مسبار الأمل
0

قبل 49 عامًا من الآن قام الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان بعد توليه منصب حاكم إمارة أبوظبي عام 1966، بإعلان مبادرته التاريخية لتعزير التسامح والترابط الاجتماعي بين جميع الإمارات، وتأسيس اتحادٍ واحد، لتكون لبنة أساسية للوحدة العربية وحماية المنطقة من مطامع الدول الأجنبية، وسُميَّ الاتحاد بما يُعرف بدولة الإمارات العربية المتحدة.

اليوم وقبل عام من حلول الذكرى الخمسين لتأسيس اتحاد دولة الإمارات، أراد أحفاد زايد أن يحيوا هذه الذكرى التاريخية لإكرام جدّهم والأب الروحي لبلدهم خيرَ تكريم يليق بمكانته ومجهوده الذي بذله لتوحيد الإمارات وجعل مصلحة البلاد أولًا، وذلك من خلال إطلاق أول مركبة فضائية عربية نحو المريخ بمُسمّى مسبار الأمل أو Hope Probe وتحت شعار لا شيء مستحيل.

لكن سوء الأحوال الجوية أدى إلى تأجيل حكومة دولة الإمارات إطلاق مسبار الأمل والذي كان مقرّرًا يوم أمس الأربعاء، حيث أعلنت وكالة الإمارات للفضاء ومركز محمد بن راشد للفضاء في صباح أوّل أمس بأّنَّ محاولة الإطلاق القادمة ستكون اليوم بتاريخ 16 يوليو/تمّوز في الساعة 8:43 مساءً بتوقيت غرينيتش -أي سيكون يوم الجمعة في الساعة 12:43 صباحًا بحسب توقيت الإمارات- وذلك على منصة الإطلاق الفضائية في جزيرة تانيغاشيما باليابان.

نوابغ الفضاء العرب … أول برنامج لتدريب الشباب العرب على تقنيات وتكنولوجيا الفضاء

مسبار الأمل الإماراتي هو أول مركبة فضائية بين الكواكب في العالم العربي

يُعد هذا الإطلاق بمثابة الخطوة الأكثر جرأةً وطموحًا من قِبل دولة الإمارات النفطية الصغيرة المساحة، حيث تتطلّع إلى إنشاء مُستقبل مُستدام لفترة طويلة عن طريق اقتصاد المعرفة من خلال ثروتها النفطية، وترى أنَّ برنامج الفضاء الخاص بها إحدى الوسائل التي تُؤدي إلى تحقيق هذا الهدف، من خلال تشجيع البحث العلمي وبرامج الدراسات في العلوم الأساسية وإلهام الشباب عبر الدول العربية. وفي حال نجح مسبار الأمل في الوصول إلى مدار كوكب المريخ ستنضم الإمارات إلى نادي النُخبة العالمية وهم الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي وأوروبا والهند حيث أرسلوا جميعهم مركبات فضائية بنجاح إلى المريخ.

بإمكانكم متابعة تغطية إطلاق مسبار الأمل اليوم من خلال رابط البث المباشر على اليوتيوب أدناه:

مهمة مسبار الأمل

مسبار الأمل

نظرًا لأنَّ دولة الإمارات ليس لديها حتى الآن منظومة صناعة الصواريخ الخاصة بها، فقد اشترت رحلة إطلاق مسبار الأمل على متن صاروخ H-IIA من شركة ميتسوبيشي المتخصّصة في تصنيع الآلات اليابانية.

بحجمٍ قريب لسيارة ميني كوبر سَيصل مسبار الأمل إلى مداره حول المريخ في شهر فبراير/شباط من العام القادم. وسيحمل المسبار بداخله -والذي كلّف حوالي 200 مليون دولار لبناءه وإطلاقه- ثلاث أدوات استكشافية، مطياف لقياس الأشعة تحت الحمراء وكاميرا حسّاسة للأطوال الموجية الضوئية والأشعة فوق البنفسجية؛ وتتمثل مهمة هاتين الأداتين في جمع بيانات حول الغبار والرطوبة والأوزون في الغلاف الجوي السفلي، بينما يتمثّل مهمة مطياف الأشعة فوق البنفسجية في قياس أوّل أُكسيد الكربون والهيدروجين والأكسجين في الغلاف الجوي العلوي.

وسيتم وضعه في مدار مرتفع -يتراوح بين 12,400 إلى  27,000 ميل- فوق سطح كوكب المريخ، مما يسمح بإعطاء علماء الكواكب أول نظرة عالمية لطقس المريخ بجميع الأوقات خلال اليوم المريخي في مهمّة تستغرق عامين، سيبحث المسبار خلالها في كيفية نشوء العواصف الترابية وظواهر الطقس الأخرى على الكوكب.

حيث يُساعد ذلك العلماء في فهم ليس فقط طقس المريخ، وإنما أيضًا كيف فقد المريخ بعضًا من غلافه الجوّي على مدى مليارات السنين من تاريخ الكوكب. ومع ذلك فإنَّ هذا ليس هو السبب الرئيسي الذي قامت لأجله حكومة الإمارات ببناء مشروع الأمل.

مسبار الأمل
مسبار الأمل

قد يسألنا الكثير منكم لماذا توجّهنا نحو الفضاء؟ الأمر لا يتعلّق بالوصول إلى كوكب المريخ فقط. إنَّ الهدف الأساسي من مشروع الأمل للبلاد هو إلهام أطفال المدارس وتحفيز الصناعات العلمية والتقنية بالبلاد، التي بدورها ستمكّن الإمارات من معالجة القضايا الحرجة مثل الغذاء والمياه والطاقة واقتصاد ما بعد البترول.

عمران شرف: مدير مشروع الأمل خلال مؤتمر صحفي للتنوير بمهمة المريخ يوم الخميس الماضي.

لتسهيل هذه المهمة يَحمل مسبار الأمل جميع أدواته على نفس الذراع، كما أنَّ لديه مدارًا مضبوطًا بدقة مدته 55 ساعة يمكن الحصول من خلاله على منظرين مختلفين للمريخ، أحدهما يدور فيه الكوكب تحت المسبار الفضائي، والآخر يُحافظ فيه المسبار على سرعته ومراقبة نفس المكان بمرور الوقت، حتى يَسهل على العلماء وضع خريطة كاملة للغلاف الجوي للمريخ لأوّل مرة.

بدايات مشروع الفضاء الإماراتي نحو المريخ

مسبار الأمل

سمع عمران لأول مرّة عن مشروع خطة المريخ في نوفمبر/تشرين الثاني عام 2013 أثناء استعداده لرؤية مشروعه السابق -قمر صناعي لرصد الأرض يُدعى DubaiSat-2– وبدأت خطة مسبار الأمل بأمرٍ من رئيس الوزراء الإماراتي محمد بن راشد آل مكتوم لإرسال أوّل مسبار علمي عربي تبنيه عقول إماراتية، وإطلاقه إلى المريخ قبل الذكرى السنوية الخمسين للبلاد في ديسمبر 2021.

سيوفّر مسبار الأمل العقلية التي تحتاجها دولة الإمارات من الشباب الذين سيصبحون جزءًا حيويًا من اقتصاد دولتنا ما بعد النفط. حيث يتعلّق بتوسيع آفاقهم ووضعهم للاستعداد في مواجهة تحّديات المستقبل.

سارة الأميري: نائبة مدير مشروع بعثة المريخ ووزيرة الدولة للعلوم المتقدّمة في الإمارات

بعد تحول مهمة الأمل من مرحلة الاقتراح إلى بناء المشروع، بدأ أعضاء الفريق في عمل اتصالاتٍ مكثّفة مع علماء المريخ حول العالم للمساعدة في بلورة أهداف المركبة الفضائية، وبالإضافة إلى التواصل مع مُهندسي مركبات المريخ المخضرمين للمساعدة في كيفية تصميم المسبار وبنائه.

كما وقّع مركز الفضاء الإماراتي مذكّرة تعاون مع مختبر جامعة كولورادو الأمريكية لفيزياء الغلاف الجوي والفضاء لرعاية أعضاء فريق الأمل الأقلَّ خبرةً من خلال مدهم بالمعلومات اللازمة حول بناء هذا المشروع.

وتواصل مُمثّلو فريق الإمارات مع برنامج استكشاف كوكب المريخ (MEP) وهي مجموعة استشارية تقودها وتموّلها وكالة ناسا الفضائية، وتضم بداخلها خيرة ​​علماء الكواكب والفضاء من جميع أنحاء العالم، للتشاور معهم في تحديد مهمة ذات قيمة علمية لمسبار الأمل.

المهمّات السابقة والحالية جمعت نتائج رصدية عن طقس المريخ، لكن بضع مرات فقط على مدار اليوم، وغالبًا ما تأتي هذه القياسات من البعثات التي على سطح المريخ فقط، وبالتالي فهي محدودة جدًا في عرض جغرافيا مناخ الكوكب.

– سارة الأميري

تفشّي جائحة كوفيد-19 خلق مزيدًا من التحدّيات

مسبار الأمل

بعد اكتمال بناء المسبار في كولورادو تم نقله على طائرة شحن أوكرانية كبيرة إلى دبي، حيث كان سيخضع للعديد من الاختبارات قبل التوجّه إلى منصّة الإطلاق الرسمية في اليابان. ولكن في نهاية شهر فبراير/شباط، أدرك عمران وسارة أنَّ تفشّي جائحة كوفيد-19 حول العالم سيعطّل جداولهم الزمنية المخطّط لها بعناية في حال تم إغلاق المطارات. وبناءً على هذه الظروف الصحّية الطارئة، بدأ العمل على خطة عاجلة لنقل فريق المشروع إلى اليابان في أقرب وقتٍ ممكن.

ونظرًا لتشديد قيود السفر بين الدول، فإنَّ أعضاء الفريق لا يمكنهم السفر ذهابًا وعودةً. لذا سافر في البداية فريق صغير في أوائل أبريل/ نيسان. ومن ثمَّ بعد مرور أسبوعين، سافرت طائرة شحن تحمل على متنها مسبار الأمل إلى اليابان مع فريق صغير آخر من الإمارات.

إنجاز خاص للمرأة الإماراتية

مسبار الأمل

سيكون اطلاق مهمة مسبار الأمل نحو المريخ بمثابة انتصار للمجتمع الإماراتي بأكمله، ولكن بصورة خاصة واستثنائية للنساء اللواتي يُشكّلن 34% من فريق المهمة و80% من الفريق العلمي. ففي التحصيل العلمي بالإمارات، تمثّل النساء حوالي 56% من خريجي العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات، بينما ينخفض ​​إلى 41% عندما يتم تضمين الطلاب الأجانب. لكن كلا النسبتين أعلى بكثير من المتوسّط ​​العالمي. كما تمثّلن حوالي 70% من جميع الخرّيجين الإماراتيّين.

تشارك النساء بحماسٍ أكبر في التعليم العالي بالبلاد، أما الرجال فغالبًا ما يتبعون مهنًا تجارية أو عسكرية أو يدرسون في الخارج.

مايا الهاشم: شريكة بمجموعة بوسطن الاستشارية في دبي

تقول سارة، إنَّ ثقافة الدولة تطوّرت بشكل كبير خلال الخمسين سنة الماضية، حيث أصبحت وجهات النظر حول أدوار المرأة بالمجتمع الإماراتي في كل عام أكثر ليبرالية. كما قامت بأدوار قيادية أكثر في العقد الماضي وإنَّ ثلثي موظّفي الحكومة وربع الوزراء هم من النساء.

مشاريع علمية ريادية لدولة الإمارات

مسبار الأمل

يأمل وزير الدولة لريادة الأعمال والمشاريع الصغيرة والمتوسّطة في الإمارات أحمد بالهول، أن يوافق مجلس الوزراء في وقت لاحق من هذا العام، على اقتراحه بإنشاء صندوق أبحاث وطني تنافسي يحفّز نمو العلوم في البلاد من خلال توفير دعم مُستقر طويل الأمد للعلوم في الجامعات الإماراتية، بما في ذلك المال لجذب العلماء من حول العالم.

كما يجري بالفعل تنفيذ برنامج تجريبي تديره الوزارة بقيمة 100 مليون درهم إماراتي -27 مليون دولار أمريكي- لمدة أربع سنوات، حيث يقدّم منحًا متعدّدة السنوات لبرامج بحثية مختارة.

ارتفعت حصة الناتج المحلي الإجمالي لدولة الإمارات في البحث والتطوير من 0.5% في عام 2011 إلى 1.3% في عام 2018 وهي في طريقها لتحقيق هدفها البالغ 1.5% بحلول نهاية العام المقبل. كما لدى الإمارات خطط علمية كبيرة لمواصلة استكشاف الفضاء، حيث تُخطّط لبناء “مدينة مارس للعلوم” خارج دبي، وسيتم تخصيصها للبحث العلمي والتعليم والترفيه كالعديد من البلدان الأخرى. بالإضافة إلى ذلك تدرس الإمارات خطة وضع المركبات الفضائية على سطح المريخ وربما البشر أيضًا.

في الأخير..

إنَّ مهمة إطلاق مسبار الأمل التاريخية للإمارات تُعد بمثابة النور الساطع الذي أتى في وقته المناسب، لإيقاظ الأمة العربية من غيبوبتها للعمل على إعطاء الأولوية والأهمية القصوى للعلم والمعرفة لتتقدّم حضاريًا وتُنافس بها الأمم البشرية الأخرى.

المُستقبل المُشـرق للعـرب: عبــاقـرة تحت سن العشرين !

0

شاركنا رأيك حول "مسبار الأمل: حُلم مشروع الفضاء الإماراتي وآمال الأمة العربية في استكشاف كوكب المريخ"