المعرفة
1

نعيش اليوم في عالم رقمي سريع التطور، تتوافر وتتاح فيه المعلومات أمام الجميع، ففي ظل الثورة الرقمية التي يشهدها العالم في الوقت الحالي، تساهم بيئة التكنولوجيا والتقنية الحديثة في إتاحة وتوفير أشكال المعرفة المختلفة في صورة تناسب تقنيات العصر، وذلك عن طريق بناء وتكوين وإنتاج واكتساب ونشر المعرفة فقط عبر كبسة زر صغيرة، بما يتيح وصولًا سريعًا للمعلومات وكافة أشكال الثقافة والمعرفة عبر الإنترنت ولمن يحتاجها ويسعى للحصول عليها، بغض النظر عن مكان اتّصاله بالإنترنت.

وعلى مر التاريخ البشري، ارتبطت المعرفة بالتطور التقني والتكنولوجي والتحولات النوعية فيها، فمثلما كان للطباعة التي عرفتها أوروبا في منتصف القرن الخامس عشر على يد يوهان غوتنبرغ آثار ضخمة في إيصال العلم والثقافة إلى الناس، ونشر الأفكار المعرفية الجديدة بينهم، كان للإنترنت والتدوين وظهور تقنية wikimedia على الساحة آثار مماثلة في عصرنا الحالي، حيث نقلت الموسوعات المعرفية اصدارتها المطبوعة والمحفوظة في شكلها المادي التقليدي إلى شكل رقمي. 

وتعتبر wikimedia تقنية عالمية تساهم في نشر ونقل الثقافة والمعرفة والفنون والآداب المختلفة، مهمتها الأساسية العمل على تقديم ونشر محتوى تعليمي بطريقة مجانية لكافة أنحاء العالم، بما يهدف إلى نشر الثقافة والتعليم والتنوير على نطاق واسع، وبالطبع من أشهرها عالميًا: الموسوعة الحرة wikipedia.

موقع المعرفة بداية عصر الموسوعات الرقمية العربية

أما على النطاق العربي، فلا يخفى على أحد مدى ضعف المحتوى العربي المكتوب على الإنترنت، فقبل عدة أعوام، كانت المحتوى المكتوب باللغة العربية يمثل نسبة غاية في الضآلة، ففي عام 2015 خرجت العربية من بين تصنيف أكثر عشر لغات مستخدمة على الإنترنت، واليوم تبلغ نسبة المحتوى العربي على الإنترنت حوالي 4.8% فقط، بما يعكس تراجع الثقافة والمستوى الهزيل للتعليم، ولا يتناسب أبدًا مع مقدار أهمية اللغة العربية وعدد مستخدميها والناطقين بها. وفقًا لبيانات الموقع الرسمي للأمم المُتحدة، تعتبر اللغة العربية من اللغات الأكثر انتشارًا على مستوى العالم، حيث يتحدث بها حوالي  422 مليون شخص في كافة أنحاء العالم.

لغات مستخدمة على الإنترنت اليوم
أكثر 10 لغات مستخدمة على الإنترنت اليوم، اللغة العربية في المركز الرابع بنصيب 4.8% (المصدر: إحصائيات internetworldstats)

وهنا برز دور المواقع الإلكترونية الناطقة بالعربية تحديدًا، غير أن أغلبها حصر نفسه في ثالوث: (المدونات – المواقع الإخبارية – المنتديات) مع تقديم محتوى هزيل يفتقر أغلبها الغاية إلى نشر الوعي والثقافة والمعرفة، لكن في عام 2007، كانت البداية والشرارة الأولى لانطلاق عصر الموسوعات الرقمية المتاحة مجانًا على شبكة الإنترنت، عندما بدأ موقع المعرفة عصر الموسوعات المعرفية الحرة الناطقة باللغة العربية. 

ومضات على بداية موسوعة المعرفة

موسوعة المعرفة
موقع موسوعة المعرفة

موقع موسوعة المعرفة الرائد عربيًا. ففي 16 فبراير من عام 2007، تم تدشين موقع موسوعة المعرفة الرائد عربيًا، كأول مكتبة رقمية عربية متكاملة مجانية المحتوى ومفتوحة المصدر على الإنترنت، تستخدم نظام الـ wiki العالمي بهدف إدارة وجمع وتكوين المحتوى، وتعنى بنشر جميع الحقول المعرفية، من تاريخ وفن وفلسفة وعمارة وأنثروبولوجيا واقتصاد وغيرها الكثير من المعارف العامة التي تهدف لنشر الثقافة، ومن المؤكد -على مدار الحضارة البشرية- أن الارتقاء والعمران البشري تتخلى في المجتمعات النشطة والمنفتحة على العلم والمعرفة.

وتعتبر موسوعة المعرفة من أول الموسوعات الرقمية المتاحة باللغة العربية على شبكة الإنترنت، وهي من إنتاج عرب وموجهة إلى المستخدمين في العالم العربي، تعمل بمثابة موسوعة معرفية ثقافية حرة متنوعة ومحايدة، يقوم على تحريرها وكتابتها مجموعة من الشباب العربي، لتخدم القارئ العربي أيضًا، وبشكل مجاني، وتعتمد على نشر المحتوى وفقًا لرخصة جنو للوثائق الحرة، والمعروفة اختصارًا بـ GNU FDL، وكدفقة أولى للمحتوى اعتمدت الموسوعة على عدد من المقالات المتاحة ضمن مواد المواقع والمصادر التي تصرح بالنقل عنها.

وعلى مدار 13 عامًا، نجحت الموسوعة الناطقة بالعربية في خدمة مئات الملايين من المستخدمين، وضمت حوالي 128٬256 مقال، بالإضافة إلى 60.000 صورة، و2.409.583 صفحة مخطوط، فضلًا على ما يزيد عن 25.000 كتاب عربي بلا حقوق ملكية متاح للتحميل مجانًا.

تقوم الموسوعة على الجهود التطوعية، وهي مؤسسة لا تهدف للربح، ولا تتلقى أي تمويل من أي جهة خارجية، ولها مجلس أمناء، يضم عدد من المثقفين والمفكرين، وكان منهم: الكاتب والصحفي جمال الغيطاني، والمفكر الكبير عبد الوهاب المسيري. ونجحت بهذا الشكل في كسب ثقة غالبية مستخدمي الإنترنت من الباحثين عن المحتوى العربي، لتكون أول ما يلجأون إليه للتحقق من صحة المعلومة، لتصبح بذلك الموسوعة العربية الأشهر والأكثر موثوقية على الإنترنت.

المؤسس د.نائل الشافعي

جدير بالذكر، أن الموسوعة العربية تم تأسيسها على يد خبير الاتصالات د. نائل الشافعي وهو مصري الجنسية، حاصل على بكالوريوس الهندسة من جامعة القاهرة عام 1981، ثم حصل على درجتي الماجستير والدكتوراه، عامي 1986 و1990، من قسم علوم الحاسب معهد مساتشوستس للتكنولوجيا (MIT)، ويعمل كاستشاري للعديد من الهيئات الدولية، مثل: هيئة الاتصالات الفيدرالية الأمريكية، وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي.

وبجانب اهتماماته العلمية، يولي د.نائل الشافعي اهتمامًا كبيرًا بالثقافة والتراث العربي، بجانب حب اللغات، حيث يتقن الإنجليزية والألمانية واليابانية، وملم أيضًا بالفرنسية والعبرية وبأشكال الكتابة الصينية، وبأبجديات السريلية واليونانية. كان د. نائل الشافعي من أوائل الكتاب المساهمين في ويكيبيديا الإنجليزية والعربية واليابانية. كما كان أيضًا أكبر كاتب مساهم في ويكيبيديا العربية.

المعرفة تنقذ مخطوطات نادرة من الضياع

وتحت شعارها القائل: (المعرفة.. الموسوعة الحرة لخلق وجمع المحتوى العربي) قامت الموسوعة بجهود ضخمة ومحمودة في سبيل الحصول على حق القيام بالمسوحات الضوئية وحفظ ورقمنة وعرض مجموعة هائلة من المخطوطات النادرة والمنسية والأصيلة؛ حماية لها من تعرضها التلف أو الضياع، والعمل على تنسيقها وتبويبها إتاحتها للباحثين والمؤرخين والطلاب حول العالم.

في البداية نجحت الموسوعة الرائدة عربيًا في الحصول على ما يقرب من الـ 30.000 مخطوط عربي (متوسط الواحد 350 صفحة، نشر جزء كبير منها، والباقي يتم نشره تباعًا)، من مكتبات حيدر آباد في الهند، وذلك بالتعاون والتنسيق مع الحكومة الهندية، لتتوالى بعدها الجهود الرامية إلى حفظ المخطوطات النادرة من أماكن وبلدان أخرى، وبلغات أخرى غير العربية، مثل: الفارسية والتركية والصينية الماندرينية المكتوبة بواسطة الحروف العربية.

وهكذا كانت الخطوة الأولى وغير المسبوقة عربيًا، في مجال مواقع الـ Content Farms والـ Wikimedia العربي بسبب جهود موقع موسوعة المعرفة وشغف مؤسسها د.نائل الشافعي نحو نشر الثقافة والمعرفة والعلوم، لتبدأ بعدها عدد من الموقع تأخذ نفس النهج في إثراء المحتوى العربي على شبكة الإنترنت.

1

شاركنا رأيك حول "في زمن رقمنة المحتوى: موقع المعرفة محتوى عربي موسوعي بحق"