الإغريق وتأثيرهم: إليكم 4 اكتشافات غيرت مجرى التاريخ
0

لطالما أدهشتنا الحضارة الإغريقية أو اليونانية -والتي امتدت في الفترة (1200 ق.م – 323 ق.م)- بإنجازاتها ومساهمتها التاريخية؛ في وضع الكثير من اللبِنات الأولى للمعرفة بالقارة العجوز -أوروبا- في كلِّ من العلوم والفلسفة والسياسة والفن. حيث ألهم الإغريق القدماء علماء أوروبا في عصر التنوير بالمُضيِّ قدمًا من خلال هذا الإرث المعرفي العظيم في تعزيز اكتشافاتهم العلمية الحديثة، والتي ساهمت بصورة كبيرة في ازدهار القارة الأوروبية وتقدّمها.

ولولا مساهمة الإغريق في وضع حجر الأساس لتقدّم البشرية، بالتأكيد لكان العالم الحالي سيأخذ منحى آخر في التطوّر غير الذي نعرفه اليوم، على الرغم من قلّة الإمكانيات المتاحة للاكتشاف ووضع النظريات العلمية والمعرفية خلال تلك الحقبة.

فلسفة المعرفة لدى الإغريق

الإغريق - فلسفة المعرفة

قدّم المؤرّخ الإغريقي هيرودوت (484 ق.م – 425 ق.م) نافذة رائعة لقوم الإغريق القدماء حول معرفتهم للعالم، وهو ما ساهم في تقدّم الحضارة الإغريقية على مر القرون اللاحقة معتمدين على ملاحظاتهم التي ترى بالعين فقط، والذي مثّل أساس المعرفة لهم في تلك الحقبة.

زعم هيرودوت أنَّ أفريقيا كانت بالكامل محاطةً بالبحار. وروى البحّارة الفينيقيون قصة إرسالهم بواسطة نيكو الثاني -ملك مصر- في القرن السادس قبل الميلاد، للإبحار حولها. حيث كانت أقدم رحلة محيطية حول القارة الأفريقية، وحوَت خلالها على رؤية مثيرة للمعرفة الفلكية في تلك الحقبة. استمرت الرحلة عدّة سنوات وبعد اقترابهم من الطرف الجنوبي لأفريقيا لاحظ البحّارة؛ الشمس على جانبها الأيمن من اتجاه الشمال. وقد كانت الملاحظة غريبة لهم، لأنّهم لم يعلموا في ذلك الوقت أنَّ الأرض لها شكل كروي، وأنَّ المنطقة التي وصلوا إليها هي نصف الكرة الجنوبي من الأرض.

على الرغم من فقدان الغالبية العظمى من الأعمال والاكتشافات العلمية في عصر الإغريق -والتي أخّرت من صحوتنا العلمية لآلاف السنين- إليك عزيزي القارئ أربعة اكتشافات فلكية مذهلة قام بها الإغريق القدماء.

مركزية الشمس وترتيب الكواكب

الإغريق - مركزية الشمس

جادل أرسطرخس من جزيرة ساموس (310 ق.م – 230 ق.م) -وهو أبرز علماء الإغريق القدماء- بأنَّ الشمس هي مركز الكون، ووضع الكواكب المعروفة في تلك الفترة -خمسة كواكب- بترتيبها الصحيح، حيث كانت المركزية هي أفضل وصف للنظام الشمسي في ذلك الوقت. لكن لسوء الحظ فُقدت أعمال أرسطرخس الذي قَدّم فيه هذه الحُجّة التاريخية، لذلك لم يُعرف كيفية توصّله لهذا الوصف.

اقرأ أيضًا: عشرة ميول جنسية غريبة في الحضارتين الرومانية والإغريقية

كما أوضح أرسطرخس بأنَّ الشمس كانت كبيرة جدًا مقارنةً بالأرض والقمر. لقد كانت نتيجة مذهلة خصوصًا عندما تُفكّر بأنَّه لم يتم اكتشاف مركزية الشمس إلى أن جاء عالم الفلك البولندي نيكولاس كوبرنيكوس، الذي اعترف خلال إعداد نظريته بفرضية أرسطرخس.

حجم القمر

الإغريق - القمر

إحدى كُتب أرسطرخس التي ظلّت موجودة حتى العصر الحالي، كانت متعلّقة بحجم القمر وبعده عن الشمس. في هذا الكتاب وضع أرسطرخس أول نظرية رياضية معروفة حول حجم وبعد القمر عن الشمس. لاحظ الإغريق منذ فترةٍ طويلة أنَّ القمر والشمس يظهران وكأنّهما بحجمٍ واحدٍ في السماء، إلّا أنَّ الشمس أبعد كثيرًا. ولم يدركوا ذلك إلا بواسطة كسوف الشمس أثناء عبور القمر أمامها على مسافة معيّنة من الأرض. كما أوضح أرسطرخس في كتابه أنَّ الشمس والأرض والقمر يشكّلان معًا مثلّثًا قائم الزاوية خلال فترتين من أطوار القمر.

وبمساعدة نظرية فيثاغورس حول كيفية ارتباط أطوال أضلاع المثلث، قام أرسطرخس بتقدير المسافة من الأرض إلى الشمس بين 18 إلى 20 مرة نفس المسافة بين الأرض والقمر. كما قدّر أيضًا حجم القمر -الذي كان ثُلث الأرض- بناءً على زمن الكسوف الشمسي. في حين أنَّ المسافة التي قدّرها أرسطرخس بين الأرض والشمس كانت صغيرة جدًا -لعدم إتاحة الدقة التلسكوبية خلال تلك الفترة- إلّا أنَّ حسابات حجمي القمر والأرض ظهرت دقيقة بشكلٍ مدهش؛ حيث قطر القمر الفعلي يساوي 0.27 مقارنة بقطر الأرض.

اليوم نعلم حجم ومسافة القمر بدقة عالية، بفضل مجموعة متنوّعة من التقنيات الحديثة مثل التلسكوبات الدقيقة والرادار وغيرها من تقنيات القياس الحديثة التي وضعت على سطح القمر بواسطة المهام الفضائية. وبهذا قدّم الإغريق مجموعة أرقام دقيقة للغاية بالرغم من عدم توافر التكنولوجيا الحديثة.

محيط الكرة الأرضية

الإغريق - محيط الكرة الأرضية

استطاع إراتوستينس (276 ق.م – 195 ق.م) كبير أمناء الإغريق بمكتبة الإسكندريّة وخبيرها التجريبي. من من قياس محيط الأرض، ويُعد من أكبر إنجازاته العلمية حيث يُعتبر أول حساب بشري لمحيط الأرض ويعد من أكبر إنجازاته العلمية. واستخدم في حساباته الرياضية على قياس أطوال الظلال القادمة من الأعمدة العملاقة المثبّتة عموديًا خلال فترة زمنية واحدة، بمنتصف النهار أثناء بداية فصل الصيف في دوائر عرض مختلفة.

إنَّ الشمس بعيدةً بالقدر المطلوب لكي تصل أشعتها بشكلٍ متوازٍ إلى الأرض، لكن أظهر الاختلاف في أطوال الظلال من الأعمدة، على أنَّ سطح الأرض كروي. واستطاع إراتوستينس من خلال تلك الملاحظة معرفة محيط الكرة الأرضية 40,000 كيلومتر، أي أقل ببضع كيلومترات فقط من القيمة الفعلية التي حددها علم شكل الأرض 40,075 كيلو متر.

آلة أنتيكيثيرا

الإغريق - آلة أنتيكيثيرا

تعتبر آلة أنتيكيثيرا، أقدم جهاز يعود لفترة تاريخ الحضارة الإغريقية، حيث تم اكتشافه في حُطام لسفينة بالقرب من جزيرة أنتيكيثيرا عام 1900 م. الجهاز محطّم إلى أجزاء بفعل مرور الوقت الطويل، لكن عندما يتم جمع الأجزاء مع بعضها فإنّه يظهر بشكل مربع بداخله عشرات العجلات من التروس البرونزية التي وُضعت بدقة.

وعندما تُدار آلة الإغريق تلك يدويًا بواسطة مقبض مثبّت فيها حيث توضّح مراحل القمر وتوقيت الخسوف بالإضافة إلى الكواكب المعروفة في حقبة الإغريق (عطارد، الزهرة، المريخ، المشتري، وزحل) بالنسبة للأرض بمختلف أوقات السنة.

لم يُعرف بالتحديد من صنع الآلة، لكن يُعتقد أنّها من اختراعات أرخميدس.

إنَّ ازدهار حضاراتنا البشرية الحالية له ارتباط وثيق باكتشافات الإغريق الثورية، ولولا فقدان غالبية هذه الاكتشافات لكانت صحوتنا العلمية والمعرفية مُبكّرة جدًا عن التي شهدناها في عصر التنوير بأوروبا.

0

شاركنا رأيك حول "الإغريق وتأثيرهم: إليكم 4 اكتشافات غيرت مجرى التاريخ"