الأنمي وانتصار الخير
0

في عالم الأنمي والخيال، أو عند قراءة الأدب ومشاهدة الأفلام البطولية، ندخل تلك العوالم ونصب أعيننا انحياز مسبق. سينتصر بها الخير في النهاية، يدور سؤالنا حول موعد الانتصار، ويتلخَّص التشويق في الصراعات التي ستدور بين الخير والشر حتى ينتصر البطل الطيب في نهاية العمل. ولكن أليست تلك الأعمال خيالية؟ تتمثَّل إحدى دوافع الإنسان لإنتاج الفن في رغبته تعويض مُثل غائبة عن عالمه، فكيف نفهم انتصار الخير في الأفلام دائمًا؟

فرضية العالم العادل

يُطلق عليها بعض المناطقة «مغالطة العالم العادل»، ولكن إذا كنت من كارهي المغالطات المنطقية، سنتناول الظاهرة بمصطلح فرضية العالم العادل. تتمثّل تلك الفرضية في مجموعة من الأفكار عن الأفعال البشرية، بأنها تُمارَس في عالم عادل، أي أن الأفعال الجيدة ستثاب في النهاية، وأن الأفعال الشريرة ستُعاقب في النهاية. يميل المعتقدون بتلك الفرضية إلى فرض العدالة على العالم، وافتراض أن ثمة قوى خفية (إلهية غالبًا) عن العالم تستعيد حالة العدالة الأخلاقية مهما اختلت الموازين أو غاب العدل في بعض الأوقات.

وتبعًا لهذه الفرضية، يميل الناس إلى عقلنة معاناة الآخرين، والنظر إليهم بأنهم يستحقون تلك المعاناة، كأنها جزاء لأفعالهم الآثمة. وتنبع تلك الاعتقادات من رؤية للعالم على أنه قابل للتنبؤ، وهذا الاعتقاد كما يصفه الباحث ميلفن ليرنر وظيفي في الحياة النفسية للفرد. فلكي يحافظ الفرد على سلامته النفسية، عليه أن يعتقد بأن العالم عادل، وأن أهدافه قابلة للتحقق عبر جهوده الذاتية، مثل المعادلات الرياضية تتساوى فيها المدخلات بالمخرجات.

ولأن العالم ليس معادلة رياضية، يواجه الفرد تجليات اللاعدل في العالم، فلن تُقابل كل الأفعال بجزاء من جنس العمل. لن يستطيع المرء إبعاد الذين يعانون بلا سبب في المجاعات والحروب من منظوره، ولكنه يستطيع تغيير نظرته لهم. فلكي لا يقع في فخ المعتقدات المتعارضة مع طبيعة العالم، ولحماية نفسه من خطورة الاعتقاد باللاعدل في العالم ومن ثمَّ فقدان معنى أهدافه، ينظر إلى الضحايا على أنهم يستحقون وضعهم.

ميلفن ليرنر والبحوث النفسية

يُعتبر عالم النفس ميلفن ليرنر أول من يخصص جهوده البحثية النظرية حول فرضية العالم العادل. لفتت نظر ليرنر أعمال ستانلي ميلغرام حول آليات الطاعة النفسية، وسعى إلى إجابة بعض الأسئلة عن قبول بعض الناس في التاريخ للاستعباد والمعاناة من سادتهم، بل ويدعمون هذه الظروف التي تعزز معاناتهم.

أجرى ليرنر العديد من الأبحاث النفسية، ولاحظ أثناء تدريبه ليكون متخصصًا بالسيكولوجيا أن زملاءه من المعالجين النفسيين يميلون إلى وصم المرضى العقليين بأنهم يستحقون المعاناة التي يعانونها. دفع تعجُّب ليرنر من تلك الملاحظات إلى إجراء بحوث نفسية على تلك الظاهرة، إذ كيف يرى هؤلاء المعالجون النفسيون المثقفون الودودون مرضاهم بهذه النظرة. وتعزز تعجُّبه من احتقار تلاميذه للفقراء دون النظر للقوى البنائية التي سببت فقرهم.

وفي دراسة لاحقة، أجرى ليرنر دراسة يعطي فيها جائزة لرجل من رجلين بصورة عشوائية، وفوجئ بأن تلك الجائزة جعلت الملاحظين في التجربة ينظرون إليه نظرة إيجابية عن الرجل الآخر الذي لم يتلق جائزة. كانت الجائزة عشوائية تمامًا، وعلى الرغم من ذلك نظر الملاحظون إلى الفائز بالجائزة نظرة استحقاق، وإلى الآخر نظرة تبخس من قدراته.

ربما تكون التجربة الأشهر التي أجراها ليرنر وزملاؤه في جامعة كانساس عام 1966، والتي اشترك فيها 72 سيدة تشاهدن بعض الخاضعين للتجربة أثناء تلقيهم لصعق كهربي تحت مختلف الظروف. كان الملاحظون منزعجين في البداية من معاناة المصعوقين. ولكن مع استمرار الصعق وعجز الملاحظين عن التدخُّل، بدأ الملاحظون يحطون من قيمة الضحية ويتهمونها بأنها تستحق تلك المعاناة، وكلما زادت معاناة الضحية قل التعاطف معها.

الأبرياء المذنبون أو التجني على الضحية

بداية من اتهام النساء بأنهن السبب في انتشار ظاهرة التحرُّش الجنسي عبر ارتداء نوع معين من الملابس، وحتى اتهام الناس بغياب الوعي، نلاحظ العامل المشترك في الظاهرتين وغيرهما من الظواهر الاجتماعية، يلوم المتحدِّث الضحية ويحمِّلها مسؤولية ما تعانيه، وكأن الضحايا يستحقون المعاناة.

تعني فرضية العالم العادل بالنسبة للفرد أن نتائج الأفعال قابلة للتنبؤ، وأن النتائج تأتي من جنس العمل. وبالتالي، فإن الاعتقاد في العالم العادل فرضية ضرورية ليعمل المرء بكفاءة في المحيط الاجتماعي، وتنشأ الإشكالية من غياب العدل في هذا المحيط. يستجيب المرء إلى غياب العدل بطريقتين؛ إما بطريقة عقلانية عبر النضال من أجل رفع الظلم عن العالم، أو بطريقة غير عقلانية؛ عبر إعادة تفسير الأحداث والوقائع لتتناسب مع فرضية العالم العادل، فتكون المعاناة مستحقة، وينحسر الحديث عن الظروف الخارجة عن إرادتهم والتي أدت بهم إلى ما هم فيه.

في المقالة المنشورة للتعليق على نتائج دراسات ليرنر في جامعة كامبريدج نقرأ:

«كان الاحتياج إلى العالم العادل ركيزة أساسية في نظرية ميلفن ليرنر عن العالم العادل. فطبقًا لتلك النظرية، يحتاج البشر إلى الاعتقاد بأن كل فرد يحصل على ما يستحقه، وأن الأفعال الجيدة تُقابل بالثواب والأفعال السيئة تُقابل بالعقاب. إن الاعتقاد في تلك العدالة يساعد المعتقدين فيه على الحفاظ على الحد الأدنى من الثقة».

يرتبط الاعتقاد في العالم العادل أيضًا بالتفكير السببي. إذ يبني المرء تفكيره على ثنائية السبب-النتيجة، فإذا حدثت واقعة ما، يربطها الملاحظ بالسبب القريب، أن من وقع عليه الحدث قد فعل شيئًا في الماضي وتلك هي نتيجته. ولكن السببية لم تكن بهذه البساطة في الفلسفة، كما قال الإحصائي كارل بيرسون، فإن الارتباط لا يعني السببية، فربما يتزامن وقوع حدثين في آن معًا، ولكن هذا لا يعني أن أحدهما سبب الآخر.

الواقعية والمثالية في الفلسفة

إن الانشقاق الفلسفي بين الواقعية والمثالية قديم قدم الفلسفة نفسها. بداية من أفلاطون وأرسطو، فلسفة الأول مثالية والثاني واقعية. ولذا، لا تتعلق فرضية العالم العادل بمجال «ما يجب أن يكون»، ولكنها تتعلق بـ «ما هو كائن». فالرغبة بتطبيق العدل إنما هي رغبة أخلاقية إنسانية أصيلة، فلن يرغب إنسان سوي أن يستمر الظلم والمعاناة في العالم. ولكن علينا لكي نطبق هذا العدل أن نبدأ بالخطوة الأولى، بملاحظة كيف يسير العالم الآن وفهم أدواته، دون إعادة تفسيره لكي يتلائم مع فرضيتنا عن العدل الحتمي ونيل المجرم والظالم لعقابهما مهما طال الزمن.

فإن إعادة تفسير الوقائع التي يلاحظ بها الظلم في العالم لا تفضي إلى العدل، بل على العكس، تؤدي إلى مزيد من الظلم، وتجنٍ على الضحايا الذين وقع عليهم الظلم في المقام الأول، تاركين الجاني الحقيقي خلف الستار، بسبب العجز عن توجيه التهم إليه. ولا يمكننا فهم انتصار الأبطال الخارقين في أفلام ومسلسلات الخيال والأنمي إلا تعبيرًا عن رغبة الإنسان في فرض مُثله الأخلاقية على الواقع الذي تغيب عنه تلك القيم، وأن الخير لن ينتصر في الواقع باعتبار الضحايا مذنبين، ولكنه ينتصر إذا وجد من يسعى لنصرته.

0

شاركنا رأيك حول "العالم كفيلم أنمي: هل سينتصر الخير في النهاية حقًا؟"