تفسير فون نيومان – فيغنر لميكانيك الكم
0

مقدمة

كنا قد رأينا في مقال “صديق فيغنر: هل يجبرنا ميكانيك الكم حقاً أن نعتبر بأن الوعي عنصر أساسي في تشكيل العالم؟” كيف حاجج فيغنر بأن توصيف ميكانيك الكم للراصدين الواعين قد يوقعنا في مشاكل، كما بينا رد تفسير كوبنهاغن على هذا الكلام.

إلا أننا سنسهب هنا في شرح التفسير البديل لميكانيك الكم والذي يسمى أحياناً أنه تفسير “الوعي يسبب انهيار الدالة الموجية“، وينسب إلى كل من جون فون نيومان § ويوجين فيغنر§.

محاججة هذا التفسير

كنا قد رأينا سابقاً في هذه السلسلة أنه لو أردنا أن نقيس سبين الإلكترون على اتجاه محدد يعينه اتجاه حقل مغناطيسي ما، عندها سنجد إحدى نتيجتين بعد القياس: إما أن السبين هو بجهة الحقل المغناطيسي، أو أنه يعاكسه.

ويكون الإلكترون قبل القياس في مزيج من الحالتين السابقتين في الحالة العامة، وليس في إحداهما حصراً. وفقط عند إجراء القياس عليه، تنهار دالته الموجية ويصبح في إحدى الحالتين السابقتين.

ولكن، ما الذي يسبب الانهيار؟ هل هو جهاز القياس؟ إن جهاز القياس نفسه مكون من جسيمات تخضع لقوانين ميكانيك الكم، وبالتالي ستكون الجملة المركبة من الإلكترون وجهاز القياس في حالة تراكب قبل أن يحصل عليها قياس كجملة مركبة: وحالة التراكب هذه هي مزيج من الحالتين: سبين إلكترون بجهة الحقل/جهاز قياس يقيس السبين بجهة الحقل، مع سبين الإلكترون بعكس الحقل/جهاز قياس يقيس السبين بعكس جهة الحقل.

وستحتاج الجملة المركبة لأن يحصل عليها قياس بجهاز قياس جديد كي تخرج من التراكب (أي كي تنهار دالتها الموجية). ولكن هنا يحق لنا أن نسأل: ألن توصف عندها الجملة المركبة الجديدة والمكونة من السبين وجهاز قياس السبين، وجهاز القياس الجديد للجملة المركبة ككل بميكانيك الكم؟ والجواب هو، بلى. إذاً، ما الذي سيجعل الدالة الموجية المركبة لكل ما سبق تنهار؟ ومتى تتوقف هذه السلسلة؟

لقد كان اقتراح هذا التفسير هو أنها لن تتوقف إلا إذا كان الشيء الذي يقوم بالقياس لا يخضع بحد ذاته لقوانين ميكانيك الكم.

وبأخذ ما بينته تجربة صديق فيغنر التي تحدثنا عنها  من مشاكل تحصل لميكانيك الكم لدى توصيف المراقبين الواعين، وذلك وفق رأي من يتبعون هذا التفسير، لذلك يفترضون بأن الوعي هو ما يوقف هذه السلسلة ويقوم بالقياس فعلياً! فالوعي إذاً هو المسؤول عن انهيار الدالة الموجية!

الاعتراضات على هذا التفسير

وجهت العديد من الانتقادات لهذا التفسير في الواقع، بل إن بعضها أجبر فيغنر نفسه للتخلي عنه، وسنسوق لكم بعضها هنا.

أولاً، ما هو المقصود بالوعي في هذا التفسير؟ وما تعريفه الدقيق؟ فمن دون تعريف صريح وواضح يحوله لمفهوم دقيق، لا نستطيع إدخاله كجزء من نظرياتنا العلمية.

ثانياً، على فرض قبلنا بأن الوعي هو ما يسبب الانهيار، فذلك سيضعنا في مشكلة كبيرة: فالكون كان خاضعاً لميكانيك الكم قبل ظهور البشر بفترة طويلة، وحتى قبل أن تكون هناك إمكانية فيه لظهور كائنات معقدة بما يكفي كي تمتلك وعياً، فكيف يمكن للكون عندها العمل دون وجود وعي يرصده؟ لقد التف بعض أصحاب هذه النقطة على هذا الافتراض بافتراض وجود وعي كوني منذ بداية الكون يرصده كله، إلا أن تفسيراً كهذا سيكون غير علمي بسبب الاعتراض الأول الذي ذكرناه في الأعلى!

ثالثاً، باستناد هذا التفسير على فكرة جوهرية وهي أن الوعي والمادة لهما طبيعتان مختلفتان تتجليان بأن كل منهما له قوانينه الخاصة (كي لا تنطبق قوانين ميكانيك الكم على الوعي وفقاً لهذا التفسير كما ذكرنا)، فقد أوقع نفسه في مشكلة “التفاعلية” نفسها التي وقع فيها رينيه ديكارت عندما طرح وجهة نظره الثنائية عن العالم§، إذ كيف يمكن لشيئين من طبيعتين مختلفتين (الوعي والمادة وفق هذا التفسير) ولكل منهما قوانينه الخاصة، أن يتفاعل أحدهما مع الآخر؟

خاتمة

كما نلاحظ، فإن هذا التفسير على الرغم من بعض الجاذبية التي يحتويها، إلا أنه يعاني الكثير من المشاكل أيضاً. لذلك سنتابع لكم في سياق هذه السلسلة طرح المزيد من التفسيرات التي اقترحت لميكانيك الكم؛ حتى تتمكنوا من أخذ صورة شاملة قدر الإمكان عن بعض أهم المحاولات الحثيثة والشاقة التي قام بها العلماء، في محاولة منهم لفهم هذا العالم العجيب لميكانيك الكم!

0

شاركنا رأيك حول "تفسير فون نيومان – فيغنر لميكانيك الكم: جدل قائم بشأن ثنائية مادة- وعي"