الأطفال وكورونا: كيف تؤثر الجائحة في مهارات تواصل النشء؟
2

مرَّ أكثر مِن نصف عامٍ منذُ ظهور هذا الشبح الجديد Covid-19 الذي فرض سيطرته على العالم أجمع. ومع فرض قيود الحظر بمعظم بُلدان العالم، أٌجبر الأطفال والبالغون على المكوث بالمنازل، وعدم الخروج إلا للضرورة القصوى مع مراعاة احتياطات الوقاية اللازمة.

يبدو الأمر كرِواية مفتوحة النهاية، أَسدلَ كاتبُها الستارَ على الفصل قبل الأخير بها، تاركًا العنان لنّا ليمضي كلٌّ منّا بخيلاته نحو فصل الختام. الأمر لم ينتهِ بعد، ولكن عندما يكبر أطفال وشباب هذه المرحلة، هل سيرّون أنفسهم بمثابة جيل ضائع، انهارت حياته وأحلامه -إلى الأبد- في ظل تلك الجائحة؟

فمن النجاح الأكاديمي إلى مهارات التواصل الاجتماعي وصحتهم النفسية والعقلية، فإنّ الوباء يُمثل -بالفعل- أزمة لأطفال هذه المرحلة، وربما تُلاحقهم تداعياتها على مدى حياتهم. فلأي مدى أثرت الأزمة على أطفال العالم عزيزي القارئ، هذا ما سأُلقي الضوء عليه خلال هذا المقال.

إغلاق المدارس وتأثيرُها المباشر على الأطفال

إغلاق المدارس - الأطفال

يُعد إغلاق المدارس -بعد تفشي Covid-19– أكثر الأمور تأثيرًا على الأطفال فعلًا، والمشكلة الأكثر جدلًا ووضوحًا. فوِفقًا لمنظمة اليونسكو، تأثر تعليم ما يقرُب من 1.57 مليار طفلٍ وشابٍ في 190 دولة حتى الآن، أي 90% من الطلاب حول العالم. وحتى الآن، لا توجد خطة واضحة المعالِم لعودة فتح المدارس لنحو نصف هؤلاء الأطفال.

يُعد تحديد موعد وكيفية إعادة فتح المدارس من أصعب القرارات وأكثرها حساسية على مستوى العالم. حيث التفكير في الأمر يَخلق العديد من علامات الاستفهام حول مستوى ومدى الحماية المتوفرة، لتجنب نشر العدوى في حَالِ العودة. كذلك ماهية العواقب المحتملة على الصحة العقلية والمهارات الاجتماعية للأطفال من تأخر فتحها. وإلى أي مدى سيُساهم التعلم عن بعد -الذي طُبق بالفعل في بعض الدول- في سد هذه الفجوة المُحتملة والناتجة عن غياب التفاعل بين المُعلِمين والطلاب. وعندما يحين وقت العودة، كيف سيتم تعويض المُتضررين من الطلاب في الدول التي لم تستطع تطبيق فكرة التعليم عبر الإنترنت.

يبدو القرار مُعقدًا للغاية، لأنّ الوباء مستمرٌ في التطور وليس بطريقة خطية. ورفع الحظر تدريجيًا في معظم البلدان، لا يعني تراجع قدرات الفيروس. ولكن الشيء الأكيد، أنّ هذه الأزمة ستُبرز مدى الفجوة -وكذلك عدم تكافؤ الفرص- بين الدول الغنية والفقيرة حول العالم في التصدي للأزمة.

يقول ريتشارد أرميتاج في قسم الصحة العامة وعلم الأوبئة بجامعة نوتنغهام:

إنّ الأطفال الأقل حظًا -بالمجتمعات الفقيرة- سيكونون الأكثر تهميشًا وتَضرُرًا من تلك الأزمة، لأنّهم سيتخلفون دراسيًا عن زملائهم. وستعوقهم الموارد القليلة المتوفرة لهم عن اللحاق بركب زملائهم دراسيًا بعد انحسار تلك الجائحة.

تأخر دراسي، وفجوة تحصيل مؤكدة

الأطفال خلف النافذة

في فترة مُشابهة لهذه الفترة في جانب تأثير غلق المدارس على الأطفال في عام 2007. حيث قام كل من ديف ماركوت وستيفن هيمليت -باحثان بجامعة ميريلاند بالولايات المتحدة- بدراسة تأثير غلق المدراس لأجلٍ غير مُسمى على درجات اختبارات الطلاب بالصفوف الأولى والخامسة والثامنة، جاء هذا الإغلاق بسبب هطول الثلج على كافة أنحاء الولاية.

ووِفقًا لملاحظاتهم، جاء التأثير واضحًا؛ حيث تراجعت درجات الطلاب المتوقعة في الرياضيات والقراءة بنسبة 0.57%. وقد تم هذا الإغلاق خمس مرات خلال فصل الشتاء، لتقل نسب الدرجات المُرضية لطلاب الصف الثالث بنسبة 3% وهذه النسبة أقل مما كانت عليه في فصل الشتاء دون إغلاق. وفي كل الأحوال كان الضررُ الأكبر واقعًا على الطلاب بالصفوف الأولى أكثر من الصفين الخامس والثامن.

اقرأ أيضًا: من تتبع كوفيد 19 إلى بورصة العطور ومحاضرات تعليمية.. أحدث تطبيقات الأسبوع الثاني من أبريل 2020

تكمُن المشكلة المؤكدة هنا والتي تُثير القلق يا رفاق -في ظل تلك الأزمة- هو أنّه في حالِ إغلاق المدارس لفترات طويلة، فمن المؤكد أنّ العديد من الأطفال سينسون الكثير مما تعلموه مِن قبل، وهو تراجُع يصعب علاجه. فالعديد من الدراسات أكدت أنّ معظم الأطفال يتحسنون دراسيًا أثناء فصول الدراسة، ويتراجع أداءهم تراجعًا ملحوظًا أثناء عطلة الصيف.

يقول ماركوت:

في الولايات المتحدة، يُفقد حوالي 25% -خلال فصل الصيف- مما يتم تَعلُمه خلال العام الدراسي.

وكما يبدو، فالوقت الذي نقضيه في فترة التعليم يُشكل ركيزةً أساسيةً مؤثرةً على مُعدل ذكائنا كلما تقدمنا بالعمر. وبالتالي فالانقطاع التام عن الدراسة لهذه الفترة الطويلة سيكون له تأثير ملحوظ على قدرات الطلاب المعرفية فيما بعد.

يُضيف ماركوت قائلًا:

أكثر ما نخشاه هو تراجُع أداء الطلاب إلى مستويات أدنى كثيرًا مقارنةً بفترات الإجازات المُعتادة. حيث ستفوتهم فرصة ممارسة الأنشطة المختلفة كدروس الموسيقى، والرحلات التثقيفية إلى المتاحف والمكتبات. وبالتالي سيُحرمون مِن فُرصة تثبيت ما تعلموه بالمدرسة، وتوسيع مدى معرفتهم، وفَهم العالَم مِن حولهم.

تحت غطاء التفاوت الاجتماعي وعدم تكافؤ الفرص

التفاوت الاجتماعي - الأطفال - أطفال لاجئون

مما لا شك فيه أنّ مُختلف الطبقات المجتمعية عُرضةٌ لهذا الوباء، فالجميع سواسية هنا، لكن ماذا عن المساواة في التحصيل الدراسي؟

الأمر المؤكد هنا أنّ الانقطاع التام عن الدراسة سيتفاوت تأثيره على الأطفال كلهم، وستتسع الفجوة بكل تأكيد بين الفقراء والأغنياء. حيث أشارت دراسة إلى أنّ الأطفال بالمجتمعات الأكثر ثراءً يتحسن مستواهم في القراءة أثناء العطلة الصيفية، على عكس الأطفال بالمجتمعات الأكثر فقرًا الذين يتأثرون بالسلب مع العطلة. الأمر يحدث تِبعًا لتوافر الموارد التعليمية المناسبة للتعليم المنزلي من أجهزة الكمبيوتر، وشبكة إنترنت، وآباء مُتعلمين يُساعدون أطفالهم.

وهنا يفرض السؤال نفسه: هل ستنتهي هذه التفاوتات بمجرد عودة المدارس؟

جاءت الإجابة على هذا السؤال ضمن نتائج بحث أجراه كلٌّ من أليسون أندرو -سارة كاتان- ومونيكا كوستا دياس مِن معهد الدراسات المالية -أحد مراكز الأبحاث بلندن-، وهي أنّ العائلات الأشد فقرًا ستكون أقل استعدادًا لإتاحة فرصة عودة أطفالها إلى المدارس. خوفًا من العُرضة للإصابة في ظل مستواها المادي الضعيف.

أزمة اجتماعية وشيكة، ومصائب لا تأتي فُرادى

لا تَدَعوا الأطفال يُصبحوا ضحايا خفيّين لجائحة كوفيد-19.

هكذا جاء عنوان البيان الصادر عن السيدة هنرييتا فور -المديرة التنفيذية لليونيسف- بنيويورك في التاسع من أبريل 2020. والتي أوضحت من خلاله أنّ الصعوبات ستتفاقم لدى الأطفال الذين يعيشون بالفعل تحت مستوى معيشي مُتدني، وسيُواجهون الوطأة الأكبر نتيجةً للتأثير الاجتماعي والاقتصادي الناجم عن كوفيد-19.

كما استشهدت بتجارب من حالات الطوارئ والمُستجدات الصحية السابقة، باحتمالية مؤكدة نحو الخطر الأكبر الذي سيواجهه الأطفال بالتعرض للإهمال والعنف الأسريّ، والإساءات والاستغلال الجنسي. وعلى ذِكر هذا، ففي الفترة بين عامي 2014 و2016 أثناء تفشي الإيبولا بغرب أفريقيا، أدى إغلاق المدارس إلى ارتفاع مُعدلات عمالة الأطفال وإهمالهم، وكذلك الإساءات الجنسية.

والأصعب والأكثر شُيوعًا هو العنف الأسري. ففي غالبية البلدان، يتعرض طفلان من كلِّ ثلاثة أطفال إلى عقاب تأديبي عنيف على يد مُقدمي الرعاية بالمنزل. فماذا سيحدث عندما يمكث هؤلاء الأطفال بمنازلهم لفترات طويلة، دون الخروج أو لقاء معلميهم وأصدقائهم؟ وكيف سنحميهم من المخاطر المحتملة الناتجة عن توجههم إلى التقنيات الرقمية وشبكة الإنترنت، بحثًا عن منفذٍ للتواصل مع العالم الخارجي؟

عواقب أشد خطورة، لتأتي الرياح بما لا تشتهي السفن

الأطفال - فتى ينظر من الصندوق

وهنا نأتي لأشد الأمور خطورة، وهي تراجُع الحالة النفسية للأطفال في ظل إغلاق المدارس والتعرض للعنف بشتى صوره؛ نتيجةً لحرمانهم من فرص الدعم النفسي التي تُقدمها الكثير من المدارس. فعلى سبيل المثال، ينال 13% من الطلاب دعمًا نفسيًا موثوقًا -بالولايات المتحدة- من خلال مدارسهم وبدعم من مُعلِميهم.

من الممكن توفير الدعم النفسي والاستشارات النفسية عن بعد، لكن الأمر سيُواجه نفس العقبات التي واجهت التعليم عن بعد. كما أنّ مثل تلك الخدمات تتطلب درجة عالية من الخصوصية، والتي تَعجز الكثير مِن الأُسر عن توفيرها. وبالتالي ستكون المجتمعات الواقعة تحت براثن الفقر هي الأكثر تضرُرًا أيضًا.

يقول أرميتاج:

 يُمثل المنزل -بالنسبة لكثير من الأطفال حولنا- مكانًا غير مرغوبٍ فيه وغير آمنٍ، وتُعد المدرسة لهم بمثابة مأوى، ومنفذٍ للهروب.

تراجع بمهارات التواصل الاجتماعي لدى الأطفال ونمو مُقيد لهم

الأطفال - أرجوحة حديقة

في دراسة نشرت في 21 مارس 2020 بدورية The Lancet، أوضحت أنّ الأطفال يُلاحظون -بقدرة عالية- مظاهر القلق والاضطراب الواضحة على ملامح ذويهم، ويتسرب هذا القلق لهم أيضًا. وفي بعض الأحيان، وعند مرض أحد الأبوين، يظن الأطفال أنّهم السبب فيه، فيقعون بداخل دائرة لا تنتهي من لَوم أنفسهم.

ومع نقص المعلومات المتوافرة لدى الآباء حول الدعم النفسي والصحة النفسية للأطفال، والجهل بطرق التعامل معها، وكذلك نقص الموارد؛ تتراجع الصحة النفسية للأطفال تدريجيًا. لدرجة تصل إلى فقد قدراتهم على التواصل الاجتماعي، وفقد السيطرة على التحكم في مشاعرهم.

هل من استجابات لتلك المشكلة؟

وسط تلك التحديات في ظل تفشي الكورونا، جاءت استجابة المنظومة الرسمية للأمم المتحدة سريعًا، والتي دعتْ إلى التضامن العالمي والمحلي من أجل حماية كل الأطفال حول العالم. وأطلقت اليونسكو استجابتها نحو التحالف العالمي للتعليم، لدعم بُلدان العالم بأفضل سُبل التعلم عمومًا، والتعليم عن بعد خصوصًا، بجانب الوصول إلى الشباب والأطفال الأكثر عرضة للخطر. وذلك من خلال حملة أطلقتها تحت عنوان استمرارية التعليم- Learning Never Stops.

تقول المديرة العامة لمنظمة اليونسكو، السيدة أودري أزولاي:

لم نشهدْ قبلًا اضطرابًا تعليميًا بتلك الضخامة، الشّراكة هي السبيلُ الوحيدُ للمُضيّ قدمًا.

كما أطلقت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (والمعروفة باليونيسيف) العديد من برامج الدعم المختلفة، حيث ناشدت شركاء العمل أنْ يُقدموا إجمالي 651.6 مليون دولار أمريكي، استجابةً لتخطي تلك الأزمة. مما يُمكِّن الصندوق من توفير مُعدات الحماية الشخصية، وتوزيع فرص حقيقية للتعلم عن بعد، وإتاحة فرص الدعم النفسي والاجتماعي لكل الأطفال المتضررين.

كما نشرت المجموعة المرجعية للجنة الدائمة المشتركة، بين الوكالات المعنية بالصحة العقلية وأيضًا الدعم النفسي الاجتماعي في مجمل حالات الطوارئ، كتابًا بعنوان: بطلي هو أنت. وتهدف تلك القصة إلى تقديم يد المساعدة للأطفال لفهم هذا الوباء والتصالح معه من خلال مخلوق خيالي، يشرح لهم كيف يُمكنهم حماية أنفسهم وعالمهم من فيروس كورونا، وكيفية التأقلم مع هذا الواقع الجديد.

إنّ قدرة الأطفال على التكييف مع العالم في ظل جائحة الكورونا، وتخطيهم لتبعاتها، يتتطلب تعاونًا مُشتركًا بين الآباء والأمهات والمُعلمين والأطباء النفسيين، وكذلك المنظمات العالمية والسياسيين.

 

يمكنك الاطلاع على تطبيق توكلنا الخاص بفايروس كورونا في المملكة العربية السعودية والذي يقدم خدمة إخراج تصاريح التنقل خلال فترة حظر التجول، وكذلك للدخول لمنصة مدرستي التعليمية وتسجيل حساب فيها. حيث تعد منصة مدرستي إحدى التجارب التعليمية الرائدة في التعلم عن بُعد لما توفره من وسيلة تواصل سهلة بين الطالب والمدرسة.

2

شاركنا رأيك حول "الأطفال وكورونا: كيف تؤثر الجائحة في مهارات تواصل وصحة النشء؟"