالة الموجية لكل منهما معاً (أي لفيغنر وصديقه). في حين أننا لو اعتبرنا أن صديق فيغنر موجود في الجهة الأخرى من فاصل هايزنبرغ أي مع القطة، عندها فلن يعود جزءاً من جهاز القياس، وتفاعله مع الجملة داخل الصندوق لا يعتبر قياساً أصلاً.

وبذلك نرى أنه مجدداً، ينجح تفسير كوبنهاغن في الصمود في وجه هذا الاختبار القاسي!

خاتمة

سنكتفي بهذا القدر من الحديث عن تفسير كوبنهاغن، وقد أسهبنا في الحديث عنه، لأنه يعد أقدم تفسير لميكانيك الكم، وأحد أكثر التفسيرات قبولاً بين الفيزيائيين. ولكن مع مرور الزمن، ظهرت تفسيرات أخرى لميكانيك الكم، وسنناقش في المقالات القادمة هذه التفسيرات ونقاط قوتها وضعفها، والصور العجيبة التي تجبرنا أيضاً لو قبلنا بها، أن نرسمها عن الواقع!

0

شاركنا رأيك حول "صديق فيغنر: هل يجبرنا ميكانيك الكم حقاً أن نعتبر بأن الوعي عنصر أساسي في تشكيل العالم؟"